الجمعة، 19 نوفمبر، 2010

حوار حول إسطاسية


القاهرة - رشا عبدالوهاب
"إسطاسية" أحدث الأعمال الإبداعية للكاتب الكبير خيري شلبي.
حمل شلبي هذه الرواية في رأسه منذ طفولته لأكثر من 65 عاما، ملامح شخصية لامرأة مصرية قبطية يقتل ابنها الوحيد، لتحول إسطاسية الثكلى حياة أهالي قريتها الى جحيم مقيم، وحداد يومي لا ينقطع على مدى سنوات الى أن يقتص لها العدل الإلهي من قتلة ابنها.
تجربة جديدة وحلم قديم لصاحب"الوتد" لكتابة تراجيديا مصرية غنائية وللكتابة عن الريف حيث الصفاء الكامل.
يصف شلبي تجربة حياته بـ"المروعة" لأنها أعطته القدرة على معرفة أنواع المشاعر وأنواع الناس وأصبحت معرفة ذات مصداقية لأنها وليدة المعاناة والمكابدة. يعيش الحياة بقلبه دائما ولا يخفي مشاعره لكن ذاكرة الوعي تدّخر المرئيات والمسموعات التي يتأثر بها. ويستعد لإصدار كتاب جديد بعنوان "كلام في الكتابة" يتناول تجربته في الحرفة وأساس الذاكرة البصرية التي تكونت لديه والتي تعتبر رأس مال الأديب.
وفي هذا الحوار يتحدث صاحب "موال البيات والنوم" عن روايته الجديدة وعن ثنائية الريف والمدينة وعن أعماله الإبداعية.
[
ما هي حكاية رواية "إسطاسية"؟ ولماذا اخترت هذا الاسم الغامض ليكون عنوانا لأحدث أعمالك الأدبية؟
-
كان لدى أقباط قريتي في كفر الشيخ أسماء لها فتنة وكنت أحبها جدا لغرابتها وإيقاعها الموسيقي ولاختلافها عن الأسماء التقليدية الكثيرة التي نتداولها كمسلمين ومنها اسم إسطاسية. جذبني الاسم وجذبتني الشخصية فهي باقية في رأسي منذ الطفولة تنمو الى أن طرأ مقتل شاب قبطي يشبه ابن إسطاسية ووجدت أن إسطاسية تحمل الملامح المصرية الأصيلة للمرأة المصرية القوية. الاسم في رأسي منذ أكثر من 65 عاما. كنت قد سمعته في قريتنا في أيام الطفولة وهي قبطية. والقبط في بلدتنا كانوا نسبة كبيرة نسبيا لأنهم أصحاب البلد في الأصل والمسلمون وافدون عليهم وأصبحوا أغلبية لكن الأغلبية المسلمة في القرية وقريتنا على سبيل المثال كانوا مربوطين بالقبط برباط عاطفي وثيق جدا على اعتبار أن السيدة مريم وابنها السيد المسيح من نجوم الإسلام وبالتالي فالدين المسيحي كانت مصر من أوائل الدول التي احتضنته غير أن السيدة مريم في رحلتها للخلاص جاءت الى مصر. بعدما كتبت الرواية سأل شاب صحفي في جريدة الشروق عن معنى اسم إسطاسية، أنا لم أسأل لأنه لم يكن يعنيني معنى الاسم بقدر ما يعنيني الاسم نفسه بغموضه الساحر. ويمكن لو كنت قد عرفت معناه ربما كان قد بطل سحره لكن عرفت أن الاسم معناه طالبة العدالة دهشت أن يكون فعلا الإلهام بهذه الشفافية بدون وعي معرفي بحقائق الأشياء.
تصنيف
[
كيف تصنف هذه الرواية في مسيرتك الروائية؟
-
لا أريد أن أبدو معجبا بما أكتبه، لكن رواية "إسطاسية" أنا سعيد لأني كتبتها لأني كنت أريد أن أكتب منذ زمن بعيد تراجيديا مصرية غنائية. فظهرت شخصية إسطاسية المرأة الثكلى التي قتل ابنها ولم تستطع العدالة الأرضية أن تجلب لها حقها وتم الإفراج عن المتهمين لعدم كفاية الأدلة فلجأت الى القضاء الأعلى وإلى السماء. ونجحت في إقامة حداد دائم في قريتها وفي القرى المجاورة لمدة ست سنوات أصبح الناس محاصرين بصوتها بما فيه من حزن والتياع، متأثرين الى حد كبير ووصل الأمر الى قناعتهم، بأن إذا كان تأثرهم بلغ هذا الحد، فما بال السماء وهي منبع العدالة، والتي لابد أن تستجيب لهذه المرأة الثكلى ولهذا الدعاء المتواصل كل يوم. وأصبحت القرية تعيش في حالة توتر، وتكاد تعرف الجاني لكنها تعرفه بشكل غامض ينقصه التحديد وتريد أن تتحدد الأمور وأن ينتهي البلد من حالة الذنب التي تعيش فيه كلها وأن تأخذ العدالة مجراها وأن تصمت هذه السيدة التي يشبه ندبها صوت الضمير والإلحاح الذي يضرب في قلوب الناس ليلَ نهار، كأنه يتوعدهم بالأذى إذا لم يشاركوا في البحث عن قاتل ابنها. لا أعرف إذا كنت قد وفقت في كتابة الرواية كما كنت أرجو لها أم لا، ولكن نفاد الطبعة الثانية في بحر شهرين لدرجة أنني الآن أبحث عن نسخة وحيدة في أي مكتبة لي أنا شخصيا كي أجلدها واحتفظ بها فلا أجد. هذا دليل على أن الرواية بها بعض التوفيق.
المرأة
[
المرأة في رواياتك دائما ما تبدو شخصية قوية مثل إسطاسية وفاطمة تعلبة في رواية "الوتد"؟
-
إذا كانت الدول أو الملل الأخرى تعامل المرأة باعتبارها كائناً حيوانياً أو كائناً من الدرجة الثانية أو بمعنى أصح كائن لا درجة له، كان المصريون لديهم المرأة ملكة مثل حتسشبوت ولو لم تكن ملكة يكون لها تأثير قوي في السياسة. وهناك نماذج من المصريات القديمات مثل كيلوباترا، الى آخره. المرأة في مصر قوية ومحترمة ومقدرة وتكاد تكون مقدسة. إيز "إيزيس النطق اليوناني للكلمة" التي تعتبر روح مصر الأصلية، الأسطورة الخاصة بها عبقرية، زوجها أوزير إله الخير والنماء تحبه الناس فأخوه "ست" إله الشر غار منه وكان يريد أن يمارس حكمه الشرير دون أن يعترضه أحد، فاعتقل أوزير وقتله وقطع جثته ووزعها في أماكن متفرقة بعيدة عن بعضها، فظلت إيز تبكي الى أن تكوّن من دمعها نهر النيل. طبعا كل شيء جف بعد مقتل أوزير وجف الزرع والضرع والنبات والمياه. فقامت إيز بجمع الأشلاء ودفنتها، وتعاطفا معها جاء فيضان النيل ليعود النماء مرة أخرى. حتى الآن يمكن القول إن محنة مصر أنها مبعثرة الأشلاء بأشكال متعددة وخلاصها في روح إيزيس أن يكون هناك قضية كبيرة عامة تجمع الأشلاء المصرية على حاجة واحدة وهدف واحد وعلى قضية واحدة فتتقدم البلاد. ملامح الشخصية المصرية كما قرأتها في التاريخ وكما رأيتها في الواقع مجسدة في القبطيات على وجه التحديد، وصلابة النفس في مواجهة أي مشاكل أو صعاب الحياة كل هذا اجتمع في شخصية إسطاسية.
[
لماذا تلجأ دائما الى استخدام الفن والغناء الشعبي وكذلك بعض العادات المصرية القديمة مثل الندب خاصة في هذه الرواية؟
-
الندب موهبة مصرية خالصة متصلة وأساسها النزعة الحضارية المصرية، لأن الحضارة المصرية قامت على قهر الموت. فالمصري يرى أن ليس معقولا أن يكون الموت نهاية كل شيء ولابد من وجود حياة أخرى بعد الموت، وتصوّر هذه الحياة، ومن الجدير بها، وكيف يصل إليها، وصور الحساب أيضا. ولأنه كان خائفا من أن يزيل الموت كل هذه الحضارة وكل هذه الأشياء قرر أن يتحدى الموت بالبقاء. فبنى الأهرامات وسجل التواريخ والأحداث والوقائع بالنقوش على جدران المعابد، وخلّد ذكر الموتى في أناشيد شعبية يسهل حفظها كما خلّد الوقائع الحربية أيضا بالشعر. ومن هذه الخصيصة فن العديد أو فن العدودة لأن المقصود من العدودة أن المعددة أو من يسمونها الندّابة وأميل الى الاسم الأول لأن الندّابة اسم به استعلاء غير واعٍ والمقصود منه المعددة التي تعدد مناقب المتوفى وخصاله الحميدة وأخلاقياته العظيمة.
الفتنة
[
في إسطاسية تناولت قضية شديدة التعقيد والحساسية وهي الفتنة الطائفية، لماذا؟
-
لم أقصد ذلك، لكن القضية هي هذه وكذلك فرضها الواقع. الظروف التي تحدث الآن ليست وليدة الحاضر لكن لها جذور طويلة. هناك بالفعل فتنة طائفية موجودة خاصة بعد ثورة 1919 ونجاح مصر في أن تكون كتلة واحدة. الاحتلال الإنجليزي بدأ يدخل في نسيج العلاقة. ويمكن لورانس داريل في رباعيات الإسكندرية أشار الى ذلك بشكل صريح خصوصا أنه كان يعمل في جهاز المخابرات الإنجليزية في ذلك الوقت. فكان الاحتلال الإنجليزي يبث الفرقة بين المسلمين والمسيحيين عملا بنظرية "فرّق تسد" التي يعيش عليها الاحتلال في كل مكان. فرّقوا المسلمين والمسيحيين وكانوا يسعون بالوقيعة بين الطرفين. يتسلطون على مشايخ المسلمين المتخلفين ثقافيا الذين تخرجوا من معهد ديني بابتدائي واكتفوا بذلك ولبسوا العمامة والجبة وملابس المشايخ الكبار وأصبح يحق لهم أن يخطبوا في المساجد ويعظوا الناس وهكذا. التقط الاحتلال مثل هذه الفئة التي ليس لديها بُعدٌ فكري أو ثقافي والغارقة في التعاليم الدينية فقط التي تعرفها وأوهمهم أن هناك حركة تبشير وأن المسيحيين يخرّبون الإسلام من الداخل ويلفون من جهة أخرى على المسيحيين ويقولون لهم إنكم مضطهدون وليس لديكم مناصب وأن المسلمين يسعون للقضاء عليكم وللإبادة الجماعية الى آخره. فعلا أوجدوا فتنة بواسطة الطوائف المتخلفة من الطرفين الذين يتصلون بالجمهور الديني سواء في المسجد أو الكنيسة، ومثل هؤلاء لديهم تأثير شعبي قوي أقوى من الأئمة الكبار الذين يؤثرون في النخبة فقط والنخب تظل طوال عمرها نخب تستعلي على العامة فلا يبقي للعامة سوى أنصاف وأرباع المتعلمين. وبعد الثورة استيقظت الفتنة ثم نامت وتظل تنام وتستيقظ.
 
*جزء من حوار لجريدة المستقبل اللبنانية-لقراءة بقية الحوار:
المستقبل - الاثنين 26 نيسان 2010 - العدد 3635 - ثقافة و فنون - صفحة 20

* دخلت الرواية مؤخرا القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق