الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010

خصائص القصة القصيرة والرواية النوبية

(1من 3)

أحمد سوكارنو عبد الحافظ

الحوار المتمدن - العدد: 1836 - 2007 / 2 / 24

يعتبر ديوان الشاعر النوبى محمد عبد الرحيم إدريس علامة مهمة فى نشأة الأدب النوبى، ويتضمن هذا العمل عنوانا رمزيا (فى ظلال النخيل: 1948) حيث عبر الشاعر فى هذا الديوان عن آمال والآلام النوبيين، كما يتغنى بقيمة الثقافة والحضارة النوبية. بيد أن الرواية استطاعت أن تتبوأ مكانتها كديوان يعبر النوبيون من خلالها عن التجارب التى مروا بها خلال القرن المنصرم. وقد شهدت هذه الحقبة مولد الرواية النوبية عندما قام الروائى النوبى محمد خليل قاسم بإصدار روايته "الشمندورة" . وتقول فريدة النقاش فى تقديمها للرواية أن محمد خليل قاسم هو "واحد من أكبر الروائيين المصريين وأخطرهم أثرا"،ص24. وكان خليل قاسم قد كتب هذه الرواية وهو فى سجن الواحات حيث كان مسجونا سياسيا. وهذه الرواية تدور حول حياة النوبيين فى تلك الفترة التى شهدت التعلية الثانية للخزان (1933). وكان لهذا الخزان الذى شيد عام 1902 ثم تم تعليته عدة مرات أكبر الأثر فى غمر الأراضى النوبية مما أدى إلى تشريد الأهالى وأدى إلى انتشار الأمراض والمجاعات. وبالرغم من أن أحداث هذه الرواية تدور فى قرية محددة هى قرية قته إلا أنها ترمز إلى كل قرى النوبة التى واجهت نفس الشدائد وتعرضت لنفس الأهوال. واستطاع الروائى أن ينقل لنا من خلال هذه الأزمة كل عادات وتقاليد النوبة وماهية العلاقات بين أفرادها. وعلى حد قول الأستاذ محمد أمين العالم، فإن هذه الرواية يمكن تصنيفها على أنها رواية واقعية تستمد مادتها من واقع الحياة وذلك دون أن تفقد قيمتها الأدبية والفنية. إن كلمة الشمندورة ترمز إلى الحياة فى النوبة التى تتحرك حول نفسها دون أن تتقدم إلى الأمام. وهذه الأداة لا ترمز فقط إلى الهدوء والسكينة التى تتمتع بها النوبة بل تشير أيضا إلى صلابة وكبرياء أهلها. ونرى الشمندورة فى الرواية نجاهد وتناضل وتقاوم الأمواج العاتية التى تدفعها إلى قاع النهر:

..
وتميل الشمس لتغوص فى مياه النيل إلى الغرب عاكسة أشعتها الواهنة
على صفحة الشمندورة الحمراء التى تناضل فى الضحى، وتناضل فى
الظهيرة وعند الأصيل وعند السحر، لتنتعق وتجرى فى النيل كما تهوى،
دون تلك السلسلة اللعينة التى تشدها إلى القاع.. الشمندورة، ص104.

وهنالك روائيون آخرون من النوبة اختاروا أن يحذو حذو خليل قاسم ويتخذوا الرواية ديوانا لهم وسعوا من خلالها ليحفروا أسمائهم فى سماء الأدب ومنهم إبراهيم فهمى و إدريس على ويحيى مختار وحسن نور وحجاج أدول ومحمد وهبة. كتب إبراهيم فهمى عدة مجموعات من القصص القصيرة: القمر بوبا (1989) وبحر النيل (1990) والعشق أوله القرى (1992) ورمش الصبايا (1994). ويعبر إبراهيم فهمى عن عشقه لبلاد النوبة فى مجموعته القصصية (القمر البوبا) والتى تدور أحداثها فى القاهرة، فهو يبين لنا أن هذه المدينة التى تكتظ بالمغريات لم تستطع أن تنزع النوبة من قلوب أبنائها الذين يقيمون فى القاهرة. فالقمر بوبا (عبارة عن قلادة من الذهب) ترمز إلى الثقافة والتقاليد النوبية.

بدأ إدريس على فى كتاب القصة فى السبعينيات. وتعتبر رواية دنقلة (1992) من أشهر الروايات التى كتبها، وقد قدمها المؤلف على أنها "رواية نوبية". وهذه الرواية تدور أحداثها فى قرية "قرشة"، إحدى قرى النوبة. وقد أثارت الموضوعات التى تعرض لها فى هذه الرواية جدلا واسعا لما تحتويه الرواية من أسماء تتشابه وأسماء أشخاص حقيقيين فى القرية، والموضوع الرئيسى فى هذه الرواية يتناول أثر الهجرة على النساء فى قرى النوبة فالرجال يضطرون إلى العيش فى بلاد الغربة سنوات طويلة تاركين خلفهم الزوجات اللاتى يعانين من الوحدة والملل مما قد يؤدى إلى ارتكاب جريمة مزدوجة مثل الخيانة الزوجية والقتل، وقد ارتكبت حليمة هاتين الجريمتين فى الرواية عندما قامت بخيانة زوجها (عوض شلالى) مع أجير صعيدى وقتلت أم زوجها حوشية النور. أما مجموعته القصصية (وقائع غرق سفينة)1994 فهى تتضمن قصص قصيرة تدور أحداثها فى القاهرة: فهو يلقى الضوء على المعاناة التى يلاقيها النوبيون فى هذه المدينة حيث لا يجدون سوى مهن الطهى والخدمة. ونلاحظ أن الروائى لم يستخدم أسماء للإشارة إلى شخصيات هذه المجموعة القصصية، وهو بذلك يريد أن يرمز إلى كل أبناء النوبة 
.

وتعتبر رواية (النوبى) أحدث رواية لهذا الكاتب (2001م). وهذه الرواية تتناول قضية مهمة هى الهوية النوبية، فبالرغم من أن النوبيين يحملون دماء مختلطة فى عروقهم: عربية وإفريقية وتركية، إلا أن بعضهم يؤكدون صلتهم بعرقية معينة متجاهلين بذلك الانتماءات الأخرى: فالبعض يؤكد أنه ينتمى إلى العباسيين أو إلى الأنصار والبعض الآخر يتفاخر بدمائه التركية أو البوسنية. إن مقتل "كتبة تيما كوداى" فى الرواية يرمز إلى طمس الهوية الأفريقية فى كيان النوبيين، إذ أصبحوا يتشبثون بالهويات الأخرى. وينتقد إدريس على هذا الوضع من خلال أحد شخصياته—كتبة تيما كوداى—الذى يقول:

..
لكن أين جذوركم الفرعونية والنوبية؟
أين "رمسيس" و"نفرتارى" و"طهراقا" و"كاتشا"؟ قل لى..أين؟ أنتم
هنا تتفاخرون ببنى "الكنز" وهم هناك "مجراب" و"مرداب" و"كشاف".
لقد اختزلتم التاريخ فى العرب والأتراك والمماليك وتجاهلتم من سبقوهم.
(
النوبى، ص38)

كما إن إدريس على قى رواية (النوبى) يذكر النوبيين من خلال استخدام لغة شعرية فى السرد إلى تعدد العناصر المكونة للشخصية النوبية:

نعم جدى مات. لا كما يموت الناس والبعير إنما كالأشجار. وخلال الأيام
التى تلت موته، حاصرتنى عشرات الوجوه، "كتبة تيما كوداى" بجباله
ومزاعمه، "كنود" بصندوقه العجيب واسمه الأغرب، "رمسيس" بتماثيله
البديعة، "نجم الدين" وأولاده الذين زاحموا المكان، فلول المماليك وكشاف
(
الأتراك. (النوبى، ص 121).

هذه الأسماء جاءت فى الصفحات الأخيرة من الرواية. وهى أسماء لم تأت على لسان أحد الشخصيات بل تأتى فى سرد الرواية مما يعكس موقف الروائى تجاه هذه القضية. ومن الملاحظ أن كل أسم يرمز إلى هوية معينة، فكتبة وكنود يرمزان إلى الهوية الأفريقية والارتباط بسكان جبال النوبة، ورمسيس يرمز إلى الهوية الفرعونية، أما "نجم الدين" وأولاده فيرمزون إلى الهوية العربية.

وأصدر يحيى مختار فى عام 1992 رواية (ماء الحياة) والتى تدور أحداثها فى قرية الجنينة والشباك، حيث نجد "راجية هميد" التى تركها زوجها "إدريس ليرتمى فى أحضان امرأة فى مدن الشمال تعانى من الوحدة والحرمان، حتى تلقى حتفها غرقا فى مياه النهر. وترمز "راجية هميد" إلى النوبة التى هجرها أبناؤها ولاذوا بمدن الشمال طلبا للرزق، وتواجه النوبة نفس مصير "راجية هميد" حيث تركها أهلها تغرق وتغوص تحت مياه الخزان والسد العالى. وكتب يحيى مختار مجموعة قصصية أحرى هى كويلا (1997). والجدير بالذكر أن بعض قصص هذه المجموعة تدور فى قرية نوبية (ماء الحياة وجدة وندهة) والبعض الآخر فى شقة بالمدينة (الجدار الزجاجى والزمن النوبى) وهذه القصة (الجدار الزجاجى) تدور حول رفض عثمان حجية زواج فتياته من مصريين حتى يسنطيع المحافظة على الهوية النوبية.

حسن نور كتب رواية بين النهر والجبل (1991) والتى تدور أحداثها فى إحدى قرى الكنوز هى قرية قورتة إبان التهجير إلى الشمال فى جبل السلسلة، فهذه الرواية تثير عدة قضايا: (1) عادات النوبة التى تتعلق بضرورة زواج الفتى من فتاة القبيلة التى ينتمى إليها، وهذه العادة تؤدى إلى ضياع فرصة الزواج لفتيات بعض القبائل، وفى هذه الحالة قد تتزوج الفتاة من أحد الغرباء الذين يعملون فى القرية. (2) تتناول الرواية قضية مهمة تختص بردود أفعال أهالى القرية إزاء التهجير والعواقب التى قد تنجم عنها فى المستقبل. ولحسن نور رواية أخرى هى (دوامات الشمال) التى تدور أحداثها بين القاهرة فى الشمال وقرية تقع جنوب الشلال.

أما حجاج أدول فهو روائى وكاتب مسرحي، والجدير بالذكر أن حجاج أدول حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1990 عن مجموعته القصصية (ليالى المسك العتيقة (1989) والتى قام بإهدائها إلى عميد الأدب النوبى الحديث محمد خليل قاسم. ومن بين القصص القصيرة التى تتضمنها هذه المجموعة هى قصة "الرحيل إلى ناس النهر"، وهذه القصة تتناول تأثير النهر على حياة الناس فى إحدى قرى الفاديجا النوبية. فالنهر الذى يعشقة الأهالى ويهيمون به قد تسبب فى تشريدهم وأصبح مصدرا لتعاستهم وبؤسهم، فارتفاع منسوب النهر أدى إلى غمر أراضيهم ومنازلهم بمياه الفيضان مما اضطروا إلى النزوح إلى أعلى الجبل. ويرمز تعرض أشا أشرى للغرق فى مياه النيل إلى ذروة المعاناة فى قرى النوبة. ومن الروايات المهمة التى كتبها حجاج هى الكشر (1992) وتدور أحداثها فى قرية توماس حيث يتعرض الأهالى للفيضانات المتتالية التى تغمر أراضيهم وتهدد حياتهم بالخطر، فيضطرون إلى اللجوء إلى أعالى الجبل. وتبدأ أحداث القصة عندما شاهدت حميدة الطفلة كابوسا عرفت من خلاله أن قرية توماس معرضة للغرق، فاجتمع أهل القرية لمناقشة أفضل السبل لمجابهة الفيضان القادم، واتفق الأهالى على تنفيذ قرار أكاشة اوادة وهو ضرورة التضحية بفتاة بكر جميلة، ولم تنطبق هذه المواصفات إلا على شارى بنت سكينة. وفى النهاية يقرر سماسيب أن يقدم نفسه قربانا للقرى النوبية.

كتب محمد وهبة رواية "أوه مشا" (1997م)، وقد أشار المؤلف فى العنوان الثانوى لها أنها "رواية من الأدب النوبى". وهذه الرواية تدور حول وحش أو اماندجر أختطف بعض الماشية والفتيان فى نجع من نجوع قرية إبريم، وسرت شائعة فى القرية أن ناس النهر يطلبون جزيرة سروجى خالية من المخلوقات. لجأ الأهالى إلى إددو أو الرجل الكبير المشهور بحكمته وشخصيته القوية، أقترح الرجل أن يتم اختيار تسعة من أبناء القرية الأشداء من بينهم إبنه ماهر الذى أعطاه سيف أجداده العتيق، فأنطلق الفتيان إلى سروجى أرتى (جزيرة سروجى) للبحث عن الوحش الذى وصف بأنه "مثل قشرة صدفية باهتة البياض وذيل طويل وفم كبير كالكلابات". بيد أن الوحش استطاع أن يتخلص من معظم هؤلاء الشبان ولم يبق سوى ماهر الذى أستطاع فى النهاية أن يقتل الوحش ويخلص أهل القرية من أنيابه وأظافره القاتلة. ومن سخرية القدر أن يلقى ماهر حتفه بلدغة عقرب أثناء استعداده للزواج من محبوبته اونتى
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق