الثلاثاء، 23 نوفمبر، 2010

أمريكا وحرياتنا الدينية

عمار علي حسن
المصري اليوم  
23/11/2010
ما إن صدر تقرير الخارجية الأمريكية عن حالة الحريات الدينية، حتى ابتهج به البعض، ظنا منهم أن فيه خلاصهم، أو الانتصار لهم، وأنه سيعبد الطريق أمامهم لنيل حقوقهم المهضومة وحصصهم المؤجلة، وعلى الضفة الأخرى امتعض منه البعض لأن فيه مسا مباشرا بخصوصياتنا الثقافية وسَـمتنا الدينى وأمننا الوطنى، وفى الحقيقة فإن أتباع الفريقين يعيشون وهما كاملا، تدركه قلة منهم لكنها تراوغ وتناور لتعظم مكاسبها، أو لتدفع عنها بعض الضرر، وتستغله أخرى كورقة سياسية لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد.
فى الحقيقة فإن تقييم ما ورد بالتقرير لا يتم بعيدا عن وضع الأمر فى نصابه وسياقه الطبيعى بعيدا عن المزايدات والمشاحنات والتربصات والآمال المعلقة والأوهام المجردة، ولهذا فقبل أن نناقش ما انطوى عليه التقرير من مضامين ومعلومات علينا أن نمعن النظر فى عشر ملاحظات هى:
1 ـ أن التقرير تقليد سنوى، لا يخص مصر وحدها، وإنما يتناول حالة الحريات الدينية فى 189 دولة بما فيها الولايات المتحدة. كما أنه لا يضع مصر فى الدول الأكثر انتهاكا لهذا النمط من الحرية، بينما وضع كلا من ميانمار والصين وإريتريا وإيران والسعودية والسودان وأوزبكستان وكوريا الشمالية.
2 ـ لا يستهدف التقرير الإسلام كدين، بل إنه يندد بالاضطهاد الذى يتعرض له المسلمون فى بعض الدول مثل ميانمار والصين، لاسيما فى الأولى التى قامت سلطتها قبل عقود بقتل عشرات الآلاف من المسلمين وصنعت أهرامات من جماجمهم، وطردت مئات الآلاف إلى بنجلاديش. كما يبدى التقرير انزعاجه من عدم احترام حقوق المسلمين فى أوروبا، فى ظل الخوف العام المتزايد من الإسلام.
3 ـ لا يستثنى التقرير الولايات المتحدة نفسها من وجود نقائص فى الحريات الدينية، وهو ما اعترفت به وزيرة الخارجية الأمريكية حين أكدت أن التقرير لا يعفى بلادها من مسؤولية مكافحة التمييز الدينى بها، والحفاظ على حقوق الأقليات الدينية، وكذلك حقوق من لا دين له، وأن هناك شكاوى تتعلق بجرائم الكراهية والتمييز على خلفيات دينية داخل أمريكا يحقق فيها الآن.
4 ـ رغم أن الإدارة الأمريكية تزعم أن ما ورد بالتقرير لا يعبر عن رؤية الأمريكيين للحريات الدينية، بل يعكس ما تتضمنه القوانين الدولية وميثاق حقوق الإنسان، فإن استغلال واشنطن لمثل هذا التقرير فى الضغط على أنظمة بعينها أمر قائم ومتوقع، لكن مستوى الضغط ودرجته والإصرار عليه من عدمه يتوقف على علاقة هذه النظم بالسياسات الأمريكية، وفى حالة مصر فإن واشنطن تنظر إليها باعتبارها حليفا استراتيجيا، وترى فى أداء النظام الحالى ما يحقق المصالح الأمريكية بالشرق الأوسط، ومن ثم فليس من المتوقع أن يتمادى الأمريكيون فى استعمال التقرير لدفع السلطات المصرية عنوة إلى اتخاذ إجراءات ترى واشنطن أنها ضرورية لتعزيز الحريات الدينية.
5 ـ إن ادعاء الإمبراطوريات أنها مهتمة بقضايا الحريات والتنوير والتقدم فى العالم ليس جديدا، وليس بريئا، بل يستغل كأداة من أدوات تحقيق مصالح هذه الإمبراطوريات، ويقدم الباحث الألمانى هيرفريد مونكلر فى كتابه الأثير «الإمبراطوريات: منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية» أدلة دامغة على هذا. والولايات المتحدة أنشأت إدارة لحقوق الإنسان فى وزارة الخارجية خلال فترة حكم الرئيس كلينتون، لاستخدامها فى الضغط على بعض الأنظمة غير المتوائمة مع سياسة أمريكا فى العالم.
6 ـ إن حالة الحريات الدينية فى مصر ليست على ما يرام، لكنها لا تصل إلى حد الاضطهاد، فهذا مصطلح يقوم على وجود نصوص وإجراءات تجعل فئة أو طائفة أو شريحة ما منبوذة ومهضومة الحقوق الأساسية المتعلقة بكرامة الإنسان وحاجته الطبيعية. أما ما تعانى منه مصر فهو التمييز على أساس الدين، حيث يحرم المسيحيون من تولى بعض الوظائف العامة الكبرى، وتمنع التقارير الأمنية من ينتمون إلى الإخوان المسلمين من تولى حتى أدنى الوظائف، لكن هناك أشكالاً أخرى من التمييز على أساس الإقليم والطبقة، فالمهمشون يعيشون حياة غير آدمية، وأبناء البدو يعاملون كالغرباء، وأغلب قاطنى الصعيد يعانون من حرمان اقتصادى مزمن.
7 ـ يخلط التقرير بين «السياسى» و«الدينى» فالإخوان مثلا مضطهدون فى السياسة، حيث الاعتقالات المستمرة والمحاكمات العسكرية وعدم تمكينهم من ممارسة حقوقهم كمواطنين، لكنهم غير مضطهدين فى «الدين» أبدا، والمسيحيون يواجهون تمييزا على أساس الدين، لكن جزءا كبيرا من التمييز السياسى ضدهم يعود إلى سلبيتهم ورهنهم إرادتهم السياسية بيد رجال الكنيسة، الذين يقدمون رعاياهم قربانا للسلطة فى كل انتخابات، ويعززون مصالحهم الذاتية على حساب المصلحة العامة للمسيحيين.
8 ـ يعود جزء من تردى أحوال الحريات الدينية فى مصر إلى المرض العضال الذى يصيب الحريات العامة جراء تصرفات سلطة فاسدة مستبدة، لكن جزءا آخر يُعزى إلى إرادة المؤسسات الدينية نفسها، فالأزهر يضغط للتضييق على الشيعة ولا يروق له تصحيح بعض المفاهيم عن «القرآنيين»، والكنيسة الأرثوذكسية تضغط لحصار جماعة «شهود يهوه» والتابعين لكنيسة ماكسيموس، وتمتعض من التبشير الذى يقوم به البروتستانت والكاثوليك فى مصر.
9 ـ هذا تقرير غير ملزم، لأن أمريكا ليس لها ولاية ولا حق قانونى يتيح لها ترتيب الأحوال الدينية بدول مستقلة ذات سيادة، وهذا الحق مصرف فقط إلى المؤسسات التابعة للأمم المتحدة. لكن التقرير مفيد فى تسليط الضوء على مشاكل لدينا، علينا أن نعالجها ذاتيا بعدالة ونزاهة واقتدار، حتى لا نعطى الآخرين فرصة لدس أنفهم فى أمورنا.
10 ـ لا يمكن فصل التقرير عن النموذج الاجتماعى الغربى، الملىء بالعيوب والثقوب والذى يفشل حتى الآن فى حل مشكلات مطروحة على المجتمعين الأوروبى والأمريكى، ولا يرقى أبدا إلى النموذج السياسى الذى أنتج الديمقراطية، ولذا علينا أن نتعلم منه ونحذو حذوه، بينما لن يكون من المفيد أن نعتقد أن المقترحات الاجتماعية الغربية قابلة للتطبيق بحذافيرها فى بلادنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق