الأحد، 23 يناير، 2011

بسالة بورسعيد تهان وعلمها يُسرق منها


العلم الأصلي
العلم المشوه
موقع المحافظة يحمل العلم الغريب



قاسم مسعد عليوة

     غضب محتدم يسود مدينة بورسعيد هذه الأيام بسبب فعلة شنعاء حيك لها بسرية تامة كما تحاك كل المؤامرات الدنيئة الموجهة ضد مصر ووطنييها، فظل أمرها طى الكتمان مطموراً داخل "ماجور" السلطة التنفيذية حتى اختمرت وانتفخت، ثم عطنت وعفنت وشاعت فيها ميكروبات الغثاثة والقماءة، وما إن انكشف عنها الغطاء حتى بوغت البورسعيديون بالعطانة والعفونة تشيع فى أجواء مدينتهم، وبالغثاثة والقماءة تحتل سماءها وترفرف فوق رءوس الجميع.. فما الذى حدث؟.. ولماذا فى هذا الوقت بالذات؟.. وما هى الدوافع؟..

     ما حدث أنه فى غيبة من الضمير، وبعد طوفان التزوير، وبينما الوطنيون مشغولون بقضايا الديموقراطية والبيئة والدفاع عن التراث المعمارى للمدينة وبذل الجهد لرأب صدع الوحدة الوطنية التى صارت هى قضية القضايا، إذ بمحافظ بورسعيد يفاجى المدينة بتغيير علمَها ورمزها الذى ارتبط بواحد من أهم المواقف التاريخية المصرية والعربية.. موقف لم تشهده المدينة وحدها، وإنما شهده معها الوطن كله، وشاركت فيه القوى الداعمة للنضال ضد الاستعمار فى العالم أجمع.. موقف غيَّر الخرائط والمواقف السياسية الدولية بإسقاطه لدول وإنهاضه لدول.. فى هذا الموقف دفعت بورسعيد ثمناً غالياً من أجل الدفاع عن استقلال مصر والذود عن كرامتها وإتاحة فرص التنمية أمام شعبها؛ وإذ تناضل من أجل هذا، كانت تناضل أيضاً من أجل كل الشعوب التواقة إلى الحرية ونيل الاستقلال، لذا صارت هذه المدينة قدوة لشعوب أفريقية وأسيوية ولاتينية كثيرة، وكعبة يؤمها زعماء الوطنية ويأتونها من مشارق الأرض ومغاربها.

     كم كان الثمن الذى دفعته بورسعيد باهظاً، لكنها عن طيب خاطر ورضا نفس دفعته، وبه وبمداد من دماء شهدائها كتبت اسمها واضحاً جلياً فى سجل التاريخ، وبالدماء صبغت عَلمَها الذى اتخذه قادة حركات التحرر الوطنى نبراساً يضىء وراية تقود.

     طبيعى ـ والأمر هكذا ـ أن ينظر دعاة التبعية وأنصار الدعة والاستسلام إلى العلم بغيط وكمد، وطبيعى أن يتحينوا به الفرص، وها هى بوابات الفرص تفتح لهم "عن وسع" مع تغير اتجاهات التيارات السياسية، وهل هنا ك من فرص أفضل لهولاء تفوق الفرص التى تتيحها المرحلة الآنية، حيث صار العدو صديقاً والصديق عدواً؟.. ألا يستشعرون الآن بعضاً من أمان، وبعضاً من قوة؟.. فليعمدوا إذن إلى محاولات ما فتئوا يحاولونها، لتغيير هذا العَلم الذى يضجرهم بلونه الأحمر القانى ويفضح رخاوتهم ونذالتهم، فهم ـ وهذه هى سيكولوجية المُفرِّطين ـ  مؤرقون بمحو كل ما يذكِّرهم بهزائمهم وفترات ضعفهم وركنهم إلى الهامش. إن لون التضحيات يفزعهم، وسنبلات السلام المغموسة بدماء المقاومين ترعبهم، والمرساة التى تثبِّت رسو وطنهم وتقاوم الأنواء التى تعترضه لا تساير رغباتهم، وكلها موجود فى هذا العلم.

     حاول هؤلاء ذات مرة، هم والمنافقون والمداهنون من التنفيذيين وسياسيى الحزب الوطنى تغيير لون علم بورسعيد من اللون الأحمر إلى اللون (اللبنى)!!.. نعم اللون (اللبنى)، وتوقفوا ـ أعزائى القراء ـ أمام اللون اللبنى وقارنوا بينه وبين لون العلم الإسرائيلى.. العلم الذى يضم المنطقة من النيل إلى الفرات.. ليس هذا فقط، لكنهم جمعوا بين محاولة تغيير علم بورسعيد، رايتها ورمزها، ومحاولة تغيير اسم المدينة ذاتها ليكون (بور سادات)!!.. نعم (بور سادات).. أى ميناء السادات.. رجل التطبيع الذى سفح الكرامة، التى حفظها المصريون بانتصارهم المجيد فى حرب أكتوبر، على أعتاب الصهيونية العالمية وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، وأوصل مصر إلى ماهى فيه الآن من محن وأزمات.

     حدث هذا بالفعل، وكادت الكارثة تمر من المجلس الشعبى المحلى للمحافظة إلى القاهرة للإقرار والاعتماد، واستغل هؤلاء حالة الجيشان السلطوى إثر وفاة السادات لتحقيق هدفهم والحط من شأن كل ما هو وطنى ومقاوم، ولولا وقفة الوطنيين وقتها، وصلادة قوى اليسار داخل المدينة ومقاومتهم الشديدة لهذه المحاولة  لما تم صرف النظر عنها فى ذلك الحين.

     وقتها بانت المواقف، وعُرفت الاتجاهات: وطنيون ومفرِّطون ولا اتجاه ثالث بينهما؛ ظل علم المدينة يرفرف فوق الجميع بلونه الأحمر الذى شرفت المدينة  بصبغ علمها به، لون التضحية والفداء، فكم من رجال ونساء، شباب وشيوخ وأطفال، ضحوا واستشهدوا من أجل سمو الوطن ومجده، ومن أجل تحرر شعوب البلدان المحتلة، وكان آخر شهيد يسفك الغزاة دمه الطفل حسن حمود، آخر شهداء حرب 1956م، الطفل الذى اُشْتِق من قميصه المُضرَّج بالدم علم بورسعيد  كما قال البدرى فرغلى أثناء مقاومة هذا القرار.

      وفى وقت اختمار المؤامرة  ظهرت أعلام مزيفة لم تستمر طويلاً، فتارة يحيطون المرساة باللون الأبيض، وأخرى بدرجة من درجات اللون البنى، تم التصدى لهذين العلمين المزيفين فى حينهما، إلى أن انكشف الغطاء عن العفن الذى تآمروا من أجله، وبان انقلابهم على كل المعانى النبيلة التى يمثلها علم بورسعيد الجميل بالفن الغنى بالمعنى، وإلا فلماذا خرجوا علينا من بوابة الإدارة المحلية بالفجاجة التى خرجوا بها؟.. أى ذوق غث يريدون فرضه علينا؟.. وكيف يريدوننا أن نعترف بهذا القبح وتلك السماجة ونقرهما؟..

      غير الانقلاب الذى يمثله هذا العَلم السُبة على المعانى الوطنية النبيلة فهو أيضاً مَعَرَّة فنية بكل المقاييس، ولو طلب مدرس رسم فى مرحلة التعليم الإبتدائى من تلاميذه وضع تصمم لعَلم مماثل لجاءت تصميماتهم أفضل من هذا التصميم الشائه بكثير. فالتصميم المزرى يحتوى على فنارين مثبتين فوق مدرج مستطيل واحد ومرتبطين بالقرب من قمتيهما يسعفتين أو غصنين مورقين ومربوطين من طريفهما (ملحوظة: فنار بورسعيد الأصلى عطلوه بعدما حاصروه بالأبراج السكنية الشوهاء) وبين الفنارين قرص دائرى مزدحم برسوم متنافرة لا انسجام بينها، ففى وسط القرص مرساة ضخمة مربوط بها حبل أو سلك غليظ ملفوف حول المرساة وهابط إلى أسفل، وإلى يمينه من أعلى دُومان (مقود) مركب بحرى، وفى القرص أيضاً مصنع إلى اليمين وبرج تخرج منه شعلة دلالة على نشاط تكرير الغاز الطبيعى، وإلى اليسار مجموعة من الأوناش الملونة ترمز بالتأكيد إلى نشاط الشحن والتفريغ فى مينائى المدينة، ويا لبراعة المصمم ـ ومن أجاز التصميم أيضاً ـ إذ لم ينس أن يجعل للأوناش ظلالاً ممتدة أسفل منها، وبين الغاز والأوناش وخلف المرساة موجود كتاب مفتوح، على أحد صفحتيه مرسوم ـ ويا للدقة ـ نواة ذرَّة تدور حولها إلكتروناتها، وعلى الصفحة الأخرى رسم غير واضح تماماً ولعله مفتاح بلدى (نمرة 2) للدلالة على التعليم الفنى، ومن الغلاف غير الظاهر بالطبع يتدلى من طرفه الأيمن شىء يشبه المشنة أو المقطف المعدنى، وليت الأمر توقف عند هذا، فهناك شىء آخر غامق ملتصق بالمرساة، لعل المصمم ما قصد منه إلا إيضاح بعدها الثالث، بالإضافة إلى اسم بورسعيد باللغة العربية إلى اليمين، وباللغة الأجنبية إلى اليسار، وغير كل هذا لم ينس المصمم ـ ومن اعتمد التصميم أن يسند ـ أى والله يسند ـ هذا القرص الدائرى إلى عرق خشبى ممتد بين الفنارين ولا يظهر غير طرفيه من جهتى اليمين والشمال، كما لم ينس تثبيت مسمارين فى واجهة أعرض درجة من درجات المستطيل التى يرتكز عليه الفنارين.. لماذا؟!.. لا أحد يدرى.

     ولم ينته أمر الفجاجة عند هذا الحد، وإنما استخدم المُشَوِّه، أقصد المُصمم، أكثر الألوان تنافراً ليزيد العَلم بشاعة فجمع بفظاظة لا مثيل لها بين الأصفر والأخضر والكحلى والأحمر والأسود و... اللبنى.. اللون الذى أرادوه منذ القدم ليكون لوناً لعلم بورسعيد النضال، واحتل هذا اللون الفضاء الكلى للعلم باعتباره الخلفية التى تحوى كل هذا الزحام، وطبعاً التفسير جاهز، ألا يعبر هذا اللون عن البيئة الساحلية والسماء الصافية؟

      لقد ثار الوطنيون ومعهم الفنانون التشكيليون ومنهم أكاديميون مشهور لهم بالكفاءة الفنية، وجميعهم تنادى بالغيرة على تاريخ المدينة النضالى وعلى جمال عَلمهم ورمزهم وشعارهم. لكن جهة الإدارة تمادت فى غيها فرفعت العَلم الجميل ووضعت العلم الشائه على موقعها الإلكترونى المعروف ببوابة بورسعيد الإلكترونية، ورفعته على مبنى المحافظة، ووضعته على عرباتها.. حتى عربة توزيع اللحوم، وجارى الآن عمل مجسم به على هيئة درع لتقديمه كهدايا لزوار المدينة ومن يريد المحافظ تكريمهم.

     هل بعد هذا من إهانة؟.. كل هذا يُفعل بدون إرادة الشعب الذى سيُرفع هذا العَلم فوق رأسه وسيحييه أطفال المدارس؟.. أين المجلس الشعبى المحلى للمحافظة من كل هذا؟.. طبعاً معروف أين هو، وأين أعضاء مجلس الشعب.. وأظن أن منهم من لن يرضيه هذا التشويه؟.. وأين محمد عبد السلام المحجوب وزير الدولة للإدارة المحلية من كل هذا؟.. وهل يمكن أن يتم شىء منه دون موافقته؟.. بل أين رئيس مجلس الوزراء الذى هو فى نفس الوقت رئيس مجلس المحافظين؟.. تهاون هؤلاء يدفع الموقف نحو التفجر، وقد بدأ أهالى بورسعيد يتنادون لجمع التوقيعات وتنظيم الوقفات الاحتجاجية والمسيرات والمظاهرت، وإحراق العلم المشوة وهم يعلنون رفضهم له، كأن الإدارة المحلية ترى أن البلد ناقصة مظاهرات ووقفات احتجاج، وهى تدفع شعب بورسعيد إلى اتخاذ هذه المواقف.

     والكل فى المدينة يؤكد أن العَلم.. علم بورسعيد الباسلة.. سيظل أحمر قانياً، وستظل بورسعيد قلعة للنضال الوطنى، وسيظل البورسعيديون حماة لأمن مصر والمصريين.

قاسم مسعد عليوة
                                                                                    يناير 2011م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق