الخميس، 20 يناير، 2011

كرنفال

قصة : محمد زهران
المصري اليوم 20-1-2011
وقف الشاب المجهد النحيل.. الجاكيت الجلدى فوق القميص البوليستر متآكلة أطرافه.. طلب الكلمة.. تطلعت عيناه المذعورتان إلينا نحن الجالسين فوق المنصة بتوجس من يخاف الإصابة بعدوى مرض لا شفاء منه.. اعتاد أن يتعاطى من إعلامه الشعبى، جرعات مكثفة تتفنن فى وصف الجالسين أعلى المنصة بكل الموبقات والنواقص.. كانت الوجوه القليلة المتناثرة على عدد لا نهائى من المقاعد لشباب متعجل دخل ليستحضر علاجاً سحرياً لكل همومه ومشاغله.. تتباين الوجوه ما بين منتقبة ومحجبة وسافرة.. وجوه ملتحية وأخرى حليقة والأغلبية» بين بين «.. الاتفاق الأعم هو صغر السن.
بس اللى انتو بتقولوه ده لا يتماشى مع تقاليد الأسرة المسلمة.
مفيش حاجه اسمها أسرة مسلمة.. فيه أسرة مصرية.. لازم نتعود بداية أسس وقواعد الحوار الصحيح بعيداً عن أسلوب نفى الآخر.
أشفقت على الشاب المذعور من لسان صديقتنا الحاد وإن كنت أشعر معها بالأسى على ضياع العمر بلا جدوى.. كان الشاب معبراً عن فئة الحاضرين الغالبة.. الجدار العازل يفصل ما بين العالمين.
لا ياحبيبتى مش دى.. أكيد الخيمة اللى جنبها.
كان الرجل الضامّ إلى صدره بيد كومة من سلسلة مكتبة الأسرة يدفع برأسه وجذعه القماش السميك المتدلى، مخترقاً طرف الخيمة المجاور لمقعدى، تلك الأطراف المرتفعة عن الأرض حوالى المتر عند نقاط التقائها بأوتاد تثبيتها.. اليد الأخرى تحكم قبضتها على الصغيرة المتطلعة إلى المشهد بحيادية، وتمسك بيدها المتحررة من قبضة الأب وجبتها التى استحقتها عن جدارة بعد جولتها الشاقة وسط تنويعات هذا الكرنفال.. اليد الصغيرة تهرس كيس الكشرى الضئيل المستسلم لقبضتها..
تحاول الصغيرة الربط بالنظر بين ما فوق المنصة وتحتها.. تقضم بأسنانها طرف الكيس البلاستيكى المغلق.. تضغط بيديها وتمص بشفتيها بقوة محاولة نقل مكونات الكيس لفمها.. الأب يرفع صوته عالياً ليصل الصغيرة التى بيده محاولاً التغلب على فوضى الميكروفونات.. يطلب منى طارق التعقيب أستأذنه فى سماع السؤال ثانية.
فى الخيمة المجاورة كانت إحدى نجمات الإغراء المقاومة للزمن تستعرض مشوار حياتها.. اكتظت الخيمة وأصبحت الأطراف المرتفعة متنفساً لكتل الجماهير المتراصة لإلقاء نظرة.. كانت ملابس النجمة تتسق مع المكان والحدث الثقافى.. تحول الحديث إلى دور الدين فى حياتها، خاصة أنها استفاضت فى شرح ما تعيشه الآن من سكينة وسلام داخلى، والنور الذى يملأ حياتها بعد رحلة الحج المقدسة.
بعد الحج ما أنش الأوان للحجاب يا حاجه؟
ابتسمت النجمة المدربة على مثل هذه الأسئلة الجماهيرية
كله بأمر الله.
توقفت أمام واحدة من دور النشر الإلكترونى.. هنا الزحام الأكبر من أجيال الشباب الصغار، يتنوع المعروض ما بين الموسوعات والألعاب والأفلام.. يخرج شابان يراجعان بفرحة تنويعات اختياراتهما.. يقترب منهما بعض الشباب الملتحين بزيهم الأبيض القصير المميز.. يلقون نظرة على اختيارات الشابين..يدور بينهم النقاش، لا أميز ما يُقال لكنى استطعت تمييز حمرة الخجل على وجهى الشابين.
أفقت على ضوء فجائى باهر، وشبح ليد تمتد نحوى بالميكروفون.
عايزين نعرف انطباع حضرتك على معرض هذا العام؟
أشرت بيدى معتذراً عن عدم استعدادى للحديث، ألقت المذيعة المزركشة كعروس المولد بالميكروفون لتلتقطه يد أحد الفنيين، وانطلقت بحثاً عن زبون آخر، وانطلقت أنا فى الاتجاه المضاد، وقبل أن يتباعد ما بين الانطلاقتين التقطت أذنى تفصيلات التعليق الحاد السخرية.
إنتو جايبين لى واحد عايش الدور؟ هى ناقصة.
قررت استكمال ما بدأه الرجل وطفلته.. رغم أن الإدارة أهدتنى كل نشرات البرنامج واصلت الجولة على المخيمات والصالات أستطلع الجالسين على المنصة.
لا يا عم دول مش مشهورين تعالى نشوف حته تانيه.
حته تانيه فين دا خلاص هيقفلوا.
والنبى إنت عبيط وأهطل دا التقيل ورا يا مغفل والكبار الباشاوات ما بيصحوش إلا واخرى.. كلهم دلوقتى هتلاقيهم هلين بعد الواغش ما يمشى.
انصرف الشابان فى اتجاه القاعة الكبرى، بحثاً عن وجوه أكثر لمعاناً تشبع العين والأذن.
يشرح الشاب الصغير المتأنق ذو اللحية المهذبة والنظارة الطبية مستديرة العدسات منزوعة الإطار للسيدة المنتقبة كيفية تشغيل أسطوانة الكمبيوتر، وآخر يتطلع مشدوهاً للمصحف الآلى، فهنا بإمكانه استحضار الآية التى يريدها والتى ستظهر له مكتوبة على الشاشة الصغيرة فيسهل حفظها وبنطقها الصحيح، كما أن هذا المصحف يتميز بصغر حجمه فيمكن اصطحابه دائماً فى العمل والمواصلات..
تتجاور الديانتان العظيمتان، لا يفصل بينهما إلا ذلك الجدار الخشبى الرقيق.. يتلاصق المتحمسون من أتباع الديانتين من شدة الازدحام على الاقتناء.. تتداخل أصوات الوعظ الكنسى بقراءات القرآن.. يتدافع المتحمسون.. أطنان من الكتب وشرائط الفيديو والكاسيت والسيديهات.. اندفع أحد المقتنين المتخم بحمولة هائلة من الشروح والتفاسير فى اتجاه الطرف الآخر مزهواً بحصيلة حمولته، ليقابله على الطرف الآخر نظير له فى الهواية، ومع التصادم يتبادلان الابتسامة المعتذرة، وإن كانت متحفزة، وفى لحظة خاطفة تلاقى الكتابان المقدسان فى حادثة تصادم غير مقصودة.
ممكن يا عمو نشترك سوا فى اتناشر كتاب والتمن بالنص؟
نظرة الأم الزاجرة لم تردع الصبى الصغير بل واصل شرح نظريته أصل ماعجبنيش غير ست كتب بس وعشان أستفيد م العرض لازم أخد اتناشر.
أعجبنى منطق الصبى الصغير وجرأته وقدرته على الاقتحام والاختيار، فصاحب المكتبة قد استغل الحدث الكبير وأقام أوكازيوناً للراكد من بضاعته فهو يستغل تكرار العناوين لإغراء الرواد بتغليب الكم على الكيف فالكتاب المفرد بجنيه واحد أما شراء أثنى عشر كتاب دفعة واحدة فهو بخمسة جنيهات فقط، فحاول الصبى بفطنته التغلب على حيلة البائع وكسب الكم والكيف معاً، ومؤكد أنه وجد فى جديتى فى التقليب ضالته المنشودة..
وجدتنى تلقائياً أقلد الصبى وأختار معه.. لم يكن التباين بيننا شاسعاً لهذه الدرجة التى كنت أتوقعها، يسألنى عن الكمبيوتر والخيال العلمى.. أسأله عن الشعر والروايات.. لا يبدى حماساً كبيراً.. ينتفض فزعاً عندما أسأله عن التاريخ، فهذا هو الشىء الوحيد الذى لا يحبه.. قبل أن يأخذنى دور الموجه والمرشد أتوقف مراجعاً نفسى متأملاً إجاباته.. ربما كانت المشكلة فى تقصيرى أنا فى الاطلاع على ما يثير فضول الصبى واهتماماته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق