الاثنين، 22 نوفمبر، 2010

الأقباط: إشكاليات خاصة واحتقان عام

 
سلام الكواكبي-السفير اللبنانية-13-11-2010
تلقي ورقة المتابعة السياسية لمبادرة الإصلاح العربي التي أعدها الباحث والناشط المدني سامح فوزي الضوء على جوانب العلاقات الإسلامية المسيحية من ناحية، وما يعتمل في المحيط القبطي من ناحية أخرى. وتعتمد الورقة على رصد التحديات الخــــاصة بالدولة الوطنية الحديثة، والعلاقات بين مكونات المجتمع، والرغبة في طرح هندسة سياسية واجتماعية جديدة للتعاطي مع الشأن الديــني.
تنقسم الورقة إلى أربعة أجزاء أساســــية: تناول الأول الإشكاليات الخاصة بالأقباط، وتعرض الجزء الثاني للإشكاليات التي تواجه العلاقات الإسلامية المسيحية، فيما أنصرف الجزء الرابع إلى رصد موقف الدولة والقوى السياسية، وأختتمت الــــورقة بطــرح عددا من التصورات لتعميق المواطنة، والتنوع في المجتمع المصري.
رصد الباحث عددا من الإشكاليات الأساسية التي تواجه الأقباط، والتي لم يكتف فيها بالحديث عن المشكلات التقليدية المتعارف عليها من هموم تتعلق ببناء وترميم دور العبادة، أو المشاركة السياسية، والحصول على مناصب رفيعة في الجهاز البيروقراطي للدولة، لكنه تطرق إلى الإشكاليات الحديثة، التي تمس تصورات الأقباط لأنفسهم. وفي رأيه أن هناك مشكلات جديدة مثل السجال الديني، أو الطعن في العقيدة المسيحية في وسائل إعلام سيارة، ورغم أن ذلك يحدث أحيانا بالنسبة للعقيدة الإسلامية، إلا أنه يواجه الأقباط بكثافة، وفتح الباب، أمام دخول نشطاء جدد إلى الساحة، بخطابات خشنة. فخبرة انعزال الأقباط في المؤسسة الدينية ولدت لديهم تصورات ملتبسة عن الذات والآخر، وجعلت المجتمع ينظر إليهم بما يشبه الجماعة الملية، وهو أمر يعمق من الاصطفاف الطائفي. ولفت الانتباه إلى وجود خطابات على الجانب الإسلامي تدعو إلى مقاطعة الأقباط، مما تسبب في وجود حالة من التوتر على الجانبين.
وفي الجزء الثاني من الورقة، ذهب سامح فوزي إلى رصد الإشكاليات التي تواجه العلاقات الإسلامية المسيحية، ومن أبرزها: تحول العلاقات الإسلامية المسيحية إلى قضايا سجالية، غاب عنها الوقار البحثي في التناول علي حد تعبيره، واتسع نطاقها لتشمل دخول أطراف لم تعد حريصة على الاندماج الوطني، وتتبنى خطابات شديدة الطائفية والتفكيك. وأضاف إن تناول وسائل الإعلام من فضائيات ومواقع الكترونية وصحف للمساجلات بين وكلاء الطائفية على الجانبين نقل إلى قطاعات واسعة من المجتمع الشعور بالاحتقان والتعصب، وشيوع مناخ من عدم الثقة. ومن الملاحظات النقدية التي لفت الكاتب الانتباه إليها أن المظاهرات التي حركها أقباط، والمظاهرات التي حركها مسلمون على خلفية قضية السيدة كاميليا شحاتة زوجة كاهن مركز دير مواس بمحافظة المنيا، شهدت استخدام مصطلحات «انقسامية» في التعبير عن العلاقات الإسلامية المسيحية لم تكن تستخدم من قبل، تُعرف في علم الاجتماع السياسي Mafia Style من قبيل «خطف»...»إكراه» ...»أسر» ...»أسيرات» ....»سجن»...»عصابة». هذه اللغة تكشف عن ذهنية بالغة الغضب، والتشوش، وربما الكراهية لدى أصحابها تجاه العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، وتعبر عن فقر في القدرة على التعبير عن الاحتجاج بلغة سياسية - قانونية منضبطة.
وفي الجزء الثالث من الورقة أكد الباحث سامح فوزي أن الموقف السياسي متداخل، وغير متسق. الخطاب الذي يصدر عن رئيس الجمهورية، رأس الدولة المركزية المصرية، واضح بأن الوحدة الوطنية خط أحمر لن يسمح لأحد من الاقتراب منه. هذه الرسالة عادة ما تكون سبباً في تسكين أية توترات طائفية. ولكن وبالرغم من ذلك، فإنه يغيب عن المشهد أية جهة سياسية تتولى أمر الملف الديني في مصر بخلاف وزارة الداخلية التي يحكم عملها المنطق الأمني، أكثر ما تتطرق إلى تقديم حلول تتعلق بالهندسة السياسية والقانونية لتحقيق المواطنة في المجتمع المصري. أما الحركات الإسلامية فإن خطابها غير واضح، بين حركات وسطية تلوح بخطاب الذمية من آن لآخر، وأخرى سلفية تطرح خطابات دون مستوى التطور الفقهي المصري الذي تأسس في كتابات الإمام محمد عبده والشيخ شلتوت، والدكتور عبد المتعال الصعيدي وغيرهم.
وأختتم سامح فوزي الورقة البحثية بطرح عدة تصورات لهندسة اجتماعية جديدة لتعميق المواطنة، والخروج من أسر الطائفية هي:
1- حق الأغلبية العددية المسلمة في التعبير عن ثقافتها، وحق الأقلية العددية المسيحية في الحفاظ على تميزها. ويعني هذا أن يكون الحديث عن موقع «الشريعة الإسلامية» من الدستور، ليس من منطلق يُشعر غالبية المجتمع بالاستعداء على عقيدتهم، ولكن من منطلق تحقيق المساواة، والحيلولة دون التوظيف العشوائي للدين في الحياة العامة.
2- حكم القانون، بمعنى تطبيق القانون من دون تهاون أو تلكؤ على التطاول على العقائد، والإساءة إلى المختلفين في الدين، سلوكا ولفظا. وينطلق ذلك من قاعدة أساسية أنّ تمتع المواطنين بالحقوق والواجبات هو أمر قانوني، وليس عرفيا، وينبغي التأكيد على دولة القانون، لأنها وحدها القادرة على رفع مستوى توقع الأفراد في المجتمع، ويجعل مناط التمتع بالحقوق والواجبات هو القانون وليس تسامح أغلبية عددية في علاقاتها بأقلية عددية.
3- الاستناد إلى مفاهيم أساسية ترتكز عليها الجماعة الوطنية وهي المواطنة المتساوية، الديموقراطية، وحرية الرأي والاعتقاد، التنمية. يستدعي ذلك تعميق الصــــيغ السياسية والاجتماعية التي تجسد المشاركة بين المسيحيين والمسلمين على أسس غير طائفية.
4- التمايز في المجتمع بين المواطنين على أساس الاصطفاف السياسي، والوضع الاقتصادي، والموقع الاجتماعي، من دون اعتبار للهوية الدينية أساسا للتصنيف في الحياة العامة.
5- إعادة تعريف المجال العام بوصفه مساحة نقدية مفتوحة أمام كل المواطنين للتعبير عن القضايا العامة، وليس مجالا للمساجلات العقائدية، أو بث روح الكراهية، أو التعصب المقيت.
6- تنحية ملف العلاقات الإسلامية المسيحية من التنافس السياسي. فقد أدى التوظيف السياسي له أن تحول الأقباط إلى «منطقة الصيد» Catching Area بين الدولة من ناحية، والمعارضة باختلاف أطيافها من ناحية أخرى، بمن فيها الإسلاميين. يتطلب ذلك التأكيد على حقيقة أساسية أن الأقباط مواطنون، ينبغي أن يكونوا خارج حسابات اللعبة السياسية بوصفهم جماعة دينية، لكنهم يعبرون عن أنفسهم بوصفهم مواطنين، مختلفين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
مجمل الدراسة منشور في موقع مبادرة الإصلاح العربي
www.arab-reform.net

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق