السبت، 15 أكتوبر 2011

السينما والفتنة..زواج على ورقة طلاق


كتب- أحمد النجار وحسن أبو العلا:
المصري اليوم 14أكتوبر 2011
على مدار 100 عام وأكثر لم تتوقف السينما طويلاً أمام ملف العلاقات بين المسلمين والأقباط وما يتخللها من احتقان حتى قد يصل إلى حد الفتنة الطائفية، أفلام قليلة تناولت القضية بصورة سطحية ولم تطرحها بعمق يتناسب مع أهميتها، باعتبارها قضية وطن بأكمله بمسلميه ومسيحييه خاصة بعد الأحداث التى عاشها المصريون ليلة الأحد الدامى فى ماسبيرو، وسبقتها العام الحالى أحداث أخرى فى إمبابة وأطفيح، إضافة إلى أحداث عنف قديمة وهو ما يدق ناقوس خطر يجب على المبدعين الالتفات إليه.
«المصرى اليوم» تفتح هذا الملف الشائك الذى ابتعد عنه السينمائيون دون أسباب مقنعة وحتى بعض الأعمال التى تعرضت لهذه القضية المهمة كانت أشبه بزواج على ورقة طلاق فلم تتسم بالعمق والتحليل الذى يليق بها، وترصد فى الوقت نفسه أهم الأعمال التى حاولت السباحة ضد التيار والاقتراب من حقل الألغام.
العلاقة بين المسلمين والأقباط على الشاشة: الشعب يريد إسقاط «التابوهات»
تناول علاقة المسلم بالمسيحى على الشاشة الفضية أشبه بالمشى على الأشواك، لذلك يؤثر صناع السينما السلامة والابتعاد عن المشاكل، لكن فى ظل الأحداث الأخيرة تصبح السينما بقوة تأثيرها أداة مهمة فى إزالة أى احتقان أو رواسب بين الطرفين. ويحمل السينمائيون الرقابة مسؤولية غياب الأفلام التى تتناول مشاكل الاحتقان الطائفى وعلاقة المسلم بالمسيحى بعيداً عن الشعارات مؤكدين أن المرحلة المقبلة، وخاصة بعد ثورة 25 يناير، يجب أن تشهد قدراً أكبر من الحريات والتحدث فى المسكوت عنه.
يقول السيناريست بشير الديك: ربما تكون هناك محاولات من جانب بعض صناع السينما لتقديم أفلام عن علاقة المسلمين بالمسيحيين لكن الرقابة ترفض مثل هذه الموضوعات، ففى عهد النظام السابق كان هناك الكثير من المسكوت عنه وقضايا عديدة ممنوع الكلام فيها خاصة التى تتعلق بالدين أو السياسة، لدرجة أن المؤلفين أنفسهم أصبحت بداخلهم رقابة أكثر قسوة من رقابة وزارة الثقافة لأنه ليس من المنطقى أن يكتب المؤلف فيلما وهو يعلم أنه لن يرى النور.
ويشير «الديك» إلى ضرورة التخلص من تلك الممنوعات لأنه من المفترض أننا نعيش فى عصر الحريات، موضحا أن نظام مبارك كان يشغل الناس عن قضاياهم الحقيقية باختراع موضوع الفتنة الطائفية.
ويضيف الديك: عندما تنتهى الفترة الانتقالية ويتم انتخاب رئيس جديد ومجلسى الشعب والشورى ويصبح لدينا ديمقراطية حقيقية بالتأكيد سنطالب بإلغاء كل «التابوهات» ووقتها لابد أن نناقش فكرة فهمنا للدين ونصحح بعض الأفكار المتخلفة لأننا نحتاج هذا لأن الدين من دعائم حياتنا، ولابد أن نناقش قضاياه بحرية.
ويقول المخرج منير راضى: العلاقة بين المسلمين والأقباط قضية شائكة سواء فى الواقع أو على شاشة السينما، وأصعب فيلم قدمته فى حياتى هو «فيلم هندى» فرغم أنه يبدو بسيطا إلا أنه كان صعباً فى التناول لأننى كنت أعمل على «شعرة» وأى خلل كان سيؤدى إلى مشكلة، حيث حاولت جاهدا أن يكون هناك توازن بين شخصيتى المسلم والمسيحى، وأذكر أن الدكتور مدكور ثابت، رئيس الرقابة وقتها، أرسل رقباء لدور العرض ليتعرفوا على ردود أفعال الجمهور وتأثير الفيلم عليهم.
ويؤكد «راضى» أنه من الصعب حاليا تقديم فيلم عن علاقة المسلم بالمسيحى لأنها منطقة خطر، وتلك النوعية من الأفلام ليست تجارية، مشيراً إلى أن المنتجين دائما يبحثون عن الأعمال التى تحقق لهم الربح السريع.
ويضيف راضى: للأسف المشكلة أصبحت مزمنة، وهذا عكس الواقع المصرى، فأنا تربيت مع الأقباط فى مدرسة الفرير بالمحلة، وكانت ملحقة بكنيسة، وكل أصحابى مسيحيون، والحل لهذه المشكلة هو أن يكون لدينا تعليم يغرس فى نفوس الطلاب قيم التسامح وقبول الآخر لأنه فى الماضى لم يكن أحد يفكر أن هذا مسلم وذاك مسيحى.
ويقول السيناريست فايز غالى: هذه الأفلام مرتبطة بوجود منتج يتحمس لها، ولى تجربة مريرة فى هذا الموضوع حيث كتبت منذ حوالى 5 سنوات فيلماً بعنوان «الفاتورة»، وكنت أنوى إخراجه أيضا وهو يطرح فكرة أن كلنا نعيش فى هذا الوطن وندفع نفس الفاتورة، لذلك يجب ألا يكون هناك أى تمييز، فالمسلم يركب نفس الأتوبيس الذى يركبه المسيحى، فما الذى يعطى أى طرف الحق لكى يتفوق على الآخر، لكن فشلت كل محاولاتى فى تنفيذ الفيلم، فمرة يتحجج المنتجون بأن البطل والبطلة مسيحيان، ومرة لأننى سأقوم بالإخراج.
ويشير «غالى» إلى أن هناك حساسية مفرطة فى التعامل مع الموضوعات التى تطرح شخصيات مسيحية، مثلما حدث فى فيلم «بحب السيما»، الذى اعتبره البعض اتهاماً للمسيحيين بالتعصب رغم أن نموذج الأب المتزمت قد ينطبق على الجميع، موضحا أن المجتمع لم يعتد تقديم مشاكل الأقباط على الشاشة، لذلك ينادى بعض المسيحيين بعدم التعرض لمشاكلهم بحجة «سيبونا فى حالنا». ويضيف غالى: للآسف أى عمل يتعرض لموضوع له علاقة بالإسلام يطلبون عرضه على الأزهر، والموضوع الذى يعرض للمسيحية يعرض على الكنيسة.
وينفى المخرج محمد كامل القليوبى عن السينما تهمة تجاهل قضية العلاقة بين المسلمين والأقباط مؤكدا أن الرقابة تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية غياب هذه النوعية عن دور العرض لأنه سبق أن طرح مشكلة الفتنة الطائفية فى فيلم «ثلاثة على الطريق»، وصور بعض المشاهد الحقيقية بشكل سرى، لكن الرقابة حذفت كل هذه المشاهد وظل الفيلم يعرض مبتورا ومشوها لمدة 18 عاما، وكانت قناة الحياة أول من يعرضه كاملا بالصدفة فى الواحدة بعد منتصف ليلة 25 يناير الماضى.
ويقول القليوبى: العلاقة بين المسلمين والمسيحيين تناولتها أفلام كثيرة مثل «حسن ومرقص»، لكن فى الفترة الماضية كان يتم إشعال الفتن والوقوف ضد أى معالجة سينمائية لها، خاصة أن هناك تمويلاً وهابياً فى السينما، ورأس المال له دور فى عدم التعرض لهذه الموضوعات.
ويتفق المنتج محمد العدل مع القليوبى فى عدم تجاهل السينما العلاقة بين المسلمين والأقباط، ويقول: بعض الأفلام التى قمنا بإنتاجها تعرضت لذلك بشكل غير مباشر مثل فيلم «أمريكا شيكابيكا»، فعماد رشاد كان مسيحيا ولم يكتشف من كانوا معه ديانته إلا عند وفاة أحمد عقل، وفى فيلم «همام فى أمستردام» كان مشهد صليب أحمد السقا رائعاً، وكذلك فى فيلم «مافيا» كان أحمد رزق يقدم شخصية الشاب المسيحى خفيف الظل لكننى أرفض مناقشة القضية بشكل مباشر مثلما حدث فى «فيلم هندى»، فهو لم يعجبنى لأن هذه النوعية تجعلنى أقارن طوال الوقت بين المسلم والمسيحى. ويضيف العدل: السينما لم تتغيب عن القضايا الموجودة فى الشارع لكننى أرفض المباشرة لأنها تضر أكثر ما تفيد، فأنا أرفض فكرة عنصرى الأمة، فالأقباط جزء من نسيج الوطن، ولا أستطيع أن أفصلهم عن الوطن، وأقول «تعالوا نشوف بيعملوا إيه».
السينما تختزل العلاقات بين المسلمين والأقباط فى قصص حب فاشلة
فى دراسة أعدها الدكتور ناجى فوزى، عميد المعهد العالى للنقد الفنى، حملت عنوان «المصريون الأقباط على شاشة السينما» تناول ناجى فيها قضية الزواج المختلط، بدءا من فيلم «ليلة القدر» 1952 وصولا إلى فيلم «حسن ومرقص» 2008، يقول فوزى: يقدم «حسين صدقى» فى «ليلة القدر» قضية زواج مختلفى الديانتين من خلال مسألتين مرفوضتين من الناحية المبدئية، ومن شأنهما التأثير على «سلامة البيئة الوطنية» للمجتمع المصرى، أولاهما المقارنة بين الأديان بصفة عامة، لأن مثل هذه المقارنة مجالها البحث العلمى المعتمد على أصول المعرفة، والثانية أن المقارنة (المرفوضة من حيث المبدأ) تأتى مغلوطة عن عمد.
ويشير فوزى إلى أنه عندما عُرض هذا الفيلم، اعترض عليه عدد غير قليل من المسيحيين والمسلمين من ذوى الثقافات العالية، فضلاً عن الاعتراض الرسمى من المؤسسات الدينية المسيحية فى مصر.
ويضيف فوزى فى دراسته: بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 طالب «حسين صدقى» بإعادة عرض الفيلم، فتم له ما أراد، إلا أن نفس النخبة من المثقفين المصريين عارضوا هذا التصرف من جديد، بنفس وجهة النظر السابقة، فأمر اللواء «محمد نجيب»، رئيس الجمهورية وقتها، برفع الفيلم من جميع دور العرض، ومع ذلك وبعد تنحية «نجيب»، وبمناسبة عقد المؤتمر الإسلامى العالمى (1954) قام «حسين صدقى» بتغيير اسم الفيلم من «ليلة القدر» إلى «الشيخ حسن»، وأضاف 7 دقائق أخرى ثم طلب التصريح بعرضه، وكان أنور السادات الوسيط فى تحقيق هذا الطلب، فتم التصريح بعرض الفيلم باسمه الجديد فى الرابع من أكتوبر 1954، لتعود نفس النخبة من المصريين المثقفين، ومعهم المركز الكاثوليكى المصرى للسينما، للاعتراض على عرض الفيلم للمرة الثالثة، ولأن جمال عبد الناصر خشى أن يؤثر استمرار عرض الفيلم على شعبيته بين المسيحيين، فأمر برفعه للمرة الثالثة.
بعد تجربة «ليلة القدر» توالت الأفلام التى تتناول الزواج المختلط ومنها كما يقول ناجى فوزى : «فاطمة وماريكا وراشيل» (إخراج: حلمى رفلة 1949) وهو فيلم هزلى غنائى، ولم تتعرض السينما المصرية لاحقاً لمثل هذه العلاقة إلا فى فيلم «لقاء هناك» (إخراج: أحمد ضياء الدين 1976) المأخوذ عن رواية لثروت أباظة، حيث يتضح لجميع شخصيات الفيلم أن اختلاف العقيدة بين الشاب المسلم «عباس» (نور الشريف) والفتاة المسيحية «إيفون» (سهير رمزى) يحول بين زواجهما، لينتهى الأمر بزواج «عباس» من ابنة عمه التى تحبه، ودخول «إيفون» الدير وانتظام حياتها بسلك الرهبنة.
ويرصد ناجى فوزى فيلما اخر هو «كلام فى الممنوع» (إخراج: عمر عبدالعزيز، عام 2000) وفيه تظهر امرأة مسلمة طيبة القلب (ماجدة زكى) تأمل فى الزواج من «الشيخ بخيت» (ماجد المصرى) الرجل الطيب المحبوب، الذى يتضح فى النهاية أنه طبيب مسيحى، هارب من تنفيذ حكم بالإعدام، فتقر المرأة باستحالة مثل هذا الزواج.
ويختتم ناجى فوزى رصده لهذه القضية بفيلم «حسن ومرقص» (إخراج: رامى إمام، عام 2008) موضحا أنه يقدم حالة مركبة للعلاقة المختلطة، فهناك شابان يتحابان، وكل منهما يظن أن الآخر على ديانته، الشاب المسيحى يظن أن الفتاة مسيحية، بينما يدعى هو أنه مسلم لأسباب أمنية، وفى المقابل تظن الفتاة المسلمة أن حبيبها الشاب مسلم، بينما تدعى هى أنها مسيحية لأسباب أمنية كذلك، وعندما تتضح حقيقة كل منهما فى مواجهة الآخر فإن الأمور تتبدل، لتتحول المحبة بينهما إلى عداء سافر، ثم إلى إقرار صامت باستحالة الجمع بينهما بالزواج.
وفى كتابه «صورة الأديان فى السينما المصرية» الصادر عن المركز القومى للسينما عام 1997 يقول الناقد محمود قاسم: إن السينما أظهرت هذا الموضوع من عدة زوايا، الأولى تتحدث عن قصص حب يائسة بين المسلمين والمسيحيين، كأن تحب فتاة مسيحية شابا مسلما، وتصبح الديانة عائقاً ضد زواجهما، والثانية تتمثل فى تصوير قصص الحب التى نراها فى الأفلام بين المسيحيين أنفسهم، مثلما حدث فى أفلام مثل «البوسطجى» و«شفيقة القبطية» و«ضحك ولعب وجد وحب» و«الناصر صلاح الدين» و«الراهبة». وفى هذه الحالات، فإن الدين لا يبدو بارزاً قدر الطائفية، فلا يمثل الدين أى عائق فى اقتران الحبيبين.
6 أفلام من «كادر» الوحدة الوطنية
1..لقاء هناك
القصة: «عباس» شاب مسلم، يرى أن الدين يقيد الحريات.
يحب جارته المسيحية «إيفون»، لكن اختلاف العقيدة يحول دون زواجهما، ويطرده الأب من المنزل، يعود ويتزوج من ابنة عمه، وعند ولادتها تعانى آلاماً شديدة، فيلجأ إلى الله.
الأبطال: سهير رمزى ونور الشريف.
إنتاج 1976
2..الإرهابى
القصة: «على» ينضم لإحدى الجماعات المتطرفة، وأثناء هروبه تصدمه فتاة بسيارتها وتستضيفه فى بيتها للعلاج. يتعرف على أسرتها المسلمة الطيبة والمنفتحة التى دفعته لأن يعيد تفكيره فيما يفعله.
الأبطال: عادل إمام وشيرين وصلاح ذو الفقار.
إنتاج 1994
3..التحويلة
القصة: «عمر» ضابط شرطة يرتبط بالعامل الفقير «حلمى». أثناء ترحيل مجموعة من المعتقلين يهرب أحدهم، فيضع الضابط المكلف بالعملية «حلمى» بدلاً منه. وأثناء محاولة «عمر» إنقاذ حلمى المسيحى، يقتلان معًا.
الأبطال: فاروق الفيشاوى ونجاح الموجى وأحمد عبدالعزيز.
إنتاج 1996
4..كلام فى الممنوع
القصة: ينتقل الضابط «حسام» لوحدة تنفيذ الأحكام، يعلم بقضية هروب الدكتور رياض بعد الحكم عليه بالإعدام بتهمة قتل خفير مصنع الأدوية واغتصابه زوجته. يضع خطته للبحث والقبض على الطبيب الهارب، فيكتشف أن وراء الجريمة مافيا للاتجار فى المخدرات.
الأبطال: نور الشريف وماجد المصرى وماجدة زكى.
إنتاج 2000
5..فيلم هندى
القصة: صديقان، أحدهما مسلم والآخر مسيحى تواجههما أزمة السكن والتى تدفعهما إلى الإقامة بمسكن أحدهما بحى شبرا. تقع مفارقات كوميدية كثيرة عندما تقوم خطيبة كل منهما بالبحث عن شقة للزواج‏، ويحدث صراع بين الفتاتين للحصول على شقة بعينها.
الأبطال: أحمد آدم وصلاح عبدالله ومنة شلبى ورشا مهدى.
إنتاج 2007
6..حسن ومرقص
القصة: «بولس» رجل دين مسيحى يحارب المتطرفين المسيحيين فيتم تهديده بالقتل. يهربه الأمن تحت اسم «الشيخ حسن العطار». أما الشيخ محمود تبلغه الجماعة المتطرفة التى كان ينتمى لها شقيقه قبل وفاته بأنه وقع عليه الاختيار ليكون أميراً للجماعة، فيهربه الأمن تحت اسم «مرقص عبدالشهيد».
الأبطال: عادل إمام وعمر الشريف 
إنتاج 2008.

الجمعة، 14 أكتوبر 2011

مرثية مينا

مرثية مينا 
الشاعر عبد المنعم رمضان
الشروق 13 أكتوبر 2011

هل يا مينا دخلوا قلبكَ واتّخذوه مقاما

هل يا مينا سحبوا من عينيكَ النورَ

وهل آلمكَ الرجلُ الواقفُ قربَ المذبحِ

والرجلان المسئولان عن المشرحةِ

وهل تتذكّرُ جسمَ القاتلِ

هل تتذكّرُ كيف وفدتَ على الشهداءِ الأقدمِ منكَ

وماذا قالوا حين رأوكَ تئنُّ

وماذا قالوا حين رأوكَ تغمغمُ بالكلماتِ الأولى مثل الطفلِ

لعلّك لا تتذكَّرُ شيئا مما قالَ الراهبُ

لا تتذكّرُ شيئا مما قالته العرّافةُ

كانت يدُكَ تحاولُ أنْ ترتفعَ

لأنك تحلمُ أن نرتفعَ جميعا معها

كان شبابُكَ منذورا لجميع الجوعى والفقراءِ

وكان ملائكةٌ يقفون على عينيكَ

ويرتجفون

ملائكةٌ يقفون على شفتيكَ

ويرتجفون

لوحشةِ ما يفعلُه الحاكمُ بالمحكومِ عليهم

أنتَ من المحكومِ عليهم

أنتَ ضحّيةُ هذا الرجلِ المائلِ فى مكتبهِ

المائلِ فى الميدانِ

الواقفِ تحتِ مظَلّة سيّدهِ

والرافعِ إصَبعه فى كلِّ وجوهِ المشدودين إليهِ

الجالسينِ فوق الكرسىِّ المشبوهِ

الراجلِ الفارغِ مثل السيفِ على كتفيهِ

الفارغِ مثل النَّسرِ

ومثل النجمةِ

لا تخجلْ يا مينا من ميتتكَ

ولا تخجلْ من خيطِ دماءٍ ينزفُ من أعضائكَ

واستسلمْ للنومِ على أعتابِ منازلِ محبوبيك

اسألْهم عمّا لا يمكنُ أنْ يحدثَ

وافتحْ فمك إلى آخرِهِ

وانظرْ فى الجهةِ العاليةِ

الجهةِ القصوى

حاولْ أنْ تتكلَّمَ

إنَّ اللّهَ جميلٌ جدّا يا مينا

والربَّ جميلٌ جدّا

والقربانَ جميلٌ

وعيون الأطفالِ ووادى الراحةِ ونشيدَ الأنشادِ

فحاولْ أن تتكلّمَ

كى تسمعك السيّدةُ العذراءُ

المستعصيةُ الناعمةُ الخدّين

وذاتُ الظلِّ الواسعِ

والمنتبذةُ ركنا

والواقفةُ هناك

وحاولْ أن تتكلّمَ

كى تقتربَ وتدنو منك السيدةُ العذراءُ

وتهمسَ فى أذنيكَ

تقودك نحو البهوِ

وتلمسَ صدرك

حينئذٍ ستطيرُ وحيدا

سوف تطيرُ

تذكَّرْ أنّ ذراعيك جناحاكَ

فرفرفْ بجناحيكَ

تجاسرْ واصعدْ نحو سماواتٍ ثامنةٍ

وكما أنَّ الطائرَ حين يطير يصيرُ صليبا

سوف تصيرُ صليبا

سوف تصيرُ الشابَ الفاتن والمفتون

وسوف تصيرُ مغنِّى الموتى والأحياءِ

فأنشدْ أغنيتك

ولا تخلَّف أبدا عن رقّتها ومخاوفِها

أنشدْ أغنيتك الملآنة بالحزنِ الخالصِ

أنشدْ أغنيتك الملآنة بالخوفِ من الحريةِ

هل يا مينا دخلوا قلبك واتخذوه مقاما

أنشدْ أغنيتَك المغسولةَ بالنورِ النازلِ من بستانِ اللّهِ

ومن بستانِ رعايا اللّهِ الجوعى الممسوسين

ولما صوتُك يصبح مثل هواءٍ أبيضَ    

لما صوتُك يصبحَ مثل الشمسِ

ستصلْ إلى أبوابِ الجنّةِ

حاولْ أنْ تنسلَّ إليها قبل فراغِك من أغنيّةِ نفسِك

وانسَ العسكرَ

وانسَ الأحذيةَ السوداءَ ذواتِ الرقبةِ والإبزيمِ

الأحذيةَ اللمّاعة

وانسَ البدلةَ واللون الزيتىَّ

ويومَ النكبةِ

وانسَ هز يمةَ يونية

وانسَ هزيمةَ يومِ التاسعِ من أكتوبر

واغسلْ رأسك ببقايا الأحلامِ

اغسلْها حتى تنتشر الأحلامُ وتنفدَ

فإذا نفدتْ

انظرْ فى عينىْ محبوبِك

واصمتْ

وضعْ الكاب على رأسِ الجنرالِ

لأن العسكرَ إن دخلوا بستانا

قتلوا الحارسَ أو صلبوه

وسجنوا البستانىَّ

وقطعوا عنق النخلةِ

فانسَ بنادقهم وبنادق محكومِيهم

وانسَ الصحراءَ المخبوءةَ تحت سقوفِ منازلهم وسقوفِ ذويهم

وانسَ عبوديتهم للنارِ الصفراءِ وللنارِ الجوفيّةِ

واذكرْ أنّ يدا واحدة سوف تدقُّ البابَ على أبويكَ وأختك

واذكرْ أنّ مدرّعة واحدة

تكفى كى ينقلبَ الحاكمُ

من رجلٍ مشبوهٍ مثل البئرِ الجافّةِ

لا نتمنّى أنْ نلقاه على الطرقاتِ

إلى رجلٍ مشبوهٍ جدّا

مثل البئرِ الجافّةِ جدّا

والمهجورةِ

نحلم أنْ نقتله لنخلْصه من آلامِ الروحِ

ونمسحَ عنه الذلّةً والمسكنةً

ونمسحَ عن شفتيهِ رذاذاً أسودَ

كنتَ تحاولُ يا مينا أنْ تحلمَ كى يغتسلَ الحاكمُ

كنتَ تحاول أن تتخلّى عن أشواقك

كى يتحمّم بمياهٍ لا تجرى مثل لعابك

تجرى مثل الطوفانِ المحمومِ

ومثل الريح الفظّةِ

كنت تحاولُ يا مينا أنْ تحلم كى يتطّهرَ

كى يصبح إنسانا لا يغترُّ بقوتهِ

ويحاربُ دمه الفاسدَ

يكسبُ حربا واحدة، وينامُ إلى ما بعد المغربِ

لكنك يا مينا قد أخفقت

ومتَّ

ومازالت أقدامُ القاتلِ

مازالت أقدامُ القاتلِ

تمشى فوق الأرضِ

فلا تيأس يا مينا، لا تتوجس وافرحْ فرحَ الأيامِ القادمةِ

القاتلُ محبوسٌ فى دمهِ الأسودِ

محبوسٌ فى القمقمِ

تسقطُ عن كتفيهِ نسورٌ ميّتةٌ

يدهسُها الناسُ ولا يدفنُها أحدٌ

تسقطُ عن كتفيهِ

نجومٌ مثل المهُلِ تموتُ ببطءٍ

تسقطُ عن كتفيهِ سيوفٌ صدئتْ

وسيوفٌ سوداءٌ ليست تصدأُ

أما أنتَ

ستأخذُك الفتياتُ إلى السيّدةِ الأمّ

فتحضنُها

وتنامُ على فخذيها

وتهدهدُها

فإذا نَشَجَتْ

تنزلُ من عينيك دموعٌ

يشربُ منها الطيّبُ والشرّيرُ

ويشربُ منها العابرُ والعطشانُ

وتشربُ منها السيّدةُ العذراءُ

وتصبحُ يا مينا مخفوراً بالأمجادِ

وتصبحُ حرّا جدّا

مثلَ الآبِ ومثلِ الابنِ ومثلَ الروحِ القدسِ

ونصبحُ نحن جميعا من عشاقك

نجلسُ فوق ضريحكِ

نعلمُ أنك سوف تعودُ إلينا وتوحّدنُا

هل حقّا يا مينا سوف تعودُ إلينا، وتوحّدنا





الخميس، 13 أكتوبر 2011

ماسبيرو :(





وليد طاهر
الشروق

عمرو سليم
الشروق



وليد طاهر

 عبد الله 
مُنعت من النشر 
بتاريخ 11 أكتوبر 2011

الجمعة، 7 أكتوبر 2011

جائزة نوبل للسلام تذهب لثلاث نساء احداهن يمنية

رويترز :
فازت بجائزة نوبل للسلام يوم الجمعة الناشطة اليمنية المدافعة عن حقوق الانسان توكل كرمان ورئيسة ليبيريا الين جونسون سيرليف ومواطنتها ليما جبووي التي حشدت المرأة الليبيرية ضد الحرب الاهلية
..
فيديو لتوكل كرمان وهي فى ساحة التغيير باليمن 


الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

مسلم أم قبطي أم إنسان؟

علاء الأسواني
المصري اليوم 4 أكتوبر 2011
هل تعتبر نفسك فى المقام الأول مسلما أم مسيحيا أم إنسانا.؟!. هل تعتبر انتماءك أولا إلى دينك أم أن انتماءك إلى الإنسانية يسبق أى انتماء آخر.. إن إجابة هذا السؤال سوف تحدد رؤيتك للعالم وتعاملك مع الآخرين. فلو أنك تعتبر نفسك إنسانا قبل أى اعتبار آخر فإنك قطعا سوف تحترم حقوق الآخرين بغض النظر عن أديانهم. إن الفهم الصحيح للدين سيجعلك بالضرورة أكثر انتماءً للإنسانية لأن الدين فى جوهره دفاع عن القيم الإنسانية: العدل والحرية والمساواة.. أما لو اعتبرت أن انتماءك للدين يسبق انتماءك للإنسانية فقد بدأت طريقا خطرا ستتورط آخره غالبا فى التعصب والعنف.. الدين بطبيعته ليس وجهة نظر وإنما هو اعتقاد حصرى لا يفترض صحة الأديان الأخرى. يبدأ الأمر بأن يؤمن الانسان بأن دينه هو الوحيد الصحيح أما أتباع الأديان الأخرى فهم فى نظره ضالون لأن أديانهم مزيفة أو محرفة أو لم تنزل من السماء أساسا.. هذا الاحتقار للأديان الأخرى سيؤدى بك بالضرورة إلى التقليل من شأن أتباعها. فإذا كان المختلفون عنك دينيا يؤمنون بأوهام وخزعبلات بينما أنت الوحيد الذى يؤمن بالدين الصحيح فلايمكن أن يتساوى هؤلاء الضالون معك فى الحقوق الإنسانية.. شيئا فشيئا سيؤدى بك هذا التفكير إلى نزع الطابع الإنسانى عن المختلفين معك فى الدين.. dehumanizatio
سوف تفكر فى أصحاب الأديان الأخرى بشكل جمعى وليس بطريقة فردية. إذا كنت مسلما لن ترى جارك القبطى باعتباره إنسانا له وجود مستقل وسلوك شخصى وإنما ستعتبره واحدا من الأقباط، وسوف تعتبر أن الأقباط عموما لهم سلوك وطباع معينة تميزهم، عندئذ سوف تقطع خطوة أخرى نحو الكراهية فتقول جملا من نوع:
- هؤلاء الأقباط خبثاء ومتعصبون.. أنا لا أحبهم.
وقد تبلغ بك كراهية أصحاب الديانات الأخرى إلى درجة التقزز، فهم فى نظرك، بالإضافة إلى كونهم كفارا، غارقون فى النجاسة لأنهم لا يتطهرون بنفس طريقتك من الجنابة، وقد تلاحظ إذا اقتربت من أحدهم أن لهم رائحة مميزة ربما بسبب البخور الذين يستعملونه أو الطعام الذى يأكلونه.. عندما تصل إلى هذه الدرجة يا عزيزى القارئ فأنت للأسف شخص متعصب متطرف دينيا وأنت مرشح بقوة لارتكاب جرائم فى حق الآخرين لأنك فهمت الدين بطريقة خاطئة أدت بك إلى كراهية الآخرين واحتقارهم..السؤال هنا: كيف كان المصريون يمارسون تدينهم..؟!. الحق أن المصريين من أكثر الشعوب تدينا لكن تراثهم الحضارى جعلهم دائما يفهمون الدين على النحو الصحيح. لقد احترمت مصر دائما الأديان جميعا وكانت دائما مكانا آمنا متسعا للجميع فاستقبلت المهاجرين من كل الملل والأعراق.. أرمن وإيطاليين ويونانيين ويهود وبهائيين.. كما أن حضارة مصر أتاحت الحريات الشخصية إلى أقصى مدى.. فى مصر المتحضرة أنت الذى تحدد نمط حياتك. إذا أردت أن تذهب للصلاة اذهب وإذا أردت أن تذهب لترتكب المعاصى اذهب. أنت حر تماما لكنك أيضا وحدك مسؤول تماما عن أفعالك أمام الله والقانون. فى عام 1899 قدم الإمام العظيم محمد عبده القراءة المصرية للإسلام فخلص العقل المصرى مرة واحدة وإلى الأبد من التعصب والخزعبلات، وبالرغم من الاحتلال البريطانى انطلقت مصر لتكون رائدة فى كل مجال تقريبا.. ظل هذا الفهم المصرى المتسامح للإسلام مستقرا فى مصر حتى اندلعت حرب أكتوبر عام 1973 وبفضل تضحيات الشعبين المصرى والسورى ارتفع سعر النفط عدة مرات مما أعطى الدول الخليجية النفطية قوة اقتصادية غير مسبوقة. ولأن النظام السعودى يعتمد فى استقراره السياسى على تحالفه مع الشيوخ الوهابيين فقد تم إنفاق ملايين الدولارات من أجل نشر الفهم الوهابى للإسلام فى العالم كله. أضف إلى ذلك أن الأزمة الاقتصادية فى مصر قد أجبرت ملايين المصريين على الهجرة للعمل فى السعودية فعادوا مشبعين بالأفكار الوهابية الغريبة تماما عن المجتمع المصرى. القراءة الوهابية للإسلام، على العكس تماما من القراءة المصرية، مغلقة متشددة معادية للديمقراطية ظالمة للمرأة..الوهابية تحيل الدين غالبا إلى طقوس وإجراءات وتهتم بالشكل على حساب جوهر الدين.. المصرى يتعلم فى بلاد الوهابية أن شعر زوجته لو انكشف فى الشارع فلسوف تردعه فورا جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (المسؤولة عن فرض الأخلاق الحميدة بالقوة)، وفى نفس الوقت يدرك المصرى فى السعودية أن القوانين لا يمكن تطبيقها أبدا على الأمريكيين والأوروبيين والأمراء والكبراء وإنما تطبق القوانين بصرامة فقط على المصريين وبقية الجنسيات المستضعفة. المصرى هناك يتعلم أن التقاعس عن أداء الصلاة من الكبائر، ولكن فى نفس الوقت، أن يقوم الكفيل السعودى بإذلال المصريين ونهب حقوقهم المالية وإلقائهم فى السجن إذا طالبوا بحقوقهم.. فهذه مسألة أخرى بعيدة تماما عن الدين وفقا للمفهوم الوهابى. على مدى عقود انتشرت الأفكار الوهابية فى مصر وكان أخطر ما زرعته فى المجتمع المصرى كراهية الأقباط وتحقيرهم. ونعود إلى مجلة روزاليوسف العدد 4327 لنقرأ موضوعا للأستاذ عصام عبدالجواد استعرض فيه تصريحات شيوخ السلفيين الوهابيين عن الأقباط.. فالشيخ سعيد عبدالعظيم يقول:
«لا محبة ولا صداقة مع النصارى ولا يجوز اتخاذ أولياء منهم أوتهنئتهم بأعيادهم لأنهم يزدادون كفرا فى أعيادهم».. الشيخ أبوإسلام يقول: «يجب أن يتعقل المسيحيون لأن كل ما يؤمنون به مناف للحقيقة والعقل».. الشيخ ياسر البرهامى يؤكد أنه «لا يجوز للمسلم مشاركة الأقباط فى مناسباتهم الدينية لأنهم مشركون».. أما الشيخ أحمد فريد فيقول «لا يجوز للمسلم أن يواسى القبطى فى ميت له ولا يجوز أن يعشمه بشىء فى الآخرة فليس للقبطى فى الآخرة إلا نار جهنم».
هذه أمثلة لما يتردد كل يوم فى الخطب التى يلقيها مشايخ الوهابية فى المساجد والفضائيات السعودية، هذا الكلام إذا حدث فى أى دولة محترمة يعتبر جريمة تحريض على كراهية المواطنين والاعتداء عليهم لمجرد أنهم مختلفون فى الدين. لكن مشايخ الوهابية للأسف يسممون عقول المصريين ويملأون قلوبهم بالكراهية والتعصب بلا أدنى رادع من أخلاق أو قانون.. ماذا نتوقع من هؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة.؟!.. هنا يبدو ما حدث منذ أيام فى قرية الماريناب بإدفو فى محافظة أسوان مفهوما بل متوقعا.. فى قرية الماريناب توجد كنيسة مارجرجس التى يصلى فيها أقباط القرية منذ عام 1940 وقد تهدمت حوائطها مؤخرا بفعل القدم فقام المسؤولون عنها بإصدار تراخيص قانونية من أجل تجديدها.. إلى هنا والأمر طبيعى.. فجأة حدثت مشكلة: ظهرت مجموعة من السلفيين الوهابيين ليرفضوا ترميم الكنيسة وبدلا من أن تقوم السلطات بتنفيذ القانون وحماية الكنيسة.. عقد مسؤولون فى الشرطة والجيش مجلسا عرفيا قام فيه السلفيون بإملاء شروطهم على خادم الكنيسة حتى يقبلوا تجديدها، فاشترطوا أن تظل الكنيسة بدون ميكروفونات ولا قبب ولا صلبان.
السؤال هنا كيف تقوم كنيسة دون الصليب الذى هو رمز العقيدة المسيحية..؟ الإجابة أن هذه رغبة السلفيين التى وافق عليها المسؤولون فى الشرطة والجيش واضطر خادم الكنيسة إلى الموافقة عليها حتى يتمكن من ترميم كنيسته.. الغريب أن قبول خادم الكنيسة بهذه الشروط المجحفة لم ينقذ الكنيسة من السلفيين. ففى يوم الجمعة التالى قام خطيب الجامع الوهابى بتحريض المصلين ضد الكنيسة، وما إن انتهت الصلاة حتى انطلق المتعصبون وحاصروا الكنيسة ثم أحرقوها وهدموها تماما. وقد ارتكبوا جريمتهم على مدى ساعات لم تتدخل خلالها قوات الجيش أو الشرطة لحماية بيت من بيوت الله. أما السيد محافظ أسوان، وهو من فلول نظام مبارك، فقد اعتمد الطريقة القديمة فى إنكار المسؤولية فصرح بأنه لا توجد أصلا كنيسة فى القرية (أى أن كل ما حدث كان مجرد تهيؤات فى أذهان بعض الأقباط لا أكثر ولا أقل). إن جرائم الاعتداء على الكنائس تكررت بطريقة غريبة ومريبة فى مصر بعد الثورة فما حدث فى إدفو قد حدث من قبل فى الفيوم والإسماعيلية وإمبابة وعين شمس وأطفيح.. الأمر الذى يثير أكثر من سؤال:
أولا: إن المجلس العسكرى يقوم بمهام رئيس الجمهورية والبرلمان جميعا أثناء الفترة الانتقالية، وبالتالى فهو وحده المسؤول عن إدارة البلاد، لماذا يتعامل أفراد الشرطة العسكرية مع المتظاهرين بقسوة فيضربونهم ويعذبونهم ويهينون آدميتهم بينما يكتفى أفراد الشرطة العسكرية بالتفرج على السلفيين وهم يحرقون الكنائس والأضرحة ويقطعون أذن مواطن قبطى ويقطعون خط قطار الصعيد لمدة عشرة أيام كما حدث فى قنا.؟!. لماذا تتحول قبضة الشرطة العسكرية القاسية إلى قفاز من حرير عندما تتعامل مع السلفيين..؟.. لماذا يجلس ممثلو الجيش والشرطة مع السلفيين للتفاوض ويخضعون لشروطهم وكأنهم يمثلون دولة أخرى أقوى من مصر..؟! ما الصفة القانونية للأخوة السلفيين التى تمكنهم من تفتيش الكنائس والسماح ببنائها بشروطهم أو منعها وهدمها أو حتى إحراقها إذا أرادوا..؟.. هل يتمتع السلفيون بحظوة سياسية معينة عند المجلس العسكرى أم أن حوادث الانفلات الأمنى والعنف الطائفى تحقق مصلحة سياسية معينة للمجلس العسكرى لأنها تبرر بقاءه فى السلطة بذريعة الحفاظ على الأمن وحماية الأقباط من اعتداءات المتطرفين.؟!..
ثانيا: منذ القرن التاسع عشر ناضل الشعب المصرى على مدى عقود وقدم آلاف الشهداء من أجل هدفين: الاستقلال والدستور.. من أجل إنهاء الاحتلال الإنجليزى وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التى كانت أمل زعماء مصر جميعا، بدءا من سعد زغلول وحتى جمال عبدالناصر.. هؤلاء الزعماء لم يكونوا علمانيين معادين للإسلام كما يردد الوهابيون لكنهم كانوا من الثقافة والرقى الحضارى بحيث يدركون أن الدولة المدنية التى تساوى بين مواطنيها، بغض النظر عن أديانهم، هى الطريق الوحيد للتقدم. إن أى محاولة لتغيير التركيبة المدنية للدولة ستؤدى بمصر إلى كارثة حقيقية.. فإذا كان الوهابيون لا يطيقون وجود كنيسة وهم مجرد أفراد فماذا سيفعلون بنا، مسلمين وأقباطا، إذا تولوا السلطة فى مصر..؟!..
إن الإسلام إذا أحسنا فهمه يجعلنا أكثر إنسانية وتسامحا واحتراما لعقائد الآخرين، أما تحقير الأقباط والاعتداء عليهم فهما من الجرائم المشينة التى لا علاقة لها بأى دين.
الديمقراطية هى الحل.

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

محمد عبده: الحاكم فى الإسلام مدنى من جميع الوجوه

محمد جاد
الشروق 5-4-2011
 أصبحت «المدنية» كلمة سيئة السمعة، وعنوانا لمؤامرة على الإسلام عند الكثير من المتدينين، بعد أن انفتح باب النقاش حول ملامح الدولة الجديدة فى مجتمع ما بعد الثورة المصرية، تلك القضية التى ناقشها الإمام محمد عبده منذ نحو قرن من الزمان بعد أن انتشرت آراء لمفكرين غربيين تذهب إلى عدم تواؤم الدين الإسلامى مع الدولة الحديثة، فكان رده فى كتاب يتلخص موضوعه فى عنوانه «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية».
يعتبر الأستاذ الإمام أن قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها أصل من أصول الإسلام، حيث هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها «حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم»، «فليس من الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه»، بحسب التعبيرات التى استخدمها فى كتابه.

والخليفة عند المسلمين «حاكم مدنى من جميع الوجوه»، ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى، فالأمة «هى صاحبة الحق فى السيطرة عليه وهى التى تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها».
ولا تتناقض المدنية التى يتحدث عنها الإمام مع كون الإسلام «دين وشرع»، وضع حدودا لحفظ الحقوق إلا أن «تلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى، فلا بد أن تكون فى واحد وهو السلطان أو الخليفة».
يعرض الإمام الصورة القاتمة لأوروبا وهى تحت سيطرة النفوذ المتنامى للكنيسة على أوجه الحياة المختلفة، ومقاومة التيار التنويرى بأوروبا لهذه الهيمنة الدينية للانتصار لفكرة المدنية، حيث يشير إلى النزاع فى سنة 1871 بين حكومة بروسيا وبابا الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لمطالبة الأخيرة بعزل أستاذ فى إحدى الكليات رأى رأيا لا يروق للحزب الكاثوليكى فحرمه البابا وطلب من الحكومة عزله «غير أن عزيمة بسمارك نصرت مدنية القرن التاسع عشر على سلطان الكنيسة وأبقت الأستاذ وجعلت العلم تحت السلطة المدنية».

والدولة المدنية كما يراها الإمام لا تفرق بين مواطنيها فى مجال احتلال الوظائف العامة إلا على أساس الكفاءة، مستشهدا بمقولة لـ«المستر داربر أحد المؤرخين وكبار الفلاسفة من الأمريكان»، «إن المسلمين الأولين فى زمن الخلفاء لم يقتصروا فى معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الاحترام، بل فوضوا إليهم كثيرا من الأعمال الجسام ورقوهم إلى المناصب فى الدولة».

ويعرض فى هذا الصدد العديد من أسماء غير المسلمين الذين تولوا مناصب عامة فى الدول الإسلامية القديمة، من أبرزها يوحنا بن ماسويه، الذى وضع هارون الرشيد جميع المدارس تحت مراقبته، معلقا بأنه «لم يكن ينظر الى البلد الذى عاش فيه العالم ولا إلى الدين الذى ولد فيه بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة».

ويروى الأستاذ الإمام قصة طريفة عن «جيورجيس بختيشوع الجنديسابورى»، طبيب الخليفة المنصور والذى كان فيلسوفا كبيرا علت منزلته عند الخليفة، ولكنه «كانت له زوجه عجوز لا تشتهى»، فأشفق عليه المنصور وأنفذ إليه بثلاث جوار حسان، فرد الفيلسوف الجوارى «وقال إن دينى لا يسمح لى بأن أتزوج غير زوجتى مادامت حية»، فكان رد فعل المنصور أنا احترم خصوصيته الدينية و«أعلى مكانته حتى على وزرائه».

ومع الامتزاج التام بين المسلمين وغير المسلمين فى الحياة العلمية، تم صياغة العقل العربى بمشاركة أتباع الديانات المختلفة، فالإمام يشير على سبيل المثال إلى متى بن يونس المنطقى النصرانى والذى «كان متفننا فى جميع العلوم العقلية» وأخذ عنه أبونصر الفارابى.
وينشأ هذا الجو المتمدن المنفتح فى ظل مناخ من الحريات، ليكون العرب «أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين»، كما جاء فى مقولة جوستاف لبون التى نقلها الأمام فى كتابه.

وتشيع تلك الروح العلمية فى مناخ من المساواة بين الطبقات، ويستشهد محمد عبده هنا أيضا ببعض اللحظات المشرقة فى التاريخ الإسلامى، حيث «أنفق وزير واحد لأحد السلاطين وهو نظام الملك مائتى الف دينار على بناء مدرسة فى بغداد وجعل لها من الريع ليصرف فى شئونها خمسة عشر ألف دينار فى السنة، وكان الذين يغذون بالمعارف فيها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء فى المملكة وابن أفقر الصناع فيها، غير أن الفقير ينفق عليه من الريع المخصص للمدرسة وابن الغنى يكتفى بمال أبيه».

تلك هى الصورة المثالية التى أراد محمد عبده أن يرسمها للمجتمع المتمدن الذى لا يتصادم مع الدين الإسلامى، ولكن الواقع المعاش فى مصر والعالم الإسلامى، والذى قد لا يختلف كثيرا عن الوضع الحالى، يتناقض مع تلك الصورة البراقة للإسلام، حيث يتساءل: «أليس العلماء من المسلمين اليوم أعداء العلوم العقلية والفنون العصرية؟».

ويشير الإمام إلى الظاهرة المعروفة فى أيامنا بالإسلام الأفغانى، حيث يتساءل: «ألم تحمل إلينا الرواة ما عند علماء الأفغان والهند والعجم من شدة التمسك بالقديم والحرص على ما ورثوا عن أبائهم الأقربين وإقامة الحرب على كل من حاول أن يزحزحهم أصبعا عما كان عليه سلفهم».

ويرجع الإمام تلك الظواهر السلبية إلى ممارسات الاستبداد فى العالم الإسلامى، والأنظمة التى أتت بها، حيث تريد تلك الأنظمة تعطيل حركة الفكر وخلق حالة من الجمود باسم الدين، مشيرا إلى مرحلة تحلل الإمبراطورية الإسلامية بعد الدولة العباسية، وكيف قام الحكام ببث «أعوانهم فى أطراف المملكة الإسلامية ينشرون من القصص والأخبار ما يقنع العامة بأنه لا نظر لهم فى الشئون العامة وأن كل ما هو من أمور الجماعة والدولة، فهو مما فرض فيه النظر على الحكام دون من عداهم، وأن ما يظهر من فساد الأعمال واختلال الأحوال ليس من صنع الحكام وإنما هو تحقيق لما ورد فى الأخبار من أحوال آخر الزمان وأنها لا حيلة فى إصلاح حال ولا مال».

اتجار الدعاة بالدين، كان من أسباب الفساد التى أشار لها أيضا الأستاذ الإمام، حيث يشير الإمام إلى أن عبارات رنانة كالإصلاح، ومجد الإسلام القديم، كانت تتردد كثيرا على لسان العديد من الدعاة إلى الدين، ولكن «الصادق من هؤلاء ليس بكثير عده، وما تجد أكثرهم إلا متاجرين بهذه الكلمات لكسب بعض دريهمات، ويظهر لك ذلك من انهم يلفظون هذه الأسماء وقلما يدرسون شيئا من مدلولاتها ليقفوا على الحقيقة منه».

هذا بخلاف النظرة الموروثة بين العوام عن أن «الجهالة أم التقوى» و«كثير من أهل الأديان مسيحيين ومسلمين لايزالون يجرون على هذه القاعدة ببركة أبناء الزمن الغابر».

وينبه الإمام إلى أن جمود نظرة بعض المتدينين للثقافة المدنية الحديثة، يجعلهم يطلقون الاتهامات جذافا على المثقفين الأمر الذى ينفر المثقفين من الدين، حيث يقول: إن «المتعلمين فى مدارس رسمية أو غير رسمية للتعليم الدينى فيها شىء من بقية، ينشأون على شىء من المعارف فى الفنون المختلفة، وتقرر لهم حقائق فى الكون السماوى أو الأرضى أو فى الاجتماع الإنسانى، ومن عرف شيئا انطلق لسانه بالخوض فيه، وقد يسمعه متنطع ممن يلبس لباس أهل الدين، وهو جامد على ألفاظ سمعها، فلو سمع غيرها أنكره وظنه مخالفا للعقيدة الصحيحة فيأخذ يلوم المتعلم، ويوبخه ويرميه بالمروق من الدين» وهو ما يدفع هذا المتعلم إلى أن «ينفر من دينه نفرته من الجهل».

الجمعة، 24 يونيو 2011

الإبداع والظرفية الثورية

محمد برادة 
الشروق 24-يونيو 2011
 فى غمرة الانتفاضات والاحتجاجات الشبابية الثورية، التى تعمُّ الأقطار العربية، يكون من الطبيعى أن ترتفع أصوات لتتساءل عن مدى تجاوُب الأدب والإبداع بصفة عامة، مع الأفق الجديد الذى ستنفتح أبوابه مع تحقيق التغيير باتجاه الدمقرطة وضمان حقوق المواطن فى حرية الاعتقاد والتعبير.. بعبارة أخرى، مع التطلع إلى التحرر من الاستبداد، وإرساء دعائم مجتمع جديد، تغدو الحاجة ماسة إلى تعبئة كل الجهود والطاقات لبلورة قيم الثورة والتجدّد.

لكن المسألة، بالنسبة للأدب والإبداع، هى أعمق وأكثر تعقيدا مما تبدو عليه أول الأمر. لذلك أودّ أن أتوقف عند وجهتى نظر متعارضتين فى هذا الموضوع، وتحتاجان إلى تحليل لالتقاط جوانب الإشكالية دون تسرّع أو انقياد للحماس المواكب للظرفية «الثورية».

أبدأ بوجهة نظر الذين ينادون بضرورة مواكبة الأدب للتحولات الجارية منذ أشهر فى معظم البلدان العربية، والتى تعتمد على السياق الخارجى لشروط الإبداع أكثر من اهتمامها بالخصوصية «الداخلية» الملتصقة بسيرورة الإبداع. يذهب المؤيدون لضرورة تغير الأدب باتجاه التحولات المجتمعية المقبلة، إلى أن ما نحن مقبلون عليه سيوفر شروطا مختلفة عن تلك التى طالما عانى منها المبدعون فى ظل الأنظمة الاستبدادية وسطوة البترو-دولار، لأن الفكر الثورى الجديد سيضع حدا للخوف، وسيمحو التابوهات والمحرمات، وسيدشن علاقة أخرى بين المنتج والمتلقى، وستتلاشى الرقابة ومصادرة الكتب والأعمال الفنية.. فى مثل هذه الحجج أشتمُّ رائحة الربط الآلى بين السياسة والأدب، على نحو ما عرفناه من قبل فى تاريخ ثقافات أخرى وفى ثقافتنا. وهو ربط يرمى ضمنيا إلى أن يكون الأدب والفن تابعين للسياسة ولأهداف إيديولوجية. وإذا سلمنا جدلا أن التغييرات الافتراضية، الإيجابية، التى ستحققها الانتفاضات العربية ستوفر شروطا سياقية أفضل، فهل هى كافية لازدهار الإبداع وارتقائه إلى معانقة اللحظة التاريخية المميزة؟

على عكس هذه الدعوة وفى اتجاه معاكس لها، هناك التحليل الذى أسانده وأدافع عنه، وهو الذى ينطلق من طبيعة الأدب والإبداع المختلفة عن بقية أشكال وطرائق التعبير الأخرى، والتى تجعل «زمنية» الإبداع مغايرة لمقياس الزمن الكرونولوجى والتاريخى. صحيح أن الأدب والفن يتفاعلان مع المحيط وأسئلة المجتمع ولا يستطيعان أن يوجدا فى استقلال تامّ عن السياق التاريخى، ولكن خصوصية الأداة ( الكلمة، الخطوط والألوان، الإيقاع والصوت، الصورة، والإزميل...) تجعل التواصل مع العمل الفنى محكوما بعناصر الجمال والمتعة، التى يتوسل بها الإبداع والعلاقة الخاصة التى تتولد بين المتلقى والمبدع. ومن ثمّ فإنها لا تكون مجرد علاقة «توصيل» أو تبليغ لخطاب مسنن واضح المعالم، وإنما هى عملية اختيارٍ حرّ من طرف المتلقى وأيضا من المبدع الذى لا يخضع لطلب مسبق، أو لموضوع لا يتفاعل معه. وعنصر الحرية الأساس فى الإبداع، هو الذى يفسر لنا لماذا أصبح الأدب العميق، النابع من التجربة، مهمشا فى عصر السرعة وطغيان نصوص التسلية و«الكيتش» المحاكى للواقع بطريقة ضحلة.

من هنا، تبلوَر مفهوم الأدب فى وصفه تجربة إنسانية وجمالية وشكلا ينطوى على المتعة. بعبارة ثانية، لكيْ يبرر الأدب (الفن) وجوده، عليه أن ينتج خطابا مختلفا عن بقية الخطابات التى يتداولها المجتمع، ويتوسل بها لصوغ الأسئلة واستيعاب التحولات. والأداة الفنية تسعف على التقاط واقتناص «الحقائق» والوقائع من زوايا مغايرة لتلك المتصلة بالتلقى المباشر، والسيرورة الظرفية. وهذا هو ما يتيح القول بأن «زمنية» الإبداع لا تتطابق بالضرورة مع زمن الأحداث الاجتماعية والسياسية، لأنها تضع مسافة مزدوجة بينها وبين الحدث التاريخى: مسافة زمنية تسمح بتمثل أبعاد التجربة واستيعابها، ومسافة جمالية توفر للعمل الأدبى ما يعلو به على السياق الظرفى، ويكسبُه قيمة أرحب وأعمق.

هذا الاختلاف بين زمنية الإبداع وزمن الثورة أو المنعطفات التاريخية، يصلح مقياسا للتمييز بين الإبداع المستجيب لشروط التمثل والتفاعل، والإبداع الخاضع للسرعة والمحاكاة السطحية التى لا تضيف شيئا إلى الحدث. ويمكن أن نضرب مثليْن يوضحان هذا الفرق بين الزّمنيتين: توَافقَ انتهاء نجيب محفوظ من كتابة الثلاثية مع قيام ثورة 1952 فى مصر، فاضطر إلى التوقف عن الكتابة عدة سنوات لأنه كان فى حاجة إلى استيعاب الحدث الكبير والتفاعل معه، لكنه حين استأنف الكتابة فى مطلع الستينيات من القرن الماضى لم تأتِ نصوصه مناصرة لـ«الثورة»، بل أقرب ما تكون إلى النقد والحفر فى زمنية ذات مدى بعيد (اللص والكلاب، أولاد حارتنا، ثرثرة فوق النيل).

والمثل الثانى متصل بما تعيشه المجتمعات العربية اليوم من انتفاض وثورة، حيث نجد كاتبا هو الطاهر بنجلون سارَع إلى إصدار رواية «الشرارة»، التى استوحى موضوعها من هبة تونس وبطولة البوعزيزى، الذى أحرق نفسه احتجاجا على الظلم والتسلط فكان الشرارة، التى أوقدت شعلة الثورة الشعبية.

لكننا حين نقرأ الرواية المتزامنة مع أحداث الواقع الذى تحيل عليه، لا نجد أن النص يضيف شيئا أو يضىء زوايا تعمق الإحساس والتأمل، وإنما هى عبارة عن رواية فضفاضة ترسم مسار شاب تونسى ربما يشبه البوعزيزى أو غيره فى مجتمعات عربية أخرى، ولكن من دون تجسيد خصوصية التجربة التونسية المتشابكة الحلقات، التى جعلت من البطل سلسلة واصلة بين عدة حلقات.. وهذا الحرص على إصدار رواية «متزامنة» مع سخونة الأحداث قد يكون الدافع إليه انتهاز المناسبة لتحقيق مبيعات مربحة لدى القراء الفرانكفونيين المتطلعين إلى فهم ما يحرك جماهير الشعوب العربية ضد طغاتها.

لذلك لا يكفى، فى نص روائى، أن يردد الكاتب ما نشرته الصحف وتلفظ به المعلقون عن الاستبداد والظلم واحتقار كرامة المواطن.. هل نقول عن مثل هذه الرواية إنها تواكب الثورة وترسم ملامح الأفق الجديد؟ أنا شخصيا لا أرى ذلك، وأميل إلى البحث عن ثورية» الأدب ضمن الإطار الخصوصى، الذى يجعل المبدع يبلور رؤيته الشخصية إلى العالم والمجتمع استنادا إلى «الحقيقة» الرافضة للماضوية والشعاراتية، والحريصة على أن يتشبث الإبداع بالجمالية والتحرر من ضغط السوق، والتهافت على الربحية على حساب متطلبات الإبداع.

السبت، 18 يونيو 2011

الديموقراطية فى دقيقتين


صنع الله ابراهيم‏:‏ متفائل بالثورة رغم الهموم الثقيلة

حوار‏:‏ أسامة الرحيمي
الأهرام 13-6-2011
بات من رموز الاتساق‏,‏ الموجع للذمم الواسعة‏!‏ فلم يمنعه شئ من منازلة دولة مبارك الفاسدة بمفرده‏,‏ وهدم حظيرة المثقفين بثقة‏,‏ دفاعا عن قيم نسيها الآخرون وسط تكالبهم علي المنافع‏!
  فلا يشغله سوي أدبه, الذي يتوفر عليه بلا كلل من دون اعتبار لمكابدات التوثيق التي يلاقيها عند الكتابة
ومواقفه المتوافقة مع إبداعه, وقناعاته الفكرية الثابتة, مع طيبته الصافية, ولطف اشتهر به, يمنح من يعرفه فرصة لتأمل المبدأية باعتبارها قيمة يجب إنقاذها قبل أن تذورها الرياح, وتنسرب من بين أصابع الناس إلي البدد
في روايته الجديدة الجليد يعود إلي الطرق علي حديد القضايا البارد مستهولا مفارقة التطبيق للنظرية مستنكرا فجاجة التناقض الإنساني الذي يتنازع الناس وسط بحثهم عن السعادة والتحقق
وشأن كل رواياته اثارت غبارا نقديا في الاجواء واختلافا في التلقي والتفسير, لكن الجلوس اليه, والنقاش معه, يؤكدان لي عادة ان تباين وجهات النظر ثراء للفن, وان الاتساق الانساني مرتقي صعب لايعتليه غير الصادقين وهدف عصي لايدركه إلا ندرة مثل صنع الله ابراهيم!!
> ألا تبدو روايتك الأخيرة الجليد خارج زمانها الصحيح؟ ألم يكن وقتها مثلا عقب تفكك الكتلة الاشتراكية, فهي الآن بمثابة تأمل متأخر لأسباب فشل التجربة.
أوافق علي كلامك هذا, والحقيقة أن سبب كتابة هذه الرواية انني في العام الماضي شعرت بإحباط شديد, ووجدت بالمصادفة في أوراقي بعض ملاحظات عن الفترة التي قضيتها في موسكو اوائل السبعينيات وادركت انها تصلح رواية, وان تجربة الحياة اليومية وقتها هناك جديرة بالقراءة مرة اخري فتلك المشاكل التي رصدتها كانت ارهاصات الانهيار الذي حدث لاحقا.
> شعرت أن الجليد المقصود داخل نفوس البشر, الذين جمد النظام مشاعرهم وأحلامهم, واطفأ الحياة في أنظارهم, وليس الجليد الخارجي سوي انعكاس للهوان الانساني؟
هذا صحيح, فتلك الفترة اشتهرت في تاريخ الاشتراكية والاتحاد السوفييتي بفترة الجمود. والجليد له دلالات عديدة, فهو يكون طبقة بيضاء جميلة وناصعة لكنه يتراكم فوق النفايات, وعندما يذوب تنكشف النفايات مرة اخري, اضافة لاحساس الاغتراب الذي يحسه من يبتعدون عن بلادهم لفترات طويلة, الذي يشبه الجليد بشكل ما.
> قياسا علي أعمالك السابقة هل تعتبر الجليد إضافة جديدة, أم أنها مجرد جري في المحل من دون تقدم للأمام؟
لا اعرف كيف اجيب عن هذا السؤال, هذا يقوله النقاد, لكني في الحقيقة حاولت ان ارجع لاسلوب اكثر بساطة مما استخدمته في اعمالي الاخيرة, يعتمد علي الحركة.
> المدة الطويلة التي تفصلنا عن عام27 و37, لابد اسقطت كثيرا من التفاصيل ما يعني أن المخيلة لم تعتمد علي ملاحظاتك فقط؟
طبعا.. تدخلت وغيرت وبذلت جهدا كبيرا, واشتغلت علي التفاصيل كثيرا.
> من خلال الرواية بدت التجربة الاشتراكية صاخبة, وشعاراتها جوفاء, خالية من الحرية والعدالة الاجتماعية, لذا كان سقوطها سهلا, فهل تظن للاشتراكية مستقبلا جديدا؟
بشكل عام هذا صحيح, التجربة كانت هكذا, فأمور مثل التنظيم الاجتماعي, والحزب الواحد, وطبيعة السلطة, خلقت ركودا ومشاكل معقدة, والاقتصاد لم يكن يتطور بدرجة كافية, وكل هذه العوامل ساهمت في انهيار الاتحاد السوفييتي, لكن كانت هناك اشياء ايجابية كتيرة مثل العمل المضمون وعدم وجود بطالة, وان كانت هناك بطالة مقنعة, لكني لم ار شحاذا في الشارع, والرعاية المطلقة للاطفال, ومدارس المتفوقين, والنظام التعليمي كان متفوقا جدا, ونظام النقل والمواصلات كان منتظما, والنظام الصحي كان اساسه سليما رغم الصعوبات, لكن كانت هناك حاجات انسانية طبيعية كرغبة الناس في امتلاك سيارة مثلا, لكن ظلت لديهم افضلية لاشياء علي حساب اشياء, وايضا السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي كانت ممتازة ومسئولة عن التوازن في العالم ومواجهة مستمرة للامبريالية, ومساعدة الدول النامية, اما عن مستقبل الاشتراكية فهناك تيارات اشتراكية حول العالم, تطالب بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية, وتعدد الاحزاب, وستستفيد من التجارب السابقة, سلبا وايجابا, لان العالم ادرك وحشية النظام الرأسمالي, وعجزه عن تحقيق السعادة, فلم يفعل سوي تعظيم الرغبة في الشراء لدي الشعوب الفقيرة لتراكم الشركات العالمية المليارات, وتختفي الصناعات الوطنية لحساب تلك الشركات.
> السياسة واضحة في كل اعمالك منذ تلك الرائحة الي الجليد ألا تحن لكتابة عمل بلا سياسة؟
هل تقدر علي العيش من غير سياسة, اهتمام الناس العادي بالشأن العام سياسة وانا لا اتصور اي عمل ادبي خاليا من السياسة او الجنس, فاذا كتبت عن اي انسان, اتناول وضعه الطبقي, وافكاره وانتماءاته وغير ذلك وكلها متداخلة في السياسة.
> رأي البعض ان الجليد رواية تفاصيل لا احداث, لكني توقفت أمام قضية مهمة فيها, هي التناقض بين النظرية الاشتراكية والتطبيق, وهو ما أدي لفشل التجربة, وكذا استوقفني التناقض داخل الشخص الواحد؟
هذا صحيح تماما.. وإن كانت احداث الرواية لاتشير الي ذلك التناقض بشكل صريح, لكن كل التفاصيل تؤكده, فالعلاقات بين الناس والسلطة في ظل ذلك النظام لم تكن صحيحة, ولا بين بعضهم البعض, ولا داخل الشخص الواحد, فرغم اهمية النظرية, حدث خلل في تطبيقها علي الارض.
> الجنس في الرواية بدأ محاولات مستميتة لاستعادة التوازن الانساني والتحقق والارتباط بنبض الحياة, لكنه لم يحقق ذلك في أية علاقة, فكلها تقريبا محطمة وغير مكتملة, لماذا بتقديرك؟
بشكل عام اعتقد ان هذا ينطبق علي الوضع الانساني كله, في اي مكان او زمان عوامل كثيرة تمنع التحقق في الجنس, ووعي الانسان بجسمه, لذلك ينتشر البورنو في المجتمعات المشوهة, تجسيدا لعجز الانسان عن بلوغ سويته, وفي بلدنا السعداء في حياتهم الجنسية قليلون جدا, وبالنسبة لاي كاتب لابد ان يعبر بصدق عن هذا العالم, وعندنا محاولات إيروتيكية بسيطة, مثل نجيب محفوظ في روايته السراب, وتوفيق الحكيم في المفكرة الحمراء تقريبا, لكن إحسان عبد القدوس في أدبه كان حين يصل الي المشهد الجنسي يضع نقطا, بالرغم من ان التعبير البليغ عن الحالات الانسانية يتحدد في تلك اللحظات.
> نجمة أغسطس عن السد العالي, وبيروت بيروت عن الحرب الأهلية اللبنانية, ووردة عن حرب ظفار في عمان, وأمريكانلي عن امريكا, والجليد عن موسكو, وكلها اعمال تحتاج لجهود توثيقية شاقة, أليس هذا مرهقا جدا؟
طبعا شاقة جدا.. انا بشتغل في رواية جديدة تعباني قوي.. المجهود التوثيقي رهيب.. خلاص تعبت.
> كيف يمكن اختزال مدينة معقدة بضخامة موسكو, حاضرة دولة عظمي الي هذا الحيز الضيق, وهذه الانكسارات الصغيرة, ألم يكن ممكنا توسيع المشهد بشكل ما؟
ليست هناك رواية يمكنها ان تحيط احاطة كاملة بكل شئ, وانا كنت مهتما بتقديم العالم الجنسي لشخصيات الرواية لاظهر تلك التناقضات التي تحدثنا عنها.
> الحلم الاشتراكي تشظي في الرواية واستحال الي مجموعة نزوات ومتاعب ومطالب صغيرة, مثل العثور علي الطماطم او اللحم, هل يعقل ان تتدني الاحلام الي هذا الحد؟
هذا كلام رومانسي, لكن الامور فعلا كانت تصل الي حد الفرح بوجود طماطم في المحلات العامة, نتيجة لمشكلة التطبيق والتخطيط الخاطئ, فتصميم الحذاء الجديد عندهم كان يستغرق خمس سنوات الي ان ينفذ, طبعا كان الحلم الاشتراكي كبيرا, لكنه اصطدم بعقبات, مثل تركيزهم علي صناعة السلاح التي تطورت جدا, علي حساب بقية الاشياء, لذا فشلت بين رجل الشارع والدولة.
> الآخر الغربي استعلائي لأسباب تبدو منطقية بدرجة ما وإن رفضناها, لكن ما سر استعلاء الآخر الروسي الذي كان يقاسمنا الحلم والقهر الذي عانيناه معا, فكيف يستعلي مقموع علي مقموع؟
هذا شئ طبيعي في المجتمعات الانسانية التي تستضيف وافدين لاول مرة, وانا هناك ذهبت ذات مرة مع صديق سوداني الي مكان في غابة, ورأتنا سيدة عجوزة وذعرت لرؤية الصديق الاسود ورسمت الصليب كأنها رأت الشيطان.
> يصعب ان أحاورك من دون التحدث عن ثورة يناير, فكيف رأيت خروج ملايين المصريين إلي الشارع, بعد طول الإحباط وفقدان الثقة في تحرك الناس؟ وكيف تري مستقبل الثورة المصرية؟
كنت يائسا جدا, وفوجئت بخروج الشعب, وسعدت جدا, وانا افضل استخدام كلمة انتفاضة ثورية بدلا من ثورة, فهي تخلصت فقط من عدة رموز مفضوحة ولم تحقق اكثر من ذلك.
> يبدو أنك متشائم رغم فرحك؟
بشكل عام عندي تفاؤل بالثورة لكن مازال هناك هموم ثقيلة يجب ان تنجز وهناك تباطؤ وتجاهل والاصوات الرجعية شئ مرعب, وكلام السلفيين غير ممكن.
> هل فقدت ثقتك في الشعب الذي خرج الي الميادين؟
ثقتي مشروطة بان يستمر التظاهر السلمي والنشاط السياسي الفاعل والإصرار علي الحريات.

الخميس، 19 مايو 2011

بعض السمات العامّة التي تحكم انتفاضات منطقتنا...


صادق جلال العظم
الحياة 
17 مايو 
لماذا في هذا الوقت بالذات؟ هو السؤال الكلاسيكي المعهود الذي ترفعه، فوراً وبعصبية ظاهرة، عقليات نظرية المؤامرة وتفسيراتها السوريالية لحظة وقوع أي حدث ملفت، إن كان في العالم العربي أو العالم الإسلامي عموماً. أما الملفت للنظر حقاً في أيام ربيع الانتفاضات الشعبية السلمية والمدنية والمدينية على أنظمة الاستبداد العربية – والتي لم أكن أتوقع بأن أحيا بما فيه الكفاية لأعيش أيامها وأتابعها – فهو أن الطرف الذي هرع بعصبية لا تجارى وبهلع لا تخطئه العين إلى الاحتماء بـ «المؤامرة» وبنظرياتها وتفسيراتها هو أنظمة الاستبداد ذاتها، وليس الأوساط الشعبية الثائرة والتي كنا نقول عنها دوماً إنها هي المغرمة، إلى حد الخبل أحياناً، بالتعليلات المؤامراتية وبسذاجاتها وتبسيطياتها.
هذا، بعد أن كانت أنظمة الاستبداد نفسها ودول الإكراه التابعة لها قد بذلت جهوداً حثيثة في تقديم نفسها على أنها المركز المُرَكَّز للميول الأكثر عقلانية واستنارة وإحاطة ووطنية ومدنية في مجتمعات عربية ما زالت الانقسامات العمودية، الطائفية والمذهبية والإثنية والقبلية والجهوية، تفعل فعلها التفتيتي في شعوبها وفعلها التأخيري التفويتي في مجتمعاتها.
إلا أن المعادلة انقلبت فجأة رأساً على عقب. قلبتها الانتفاضات الشعبية من تونس إلى اليمن مروراً بمصر وسورية والبحرين وليبيا و... وقد شاهدنا الأنظمة العربية إياها وهي تتشبث، في ساعة الحقيقة، تشبثاً ميكانيكياً تكرارياً وعصابياً بأكذوبة «المؤامرة» وتتمسك، كيفما اتفق، بالالتواءات الكافكاوية لمنطقها الهاذي والمتضمن كله في السؤال الأصل: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ جواب الشاعر العربي جاهز: في هذا الوقت بالذات لأن طبائع الاستبداد جعلتهم من أولئك الذين
لا يتّقون الشر حتى يصيبهم
ولا يحسنون الأمر إلا تدبّرا
ولأنهم غدوا «لا يحسنون الأمر إلا تدبرا»، تحولت في نظرهم تلك الجموع الهائلة المنتفضة من شعوب اليمن وليبيا وتونس ومصر وسورية والبحرين إلى لا أكثر من قطاع طرق، ومندسّين مخربين، وعصابات مسلحة، وإرهابيين قتلة، هذا في أحسن الأحوال، وإلى مجرد جرذان وفئران وحشرات وما شابه، في أسوَئِها.
بطبيعة الحال ليس المطلوب كشف أية مؤامرة حقاً ولا أية إجابة جادة أو شبه جادة عن السؤال: «لماذا في هذا الوقت بالذات؟»، بل المطلوب كل المطلوب هو القدح الخبيث في استقلالية الجمهور الكبير الثائر والمطالب والمضحي، والتشكيك الماكر في أهليته وسيادته على نفسه مع التلميح الملتوي إلى قصوره العقلي والسياسي والوطني إضافة إلى الإيحاء بوجود إرادات شريرة خفية ونوايا مؤذية مموَّهة خلف تحركه وانتفاضته، لا تعرف كنهها أو تفهم خطرها على الوطن ووحدته سوى تلك «الأيدي الأمينة» الحافظة للنظام وأمنه ودولته وسلطته ما من شأنه التوحيد بين أمن الاستبداد وتسلطه واستمراره من ناحية، وأمن الشعب والوطن والدولة وديمومتها جميعاً، من ناحية ثانية.
الشعب التونسي حرّ
لكن جموع المحتجين والمعارضين والمنتفضين من أهل الربيع العربي قدمت أجوبة من نوع آخر عن السؤال: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ وما من جواب أكثر بلاغة عن السؤال من تلك الصرخة التي أطلقها ذلك المحامي الشاب، وهو يتلوى فرحاً ويهتز نشوة في أحد شوارع تونس العاصمة: «الشعب التونسي حر»، لحظة سماعه بفرار زين العابدين بن علي وعائلته من البلاد، صرخة مدوية تابعها العالم أجمع صوتاً وصورة في كل مكان تقريباً على سطح الكرة الأرضية.
بعبارة أخرى: ثورة الياسمين جاءت في هذا الوقت بالذات لأن الشعب التونسي حر وليس لأنه ضحية لأية مؤامرة. ولا يقل عن ذلك الجواب بلاغة تحسُّر ذلك الشيخ التونسي الذي شاهدناه جميعاً على شاشات التلفزة وهو يتلمَّسُ شيبته ويقول متأسفاً على عمره الضائع، «هرمنا، هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية»، التي أتته وأتتنا متأخرة، ولكن لحسن حظنا جميعاً، قبل فوات الأوان.
جواب ثالث بليغ تابعناه بالصوت والصورة أيضاً: في هذا الوقت بالذات لأن «الشعب يريد إسقاط النظام»، إنقاذاً للوطن ولنفسه معاً، وليس إنجراراً أبله وانسياقاً ساذجاً مع مؤامرة أكَّد صاحب «الأيدي الأمينة» الرئيس علي عبدالله صالح، مُحقِّراً شعب اليمن، بأنها تحاك في البيت الأبيض وتدار من تل أبيب.
هناك من رأى أن انتفاضات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن والبحرين وسورية وليبيا وغيرها هي استمرار للثورة الإسلامية الشعبية في إيران على الاستبداد الشاهنشاهي بالبلاد، أو هي محاكاة ما للحراك الشعبي الديموقراطي العارم الذي أطاح بنظام سوهارتو العسكري الديكتاتوري في إندونيسيا (1997 – 1998)، أو هي امتداد لانتفاضة الأرز المليونية التي خلَّصت لبنان عام 2005 من الوصاية العسكرية والأمنية السورية المريرة على الجار الصغير، أو هي تقليد لحركة الاحتجاج والتظاهر الخضراء في إيران في 2009 اعتراضاً على التزوير الحاصل في الانتخابات الرئاسية هناك لإنجاح مرشح النظام محمود أحمدي نجاد. وهناك من ذكر، في هذا الصدد، الحراك الشعبي السلمي الهائل الذي أطاح بحكم ديكتاتور الفيليبين فرديناند ماركوس وزوجته إيميلدا عام 1986 لمصلحة حكم ديموقراطي جديد ومقبول.
ربيع دمشق، 2000
لا تعير هذه الظنون والافتراضات، على جدارتها، أية أهمية تذكر لربيع دمشق في 2000. فهو، في هذا السياق، يشكل، في نظري، نوعاً من «المقدمة النظرية» و «البروفة» الأولية السلمية والمسالمة كلياً وقته لما ستتفجر عنه الانتفاضات العربية اللاحقة من شعارات ومطالب وشكاوى ونداءات وتطلعات وتضحيات.
أقول إن الريادة عربياً في هذا المضمار كانت لربيع دمشق لأن مجموع الشعارات والمطالب والاحتجاجات التي رفعتها الانتفاضات الشعبية العربية من تونس إلى اليمن مروراً بليبيا الجريحة، موجودة كلها تقريباً – بصيغة راقية جداً – في الوثائق السياسية – النقدية – الإصلاحية التي طرحتها حركة إحياء المجتمع المدني في سورية أثناء ربيع دمشق القصير.
فقد طرحتها للنقاش الديموقراطي العام عبر موجة واسعة من المحاضرات والندوات والسجالات والمنابر والمنتديات والجلسات والأطروحات والأطروحات المضادة والانتقادات والكتابات التي عمت سورية كلها في تلك الفترة.
وكان الأمل في أن تشارك القيادة الشابة لسورية وقتها في هذا الحراك الحي والمنعش وأن تدلي بدلوها في سجالاته الجارية تمهيداً لتشكل رأي عام جامع بالنسبة لما تحتاجه سورية من إسعافات عاجلة وإصلاحات متوسطة ومعالجات آجلة. على سبيل المثال، إن «بيان الـ 99» مثقفاً سورياً (دمشق 30/9/2000) و «الوثيقة الأساسية للجان إحياء المجتمع المدني» المعروفة بـ «بيان الألف» (دمشق، كانون الثاني – يناير 2001) و «بيان ملتقى أنصار المجتمع المدني» (دمشق، آب – أغسطس 2002) تتناول وتشخص بدقة وإيجاز المسائل والقضايا والمعضلات والثغرات التي ثارت بسببها، ومن أجل تسويتها وإصلاحها، كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين عام 2011، وعلى رأسها الحرية والكرامة.
معروف أن شيئاً مما ارتجاه ربيع دمشق وتطلع إليه لم يحدث أو يتحقق، بل حدث عكسه تماماً بقيام السلطة الأمنية بخنق مناقشات الربيع تدريجاً وصولاً إلى وأده تماماً قبل أن تتفتح أية زهرة من أزهاره. قُمع ربيع دمشق: لأنه تحسس علناً الأزمات المتراكمة في البلد من دون أن تكون له يد في صنعها؛ ولأنه تلمّس صراحة الانسدادات والاختناقات التي أخذ النظام ينوء تحتها، علماً بأنه لم تكن له يد في جلبها، ولأنه استجاب بوضوح إلى حال التردي العامة في المجتمع، مع العلم أنه لم تكن له يد في إنتاجها؛ ولأنه انفعل بمشكلات مستعصية ومآزق مستشرية في طول البلاد وعرضها، مع العلم أنه لم تكن له يد في فعلها. لهذا السبب وفي هذا الوقت بالذات سالت الدماء الزكية في شوارع مدن سورية وبلداتها وقراها، وليس لأن جموع المحتجين في جميع أنحاء البلاد تنفذ مؤامرة خارجية جهنمية للنيل من استقرار الوطن ومنعته.
والخوف كل الخوف في أن تكون سياسة التعامي الإرادوي الرسمية عن هذا كله، وسياسة التعامل الأمني مع كل احتجاج وتظاهر ورفع مطالب شعبي سلمي على أنه فتنة وتمرد وعصيان وخيانة لا أكثر، قد عمَّقت شرخاً عميقاً، لا نجاة منه في المستقبل المنظور، بين النظام الحاكم والمجتمع السوري عموماً – سياسات ستدفع بهذا الشرخ، إن لم تتوقف، للتحول إلى فتنة طائفية وطوائفية معممة في البلاد حتى لو ظلت مستترة تقيةً إلى حين انفجارها مجدداً.
طبيعة الانتفاضات
سُمِّيت انتفاضات الربيع العربي الراهن بثورات الشباب وثورات التكنولوجيا العالية للاتصالات والمعلوماتية مثل الإنترنت والكومبيوتر المحمول والتلفون النقال وفايسبوك وتويتر ويوتيوب والفضائيات المتابعة لتطور الأحداث لحظة بلحظة وعلى مدار الساعة. وفي هذا كله نقلة نوعية هائلة لعبت بصورة حاسمة لمصلحة الشعوب الثائرة، وبمساعدتها على تعزيز المنحى السلمي لتحركها، وعلى الظهور بمظهر الحراك الواعي والمثقف المتمكن من أحدث إنجازات العصر في ميدان تكنولوجيا الاتصالات وتبادل المعلومات ونقل المعارف والاتصال والتواصل اللحظي في شكل عام.
وفي الوقت نفسه وضعت النقلة النوعية هذه الأنظمة وأجهزتها الأمنية في موضع المتخلّف عن الركب الذي ليس لديه من أسلوب للتعامل مع الوضع المستجد إلا الاحتماء وراء الخصوصيات التي نعرف أنها تميز كل دولة عربية عن أخواتها والإصرار المفاجئ على كل ما يفرِّد أي بلد عربي عن جاره أو يفرِّقه عن باقي البلدان العربية.
من هنا الادعاء الحكومي الرسمي العربي الصاخب، في زمن الثورات والانتفاضات، بأن مصر ليست تونس وأن ليبيا ليست مصر أو تونس وأن سورية ليست تونس أو مصر أو ليبيا... هذا في وقت لم تكن مصر يوماً أكثر شبهاً بتونس ومصر والبحرين وليبيا مما هي عليه اليوم على أرض الواقع الثوري القائم ذاته. فكما أن المواطن البحريني المنتفض يريد إصلاحاً يؤمن له ملكاً دستورياً حقيقة ورئيس وزراء لا يعيّنه القصر بل تفرزه الساحة، فإن المواطن المصري والسوري المنتفض بدوره يريد هو أيضاً إصلاحاً يؤمن له رئيساً دستورياً حقيقياً للجمهورية ورئيس وزراء لا يعينه القصر، بل تفرزه الساحة الأكثر ديموقراطية في بلده.
لذا أقول: لم يشعر المواطن العربي منذ زمن طويل نسبياً بتقارب المجتمعات العربية وتشابهها، مشكلات ومعضلات وتحديات وانسدادات واستبدادات وحراكات ومخارج وحلولاً، كما أخذ يشعر في زمن الربيع العربي الثوري الراهن. حتى المعادلة القومية العربية الرومانسية القديمة القائلة «بوحدة آلام الأمة وآمالها» اكتسبت أخيراً معنى ملموساً، إذ أصبح واضحاً أن آلام شعوب اليمن وتونس ومصر وسورية وليبيا والبحرين وآمالها، على سبيل المثال، لم تكن في يوم من الأيام متوحدة عيانياً، وليس رومانسياً، ومتشابهة عملياً، وليس تجريدياً، كما هي اليوم بالفعل، على ما يتبين من مطالب المتظاهرين وشعاراتهم واحتجاجاتهم وسلوكهم في كل دولة من دولنا العربية تقريباً.
لقد أظهر الربيع العربي «وحدة عربية» من نوع آخر أيضاً تجسدت في منهج الأنظمة وأجهزتها الأمنية في التعامل الميداني مع الوضع الشعبي الثوري المستجد. فقد أثبتت كلها أنه ليس عندها من حيلة أفضل من القمع العنيف والقنص من بعيد وإطلاق الرصاص الحي على المدنيين وتعريض جموع المتظاهرين والمحتجين والمعارضين إلى هجمات البلطجية والشبيحة بشراستها القاتلة. لذلك، يمكننا القول أيضاً بأنه لم تظهر وحدة الأنظمة العربية الأمنية وتشابهاتها في الاستبداد ببلدانها وفي الاستتباع لشعوبها كما ظهرت في أيام الربيع العربي المجيدة.
لا بد من تحفظ هنا عن بعض النزعات التي تريد أن تختزل ثورات الربيع العربي والجديد فيها، خصوصاً في نموذجي تونس ومصر، إلى الفئة العمرية الشابة الطاغية فيها وإلى تكنولوجيا الاتصالات العالية المستعملة على نطاق واسع في تسييرها. الشعوب تصنع الثورات والانتفاضات، والبشر هم الذي يتظاهرون ويحتجون ويعترضون ويستخدمون التكنولوجيا بأدواتها المتوافرة لهم مهما كان نوعها. معروف أن الشباب يشكلون الفئة العمرية الأوسع والأكبر في التركيب الديموغرافي للشعوب العربية عامة. لذا، لا مفاجأة في أن تميل انتفاضات شعوبنا الآن إلى أن تكون ثورات شباب وشابات، ولا غرابة في أن يستعمل هؤلاء التكنولوجيا المعاصرة المتوافرة لهم تماماً كما استعملت الثورات والانتفاضات في أزمنة سابقة الكاسيت والراديو والترانزيستور والجريدة والنشرة والكُرّاس وإذاعة صوت العرب وحتى الحمام الزاجل، في تحقيق أهدافها وخدمة أجنداتها.
قطع مع الزعامة الكاريزمية
في الوقت ذاته قطعت شبابية هذه الانتفاضات قطعاً جذرياً مع التقليد العربي العريق الذي يتطلب صعود زعامات كاريزمية تلتف حولها وحول قيادتها جماهير الثورة نفسها، كشرط لازم للنجاح وتحقيق الأهداف والمطالب. فانتقلت بذلك كاريزما اللحظة الثورية من التمركز المعهود في الفرد القائد أو الزعيم الفذ إلى الانسياب والسريان في الجموع المحتشدة في ساحات التحرير والتغيير العربية ليصبح الحشد نفسه هو اللحظة الكاريزمية الحقيقية للثورة والتغيير، وهذا تطور مهم جديد علينا بالتأكيد.
لهذا السبب، تميزت ساحات التحرير والتغيير في تونس والقاهرة وصنعاء والمنامة وبنغازي، مثلاً، بمشاركة مدنية كثيفة جداً للنساء وبالحضور المشهود للأطفال والأولاد والبنات في مدن ومجتمعات محافظة جداً، إضافة إلى أشكال من الفن وأساليب التعبير المبتكرة من موسيقى وعزف وأغنيات، إلى تمثيليات ورقصات وبالونات وصلوات، مروراً برسوم ساخرة وتعليقات هازلة وكتابات «غرافيتي» ناقدة، ذلك كله بوجوه فرحة عموماً على رغم البلطجة الهاجمة والتشبيح المميت والقمع المعمم والرصاص الحي بالجملة.
هذه كلها ظواهر شبابية جديدة مبتكرة لم نعهدها سابقاً في تظاهراتنا واحتجاجاتنا وانتفاضاتنا التي كانت دائماً عابسة بقسوة، متجهمة الوجه بشدة، غاضبة بحدة، مزمجرة بعدوانية وميالة إلى إحراق الأعلام وغير الأعلام وإلى إضرام النار في الكتب والمنشورات ومهاجمة السفارات ورفع شعارات العنف والتهديد والوعيد.
في الواقع، انحصر معظم هذه المظاهر القبيحة، وللمرة الأولى، في محيا أنظمة الاستبداد والقمع نفسها وفي سلوك أجهزتها ورجالاتها وبلطجيتها وشبيحتها و «أيديها الأمينة» دون سواهم، فكانت سيماهُم في وجوههم من كثرة السجود والارتزاق والولاء الأعمى.
لقد أثبتت اللحظة الكاريزمية لانتفاضات الربيع العربي نضجاً فائقاً تمكن من تخطي السيناريو الحديد الترويعي الذي روجت ومكنت له الأنظمة وعملت على أساسه لفترة مديدة. إنه السيناريو الذي كان يضع مجتمعاتنا أمام خيارات قاسية وصارمة لا فكاك منها من النوع الآتي: إما استمرار استبداد دولة الأحكام العرفية وحالة الطوارئ والأجهزة الأمنية القائمة حالياً، من جهة أولى، أو حكم القوى الإسلامية الأصولية الظلامية العازمة على إلغاء تاريخنا الحديث باسم الحاكمية الإلهية وعبر أحكام عرفية جديدة اسمها الشريعة الإسلامية بقانون عقوباتها المعروف، من جهة ثانية، أو التفتت العمودي الطائفي والمذهبي والإثني والجهوي والعشائري والقبلي للبلد والدولة مع ما يعنيه ذلك من فتن وحروب أهلية، من جهة ثالثة.
في الحقيقة، سلكت الأنظمة إياها سلوكاً ماكراً واعتمدت سياسات داخلية مصلحية فئوية ضيقة وهدامة هدفها الأساسي تدمير كل الاحتمالات والإمكانات والبدائل التي يختزنها المجتمع المدني في ذاته، بحيث لا يجد الناس أنفسهم إلا أمام الخيارات الثلاثة الشريرة المذكورة أعلاه، فيضطرون لاختيار أهون شرورها، أي الاستكانة والخضوع والقبول ببقاء كل شيء على ما هو عليه مهما كان رديئاً. أما الأخ القائد العقيد معمر القذافي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بتبنيه الاختيار الشمشوني: إما أنا... أنا... أنا... والعائلة والأولاد في السلطة، أو أهدم معبد الوطن الليبي على رؤوسنا جميعاً.
تجاوزت الانتفاضات الشعبية هذا السيناريو التهديدي التجميدي – تجاوزته من حيث المبدأ – بمدنيتها الشفافة ومواطنيتها الجامعة ووطنيتها المنفتحة وإنسانويتها المتسامحة وديموقراطيتها الوليدة. كما أن الجهد المطلوب لتفعيل هذا التخطي وتعزيزه واستكمال عناصره على المدى المنظور، والعمل بوحي القيم والخصائص والمبادئ التي أفرزها بالممارسة العملية اليومية في لحظته الكاريزمية المؤسِّسة، هو القادر على استيعاب الولاءات والعصبيات والمذهبيات الأهلية تحت المدنية والوطنية في مجتمعاتنا وعلى كبح جماحها وإذابتها عبر تصعيدها باتجاه اندماج وطني أرقى. وهو القادر أيضاً على التعامل مع الديموقراطية وآلياتها الدستورية والانتخابية في شكل لا يسمح لأية أكثرية سياسية – انتخابية، مهما كانت، باحتكار السلطة والاستبداد بالبلد مجدداً، وذلك عبر حفظ حق الأقلية السياسية – الانتخابية في أن تمارس دورها الديموقراطي المعارض في المجتمع والدولة، وحقها في أن تُحوِّل نفسها ديموقراطياً إلى أكثرية حاكمة جديدة لاحقاً. إذ من قال إن الأكثرية، متروكة لسجيتها بلا ضوابط، لا تستبد بنفسها وبشعبها وبدولتها وبأقلياتها. وهو القادر كذلك على تأمين المزيد من التمكين للمجتمع المدني وقواه وحراكه وقواعد التعامل فيه؛ وعلى تأكيد التوسع في معنى مدنية الدولة وحياد أجهزتها ومناصبها وأحكامها وإجراءاتها بما في ذلك مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء؛ وعلى ضمان حد أدنى من الاحترام لحقوق الإنسان والمواطن والمواطِنة وحرياتهم الشخصية والعامة جميعاً وعلى رأسها حرية الضمير والتفكير والمعتقد والتعبير والعبادة أو عدمها.
*****
أخيراً، قالت لي زوجتي إيمان إذا كان المجد يعود إلى الشاب محمد البوعزيزي لإطلاقه شرارة ثورة الياسمين في تونس، بإحراقه نفسَه وليس غيرَه احتجاجاً، وإذا كان المجد يعود إلى الشاب المصري خالد سعيد الذي قضى تحت التعذيب بعد أن اعتقلته الأجهزة الأمنية المعروفة، فانتقلت شرارة الانتفاضة إلى الساحات والميادين في مصر، فإن مجد إطلاق شرارة انتفاضة الشعب السوري يعود، بالتأكيد، إلى فتيان درعا الذين اقتلعت أظافرهم وأحرقت أكفهم بالنار بعد الاعتقال.
* مفكّر سوريّ... والنصّ أعلاه يُنشر في وقت واحد مع مجلّة «الطريق» اللبنانيّة في عدد خاصّ بالانتفاضات العربيّة.

سميح شقير :تحية إلى مصر

لحن وغناء: الفنان العربي( فلسطيني - سوري : سميح شقير
الكلمات نسج على نول أغاني الشيخ إمام وسيد درويش

إعدام

عمرو سليم
الشروق
19 مايو

الطائفية وجع فى قلب مصر


حديث حول العنف الطائفي 
كتب د.محمد نور فرحات 
المصري اليوم 19 مايو 2011
ليس صحيحا ما يروج له البعض من أقاويل كاذبة تفترى على التاريخ بأن المسلمين والأقباط كانوا دائما يعيشون فى وطن واحد فى حالة وئام وانسجام يرفعون شعار وحدة الهلال مع الصليب، وليس صحيحا أن خلافاتهم الطائفية الدينية التى نشهدها اليوم هى من الأمور العارضة على التاريخ المصرى، التى يجب أن نتجاوزها لنعود إلى حالة السلام والحب والوفاق التى ورثناها عن أجدادنا وورثها أجدادنا عن أجدادهم وإن علوا. الصحيح أن أحداث العنف الطائفى يزخر بها تاريخنا الاجتماعى المصرى والعربى تطفو على السطح وتفرض نفسها على واقع المصريين فى سياقات ثقافية واجتماعية معينة فى ظل ضعف أو تواطؤ السلطة العامة، وتختفى فى سياقات تاريخية واجتماعية أخرى يتسم فيها البناء الاجتماعى بالنضج والرشد. تتميز السلطة العامة بإدراك واحترام مسؤوليتها عن تنفيذ القانون. فالتعامل مع الظاهرة الطائفية لا يكون بإنكارها باعتبارها شذوذا على حركة التاريخ وإنما بالتعامل مع أسبابها بما يمكننا من استئصالها من واقعنا بكل ما تخلفه من آثار وما تحمله من ظلال كئيبة. 
فى القرن الرابع الهجرى، أى منذ ما يزيد على ألف عام، كتب الشاعر الفيلسوف العربى الأشهر أبوالعلاء المعرى يقول عن التنابذ الطائفى فى الشام. فى اللاذقية ضجة. ما بين أحمد والمسيح- هذا بناقوس يدق- وذا بمئذنة يصيح. كل يعظم دينه. ياليت شعرى ما الصحيح؟
ويحدثنا المقريزى فى كتابه. المواعظ والاعتبار «عن أحداث طائفية حدثت فى مصر بعد ذلك بحوالى قرنين من الزمان عام ٧٢١، وهى المعروفة بأحداث كنيسة الزهرى فيقول. إلى إن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول من هذه السنة وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، تجمع عدد من الغوغاء بغير مرسوم السلطان وقالوا بصوت عال الله اكبر. وامتدت أيديهم نحو كنيسة الزهرى وهدموها حتى بقيت كوما وقتلوا كل من كان من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها، وهدموا كنيسة مارمينا التى كانت بالحمراء، وتسلق العامة إلى أعلاها، وفتحوا أبوابها وأخذوا منها مالا وقماشا وخربوا واهلكوا كل ما فيها، فكان أمرا مهولا» ويستطرد المقريزى كذلك فى حديثه عن العنف الذى مارسه الأقباط ضد المسلمين بهدم مساجدهم ثأراً لهدم الكنائس.
وفرضت المسألة الطائفية نفسها على الواقع المصرى بإيعاز من الاحتلال الفرنسى إبان حملة نابليون بونابرت على مصر عام ١٧٩٨ فكون نابليون جيشا من الأقباط لمناصرته برئاسة الجنرال يعقوب، ثم بإيعاز من الاحتلال البريطانى الذى كان من أولويات أجندته المعلنة حماية الأقليات. ثم عقد المؤتمر القبطى سنة ١٩١١ الذى أعقبه المؤتمر المصرى بعد عدة شهور.
وخفتت حدة المسألة الطائفية مع قوة ساعد الحركة الوطنية بثورة ١٩١٩ وسمعنا عن وحدة الهلال مع الصليب كما استمعنا إلى مكرم عبيد باشا وهو يعلن أنه مسيحى الديانة مسلم الحضارة. وتلاشت تقريبا مع ثورة ١٩٥٢ والمشروع النهضوى لعبدالناصر، إلى أن عادت مرة أخرى وبحدة فى عصر الرئيس السادات الذى مزج بين الدين والسياسة وسعى إلى تسييس الدين وتديين السياسة لأسباب أدخل فى باب المناورة على كرسى الحكم منها فى باب الحرص على مصلحة الوطن أو الدين. وشهد هذا العصر العديد من التحرشات الطائفية أبرزها فى حوادث الخانكة وفى الزاوية الحمراء، ثم اشتدت حدة المسألة الطائفية فى عصر مبارك الذى شهد عنفا غير مسبوق من جماعات الإسلام السياسى موجهاً ضد رموز الدولة وضد اقتصادها ممثلا فى السياحة وضد المثقفين الليبراليين وضد الأقباط.
اليوم وبعد سقوط نظام مبارك وبعد نجاح ثورة يناير الديمقراطية فى الإطاحة بهذا النظام المستبد، تتصاعد- وياللدهشة والغرابة- حدة العنف الطائفى الموجه ضد الأقباط وكنائسهم وإن تبدلت مواقع الجناة. فبدلا من الغوغاء الذين تحدث عنهم المقريزى والحرافيش والزعر الذين تحدث عنهم ابن إياس والجبرتى حلت جماعات الاسلام السياسى العنيفة فى عصرى السادات ومبارك وجماعات السلفيين والبلطجية بعد سقوط مبارك. احتلت هذه الجماعات صدارة مشهد العنف الطائفى فى مصر.
ما هى الدروس التى نستقيها من هذا السرد التاريخى المتعجل لقصة الأحداث الطائفية فى مصر. هل من هذه الدروس أن نردد القول الساذج بأن علاقة المسلمين بالأقباط هى علاقة وئام وأن الإسلام يأمر أتباعه بحماية النصارى، وأن المسيحية تدعو أتباعها أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم ويحسنوا إلى الذين أساءوا إليهم. هذا لغو فى مجال الجد وهروب من محاولة فهم ظاهرة تهدد مستقبل الدولة المصرية بأكملها. الدروس التى نستفيدها من هذا العرض التاريخى هى كما يلى.
أولا: إن الأطراف الفاعلة فى مشهد العنف الطائفى لا تتمثل فى الشرائح الاجتماعية المصرية المنتجة للإنتاج المادى أو الفكرى. ليسوا هم العمال أو الفلاحين أو المثقفين والأدباء والفنانين على اختلاف توجهاتهم ورؤيتهم. بل هى جماعات تقع على هامش الجسد الاجتماعى النابض. جماعات الغوغاء أو الجعيدية والزعر والحرافيش فى العصر العثمانى أو البلطجية. وهى لفظة تركية تعنى حاملى البلط من الخارجين على القانون. والدهماء فى عصرنا وهم ممن لا فكر لهم، ويتدثرون برداء الثقافة الدينية طلبا للعصبية والمكانة الاجتماعية والدور المفتقد. حقيقة قد تلعب بعض جماعات الساسة والمثقفين ذوى المرجعية الدينية من الطرفين دورها فى ازكاء ثقافة التمييز والكراهية الطائفية، ولكنها جماعات لا تمارس بنفسها أفعال العنف الطائفى بل تترك ذلك لمن اصطلح على تسميتهم الرعاع والدهماء.
المشكلة أن ثلاثين عاما من حكم مبارك بما اشتملت عليه من سياسات متعمدة لإفقار الجماهير وتسطيح الفكر وإزكاء الشعور الدينى الطائش قد أدت إلى اتساع شريحة الرعاع والدهماء هذه اتساعا لا نظير له فى التاريخ الاجتماعى المصرى. هذه الشريحة الاجتماعية الجاهلة المتهورة فى انفعالاتها المتدينة تدين المتنطعين الذين يوغلون فى الدين بعنف. يحفظون من الدين قشوره دون معناه وروحه وجوهره، هذه الشريحة قوامها ولحمتها ونسيجها هم من سكان القبور والعشوائيات والأحياء الفقيرة وجماعات العاطلين المتبرمين على المجتمع ومن فيه، وهم يعدون فى مصر بالملايين من الفقراء والمعدمين والمهمشين الذين يثورون، لأن امرأة تنصرت أو أسلمت أكثر من ثورتهم فى وجه حاكم مستبد يمارس ضدهم التعذيب والتجويع وإهدار الكرامة.
هذه الملايين لا تحمل فى عقولها أو أفئدتها أى قدر من الثقافة المصرية التقليدية المتسامحة الساخرة الفكهة الصابرة، بل إن ثقافتها هى ثقافة الغضب والعنف والقسوة والفظاظة والغلظة فى التعامل. هذه الملايين ولأن الوطن قد قسا عليها فى عيشها فقد رمته وراء ظهرها وأصبح الدين، وفقا لمفهومها، هى عن الدين، بتراثه الفظ الفج لا بتراثه السمح المتسامح، أصبح هو مرجعيتها الثقافية. وهكذا أصبح الجلباب القصير واللحية الممتدة والشارب المحفوف والوجه المتجهم وعلامة الصلاة المنقوشة نقشا وترديد أحاديث كثيرها موضوع، أصبح كل هذا هو الزاد الشكلى والموضوعى لجماعات تخلت عن حضارة المصريين المتدينة السمحة وعن تراث الإسلام الذى يتسع لقبول المخالفين فى الرأى وتوقيرهم واحترامهم. لقد أصبح التدين الشكلى المتجهم الذى يكره الآخر ويتحرش به هو المعادل الموضوعى لتعويض المكانة الاجتماعية والاقتصادية المهدرة.
ثانيا: هذه القاعدة الاجتماعية للعنف الطائفى كان من الممكن التعامل معها والحد من شرورها لو لم يكن يتم تغذيتها يوميا بواسطة الثقافة الدينية البدوية الوافدة إلينا عبر الصحراء من بلدان، أرقها كثيرا أن تقوم فى مصر ثورة تطالب بالحرية والديمقراطية. تلك الثقافة التى يتم نشرها عبر قنوات تليفزيونية تمول خليجيا. وأظن أن أصابع الإسلام البدوى الفج ليست بعيدة عما يجرى فى مصر الآن. وقد تتحد مصالحه مع مصالح عدونا التاريخى إسرائيل التى أرقها كثيرا أن تنحو الدبلوماسية المصرية منحى يعيد النظر فى ثوابت التبعية التى استقرت عليها الدبلوماسية المصرية عقودا من الزمان.
لقد زلزلت الثورة ثوابت عصر مبارك بأكملها، فحلت قيم الحرية والحداثة محل قيم الاستبداد والفساد والاستعلاء والتجبر، وحلت قيم الاستقلال الوطنى محل عادة الائتمار بأوامر السادة الإسرائيليين ومن شايعهم، إنها ثورة تنذر بكثير من المخاطر على مصالح خارجية تجذرت لعقود فى السياسة المصرية. لذا كان لا بد من العمل على زلزلة الأرض تحت أقدام الثورة بتوجهها الجديد، والبديل الجاهز لزلزلة الثورة بل وتقويضها هو إحياء العنف الطائفى، والقوى الاجتماعية لممارسة هذا العنف جاهزة فعلا ومستعدة متأهبة فى أزقة مصر وحواريها ومدنها الفقيرة وما أسهل إشعال نيرانها بعود ثقاب طائفى، بإطلاق شائعة عن امرأة تنصرت أو أخرى أسلمت أو ثالثة أحبت شخصا مختلفا عنها فى الدين وهربت معه من منزلها وهلم جرا من أمثلة استنفار الثقافات المنحطة بروايات منحطة تنفر لها عروق مشايخ وقساوسة الفضائيات الأكثر انحطاطا.
ثالثا: هذه القاعدة الاجتماعية الفقيرة فى مالها وفى عقلها وفى فكرها وفى دينها وفى عيشها، كانت هى بمثابة جيوش الظلام التى تخرج دائما للدفاع بالروح والدم عن مصالح أولياء نعمتها. وأول أولياء نعمتها هم رموز النظام السابق من رجالات الحزب الوطنى المنهار ورجالات أمن الدولة. كانت هذه البروليتاريا الرثة هى الجيوش الجلفة الفظة الجائعة التى أطلقها رجال النظام السابق وأجنحته السياسية والأمنية كالوحوش الكاسرة لتزوير وتشويه الانتخابات البرلمانية. وهى نفسها القوى الجاهزة لأن تتلقى لفافات الطعام وبعض أكياس الفاكهة وأوراق النقود مقابل أن يتم حشدها للإدلاء بأصواتها للقوى المحافظة على الساحة السياسية المصرية، وهى نفسها أيضا القوى الجاهزة لممارسة العنف الطائفى وغير الطائفى عندما تصدر لها أوامر بذلك.
رابعا: هذه القاعدة الاجتماعية للعنف والطائفية والقهر والتزوير هى النقيض المقابل والمعادى والمناهض للقاعدة الاجتماعية لثورة يناير. لقد قامت ثورة يناير على أكتاف وبعقول شباب مثقف واع بقيم الحداثة نجح فى حشد جماهير المصريين العاملين من عمال وفلاحين ومهنيين وفقراء وأغنياء ومتوسطى الحال لإسقاط نظام أظلم حياة الجميع بفساده واستبداده. هؤلاء هم المتظاهرون من أجل العدالة والحرية والكرامة وإسقاط النظام الفاسد المستبد، الذين لم يفرقوا بين مسلم وقبطى أو بين رجل وامرأة.
أما الغوغاء والدهماء الذين يدفعون ويدفع لهم لممارسة العنف الطائفى وإن طالت لحاهم، فهم نقيض قوى الثورة الحقيقية، إنهم فرسان وحمير وبغال موقعة الجمل، ومقاتلو معارك تنقيب النساء وقطع الآذان والهجوم على الكنائس. قوى الثورة هى قوى الديمقراطية والاستنارة، وقوى إجهاض الثورة هى القوى التى تعمل فى خدمة مصالح النظام البائد مدعومة بقوى التخلف الدينى والتعصب الطائفى وإشاعة ثقافة التمييز. هكذا الأمر بوضوح شديد.
خامساً: ورغم كل ذلك، كان من الممكن التحكم فى جيوش الجهل والفوضى والتعصب لو أننا تعاملنا معها بحزم وسيف القانون دون تأجيل أو إبطاء. لدينا نصوص فى قانون العقوبات تعاقب بالإعدام على ممارسة العنف المنظم ضد طوائف من الناس. ولدينا حالة طوارئ معلنه تستخدم سلطاتها ضد المتظاهرين الذين يرفعون مطالب سياسية أو فئوية ولا تستخدم ضد من يقوضون أركان بنيان الوطن بالعنف الطائفى. ولدينا أوامر عسكرية لمكافحة البلطجة. ولدينا نصوص موضوعية وإجرائية لمكافحة الإرهاب.
 ولكننا بكل أسف وغرابة نواجه مؤامرة أخرى من أجهزة إنفاذ القانون. القانون يتم الدوس عليه بالأقدام كل يوم وساعة ولحظة فى الشارع المصرى دون أن يجد من يرد له اعتباره. لمن يريد أن يمارس البلطجة أن يمارسها اليوم فى مأمن.
ولمن يريد أن يقطع الطريق أن يقطعه اليوم فى مأمن. وليس من خطر يحيق بمن ينتهك حرمات وأموال وأعراض الآخرين. ولمن لا يروقه قضاء المحاكم أن يهدم منصة القضاء على رؤوس القضاة والمتقاضين.
هذا هو حال القانون والشرعية فى مصر اليوم. والمسؤولون عن تنفيذ القانون يجلسون قاعدين متسامرين متفكهين متندرين على ما وصل إليه حالنا. وأصبحنا دولة بها نصوص صارمة للقانون وجهاز رخو عاجز عن تنفيذ القانون. هل يأبى رجال الشرطة عندنا أن ينفذوا القانون إلا إذا أهانونا وصفعونا على وجوهنا وعذبونا دون أن يحق لنا أن نجأر بالشكوى أو أن نطالبهم باحترام القانون والمواطن معا. إذا كانوا كذلك فلتتم محاسبتهم، وليتركوا عملهم إلى حيث يريدون ويستطيع المصريون أن يقيموا لأنفسهم جهازا وطنيا حرا يحفظ لهم أمنهم وكرامتهم معا، المهم أن نبدأ الآن.
سادساً: هل علينا أن ننتظر حتى نجفف منابع القوى الاجتماعية الجاهلة التى يستخدمها المتآمرون على تعدد أطيافهم لممارسة الإرهاب والعنف الطائفى. هل علينا أن ننتظر حتى نعيد غرس ثقافة التسامح والتعايش وتفهم الحق فى الاختلاف؟ بالطبع لا وإلا كان علينا أن ننتظر فى معاناة لهيب العنف والطائفية سنين عددا. لنبدأ الآن وفورا فى تنفيذ حكم القانون بكل ردع وحزم. تلك هى روح ثورة يناير. من قتل يقتل. ومن نهب أو سرق أو روع لابد أن ينزل عليه حكم القانون فوراً. ولا مصالحة فى حق الوطن فى الأمن والطمأنينة. ومن تقاعس عن واجبه فى إقرار الأمن فهو شريك فى الجريمة يتحمل وزرها مثل فاعلها.
ولا تسامح مطلقا مع محاولات بعض الدوائر الكنسية أن تقيم من نفسها دولة فوق القانون. لا تسامح مع امتناع هذه الدوائر عن تنفيذ أحكام القضاء، أو مع اتخاذ الأديرة والكنائس سجونا تحبس فيها نساء رأين لأسباب دنيوية مغادرة المسيحية إلى الإسلام، حتى لو كانت هذه المغادرة غير خالصة لوجه الله والحرية، فنحن مجتمع لا تحكمه قرارات القساوسة أو جماعات أهل السلف. بل مجتمع يحب أن تحكمه قواعد قانونية تنفذها الدولة فى ظل احترام الحريات وحقوق الإنسان وأولها حرية المعتقد الدينى.
تلك هى الروح الحقيقية لثورة يناير ولا بد من الولاء لها وإلا فالطوفان قادم، وتفتت المجتمع المصرى قادم، وشبح الحرب الأهلية الدينية يخيم على الوطن الذى قامت فيه ثورة الحرية، وهذا بالضبط ما يريده من أطاحت بمصالحهم أول ثورة ديمقراطية فى التاريخ المصرى والعربى الحديث والوسيط والقديم، يريدون أن يهدموا الوطن على رؤوس أصحابه، فوسط أنقاض الوطن تمرح خفافيش الفساد. فهل نمكنهم من ذلك ونحن قاعدون؟