السبت، 30 أكتوبر، 2010

المسلمون والأقباط فى السينما المصرية

فى الكثير من الأفلام المصرية، ظهر الأقباط بمثابة طائفة من طوائف الشعب، لهم ما للمسلمين من نفس الحقوق والواجبات الاجتماعية، وقد اشترك هؤلاء الأقباط فى الحروب، والأحداث الكبرى التى شهدتها مصر فى العصور المختلفة خاصة فى القرن العشرين إلى جانب أقرانهم المسلمين.
وعندما وجدت نفسي بصدد إعداد هذه الدراسة عن الدين فى السينما المصرية، اتسعت الآفاق فجأة أمامى، بين الكتابة عن الأقباط فى السينما، وبين الكتابة عن العلاقة بين الأقباط والمسلمين فى هذه السينما، وقد تشبعت هذه الأفاق أمام الباحث لدرجة يمكن منها تأليف كتاب منفصل، لم يقم أحد بتقديمه من قبل، وقد بدأ هذا فى إعلان عثرت عليه فى مصادر معلوماتى، عن أفلام قام حلمى رفله بإنتاجها فى بداية الستينات، ولاحظت أن كثيراً من الأقباط قاموا بإنتاج أفلام من طراز "رابعة العدوية" و"إسلاماه"، فضلاً عن أفلام تاريخية تمجد العرب فى عصور ازدهارهم.
وسرعان ما تفتحت أمام عينى صورة كتاب يتناول دور الأقباط فى صناعة السينما المصرية، يتضمن المخرجين والمنتجين، والممثلين الذين عملوا على ازدهار هذه السينما، وأيضا المؤسسات القبطية، مثل المركز الكاثوليكى، الذى يضم أكبر أرشيف منظم لهذه السينما، والذى أشرف على تأسيسه باحث دؤب هو فريد المزاوى، والمراجع الموجودة فى هذا المركز باللغتين العربية والفرنسية، لا تتوفر فى المؤسسات الرسيمة لوزارة الثقافة التى أساس وظيفتها هو تدبير مثل هذه المعرفة عن السينما.
  وقد تم إرجاء هذا البحث، كى نتوقف عند المسيحية كدين فى السينما المصرية، بالنظر إلى النص السينمائى الذى يشاهده الناس على الشاشة، أى الحكايات التى يراها المتفرجون، وجدنا أن هذا الأمر فى حد ذاته ينقسم إلى عدة أقسام. فالقصص السينمائية مليئة بالشخصيات القبطية، موجودة فى الحكايات مثل وجودها فى الحياة، تتباين قصصهم مع أنفسهم، وأيضاً مع المسلمين، مثلما هى قائمة فى اى مجتمع. وهم فى تلك الحالات مواطنون عاديون، لكن سرعان ما تتدخل مسألة الدين إذا ما حدث ما يبين هذا الفارق بين الطرفين، مثل أن تتولد قصة حب بين طرفين، ينتج عنها تغيير مصائر أشخاص كثيرين من الأطراف.
وسرعان ما وجد الباحث نفسه أمام بحر خضم من المعلومات عن هذا الموضوع، فقد أظهرت السينما هذا الموضوع فى عدة زوايا: الأولى منها تتحدث عن قصص حب يائسة بين المسلمين والمسبحين، كان تحب فتاة مسيحية شابا مسلما، وتصبح الديانة عائقاً ضد اقتران الاثنين، أو استمرار العلاقة بشكل شوى.
أما الزاوية الثانية فتتمثل فى تصوير قصص الحب التى نراها فى الأفلام بين المسبحين أنفسهم، مثلما حدث فى أفلام من طراز "البوسطجى" و "شفيقة القبطية" و "ضحك ولعب وجد وحب" و" الناصر صلاح الدين" و "الراهبة". وفى هذه الحالات، فإن الدين لا يبدو بارزاً قدر الطائفية، فلا يمثل الدين أى عائق فى اقتران الحبيبين، وكأنما هي قصة عادية، لكن العواقب التى نراها واقفة أمام استمرار هذه العلاقة تتمثل فى أى عراقيل ومتاعب تعترض أى عاشقين فى أى فيلم، ليست فيه إشارة إلى ديانة البطلين، مثل وجود طرف ثالث من نفس الدين مثلما حدث فى فيلم "الراهبة" لحسن الإمام و"شفيقة القبطية" لنفس المخرج، ومثل العادات الاجتماعية فى فيلم "البوسطجى".
وسوف نفرد حديثنا هنا فى البداية حول الأفلام التى تحدثت عن علاقات حب مستحيلة بسبب الدين بين طرفين، وخاصة تلك الأفلام التى تحدثت بشكل مباشر عن هذه القصص والواقع أن هناك أفلاماً كثيرة ناقشت ذلك الموضوع بشكل مباشر، والبعض الآخر تعرض لها بشكل عابر.
وقد اتضحت هذه العلاقة بشكل أكثر بلورة فى أفلام من طراز "الشيخ حسن" لحسين صدقى عام 1954، و"لقاء هناك" لأحمد ضياء الدين 1975.
وبالنظر إلى هذه الأفلام سنجد أن هناك مجموعة من السمات تجمع فيما بينها منها:
*أغلب هذه الأفلام تقوم أساسا على أساس أن الفتاة قبطية، وأن الحبيب مسلم. ولعل ذلك يرجع فى المقام الأول إلى حساسية العلاقة ومسألة الإنجاب، إذا حدث زواج بين الطرفين، فحسب الشريعة فانه يمكن للرجل المسلم أن يتزوج من امرأة من عير دينه، وأن تبقى هي على ديانتها، وذلك كى يكون الأبناء مسلمين ولكن يحي ألا يحدث العكس. وقد راعت الأفلام التى رأيناها هذه النقطة. فكان الحبيب دائما هو الرجل. هو الشيخ حسن طالب الأزهر الذى يحب الفتاة القبطية لويزا، وهو عباس فى "لقاء هناك".
ولم تحاول السينما المصرية أن تزج نفسها، مثلما حدث مع التليفزيون المصري فى بداية 1996، بأن تجعل هؤلاء الفتيات العاشقات يتركن أديانهن ، وكأن السينما بذلك تدعو إلى أن يترك كل من هو غير مسلم ديانته ليصير مسلما. وهو ليس دور السينما بالمرة، ولعله لهذا السبب، فإننا لم نر فى القصص السينمائية المصرية مسيحيا يحب فتاة مسلمة، ويترك دينه من أجلها.
*كما أن أغلب هذه القصص قد انتهى بعدم الاقتران بين الطرفين ففى "لقاء هناك" أذعن كل من الشابين لضغوط الأسرة، فتزوج عباس من ابنة عمه ليلى (زبيدة ثروت)، وعملت إيفون (سهير رمزي) موظفة، ثم اختارت دخول الدير كأنها لا تود أن تهب نفسها لرجل آخر، بينما قبل عباس بالأمر الواقع حيث تزوج ابنة عمه وأنجب منها الأبناء.
وفى "الشيخ حسن" تزوجت لويزا (هدى سلطان) من طالب الأزهر رغم إرادة أهلها، ولذا فأن أسرة الشيخ حسن (حسين صدقى) تتنكر لهذا الزواج، ويحاولون الضغط عليه ليطلقها فيرفض. وتبعا لاستعطاف الأم، حتى لا يتحطم كيان الأسرة القبطية فإن حسن يقوم بتطليق زوجته. ويمنعه والدها من رؤيتها هى وابنه، فتموت لويزا من شدة الحزن، وتوصى القسم بتسليم الابن لأبيها المسلم، وأن تسلم جثتها لزوجها ليدفنها.
والجدير بالذكر أن هذا الفيلم قد تعرض لمتاعب عديدة، فمنع عرضه عند إنتاجه عام 1951، ويقال أن البعض أشعل دار السينما عند عرضه الأول، وحسب إ‘لان منشور فى مجلة "أهل الفن" – 4 أكتوبر 1954- فإن حفل الافتتاح سيتم تحت رعاية الرئيس جمال عبد الناصر، يخصص إيرادها للمؤتمر الإسلامى، وذلك فى إطار إشارة فى أعلى الإعلان "اليوم يتحقق مبدأ الفن فى خدمة الإسلام".
وكما لاحظنا، فإن العاشق فى أغلب هذه الأفلام طالب، لا يستطيع الزواج من حبيبته لأسباب اقتصادية، وخاصة عباس الذى لا يمكنه الاقتران بايفون لحاجته المادية لأبيه التاجر. ولذا فانه محكوم على الحب فى كل هذه القصص بالفشل، تبعا للضغوط الاجتماعية، وذلك يعكس أحداث الواقع، فكم نعرف فى دوائرنا الاجتماعية أشخاصا يعيشون مثل هذه الحياة بأقل قدر من المتاعب، ربما أقل مما تصوره السينما.
*أغلب هذه القصص السينمائية مستوحى من نصوص أدبية مصرية، كتبها أدباء يؤمنون بحرية العقيدة "لكم دينكم ولى دين" كما قدمها سينمائيون مسلمون أبدوا حماساً للتعامل مع طوائف الشعب وحدة واحدة. من هؤلاء الأدباء نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وثروت أباظة، ومن بين السينمائيين هناك حسن الإمام، ورأفت الميهى، وأحمد ضياء الدين، وحسين صدقي. هذا بالنسبة للأفلام التى تحدثت عن علاقات الحب بين أقباط ومسلمين، أما بالنسبة لقصص الحب بين بنات وصلبان أقباط، فسوف نفرد لها حديث منفصل، ولكننا لن نراها تخرج كثيراً عن هذا الإطار.
وقد تغيرت بعض النهايات والتفصيلات بين الروايات والأفلام، وعلى سبيل المثال فان ماجي في "النظارة السوداء" مسيحية من أصل لبناني، ودائما تضع الصليب على صدرها، دون أن تدرى أبعاد ما يرمز إليه. وقد تجاهل الفيلم الذى أخرجه حسام الدين مصطفى، وأعد له السيناريو لوسيان لامبير هذه العلاقة تماما، ولم تحدد الهوية الدينية لفتاة عابثة، باعتبار أن هذا النموذج يمكن أن تجده فى أى مكان. أما مصير إيفون فى "لقاء هناك. فكما أشرنا فهو مختلف عن الرواية فى الفيلم. وأعتقد أن كاتب السيناريو قد رجع فى ذلك إلى نهاية فيلم "المعجزة" المأخوذ عن أنشودة برناديت" الذى رآه الناس فى نهاية الخمسينات. ومن المعروف أن الكثيرات من النساء فى السينما يذهبن إلى المدير عقب فشلهن فى الحب، ولكن هذه الظاهرة غير موجودة بنفس الكثافة فى المجتمع المصري.
* قد يرجع ذلك إلى ارتباط هذه الظاهرة سينمائياً بالمرحلة الرومانسية التى ازدهرت فى الخمسينات، ثم فى الستينات، فغالبا ماترتبط الرومانسية بالتضحية من أجل الحبيب، أو بفقدان هذا الحبيب فى ظروف درامية مؤلمة، وهذان العاشقان البريئان، يجدان نفسيهما يصطدمان بعقبات اجتماعية تحول تماما دون اقترانهما، فيحطمان حبهما بأى شكل عند أعتاب معبد التقاليد الاجتماعية. وفى السينما المصرية لم يرتبط هذا فقط بالحاجز الديني بل أيضا بالحاجز الاجتماعي. مثل العلاقة بين حبيبين أحدهما من عائلة ثرية ذات حسب ونسب، والثاني فقير معدم. وقد عزفت السينما على هذا الموضوع لسنوات طويلة فى أفلام عديدة، ولعل أبرز الأمثلة تلك المجموعة المتلاحقة المأخوذة عن "غادة الكاميليا"، فعلى الحبيبة أن تضحى بحبيبها أنها من عائلة فقيرة، وأيضا لماضيها المشين، أما هو ابن الأصول فعليه أن يتزوج من امرأة من نفس طبقته الاجتماعية، وهذا الحاجز الاقتصادى والاجتماعى ينضم إليه فى أفلام أخرى الحاجز الديني. وهو مرتبط فى المقام الأول بالمجتمع، فلاشك أن الأبوين فى فيلم "الشيخ حسن" يواجهان ضغطاً اجتماعيا، كل من الطائفة التى يمثلها، ضد هذا الزواج الذى حدث بين طالب أزهري، وبين لويزا. وقد رأينا الشيخ حسن قد أمتثل للطلاق بناء على رغبة والد زوجته، بينما عجز الأب نفسه أن يثنى ابنه عن استكمال هذا الزواج واستمراره.

ولذا .. فإنه فى الأفلام التى قامت فيها علاقات حب بين مسلمين وقبطيات، لم تكن هناك أى حاجة لوجود حاجز اقتصادي، واجتماعي بين الحبيبين، بل يكفى الحاجز الديني، ففى الأفلام التى نحن بصدد تخصيصها بالحديث، هناك علاقة جيرة بين الطرفين. بمعنى أنهم يعيشون فى نفسا لحى، بل في نفس الحارة، وبالتالى فهما يتمتعان بنفس المستوى الاجتماعي، وأن الفارق فى هذه الحالة ضئيل للغاية. ففي "الشيخ حسن" نرى الأسرتين متجاورتين فى السكن، تنمو بين الأطراف صداقة، وعلاقات حميمة، لكن هذا الزواج الذى تم بين الفتى وحبيبته، ينبه أعضاء الطرفين معا أن هناك حاجزا قوياً، ومن هنا تاتى الدراما التى تفرض نفسها على الحدث.
وفى "لقاء هناك" عادت العلاقة لتأخذ شكلا رومانسيا. فهذا الحب موجود بين الاثنين منذ الطفولة، كما انهما يسكنان نفس الحارة، وتتقدم بهما السنون، فيزداد الحب، حتى يصير طالبا، يصطدم حبهما بعقبات الموروث الديني، وكما اشرنا، فليس هناك فارقا اجتماعيا يذكر بين الأسرتين. وقد وضع الفيلم بين العاشقين عائقا رومانسيا هو شخصية ابنة العم ليلى (أدت الدور زبيدة ثروت) فهى فتاة عاقلة، وجميلة، وتناقش عباس فى أفكاره ومعتقداته.
والعقبة التى يصورها الفيلم ليست الدين وحده، ولكنها أيضا حاجته للمال كي يتزوج ممن يحب، فالحبيبة أيفون تترك بيتها من أجل حبيبها، إلا أن أسرة خالتها لا ترحب بها لموقفها الاجتماعي، فلتلجأ إلى عباس للاقتران به، لكنه يؤجل الفكرة إلى حين تخرجه، وسوف نراه بعد قد تزوج من ابنة عمه، أما ايفون فلم تجد أمامها سوى أن تدخل الدير.
* فى هذه الأفلام، كان المنطق أن الحب بين البشر لا يعرف أى عائق، وأن العلاقات الإنسانية كثيراً ما تبرز بين الناس من خلال منطق الآية القرآنية الكريمة" لكم دينكم ولى دين" وإذا كان رسول الهه صلى الله عليه وسلم قد اقترن بماريا القبطية، وأنجبت منه وليدها إبراهيم، فإن المجتمع فى الأفلام المصرية لم يعترف بسهولة بهذا الحب المتنامي بين أقباط ومسلمين، وهى خطيئة مجتمع، يحول مثل هذه العلاقات إلى مادة للثرثرة فى الاجتماعات المختلفة، ومن هنا، فإن العائلات التى ينتمي إليها العاشقين تتعرض لما يسمى بالقيل والقال من حولها، رغم ان العاشقين فى أغلب هذه الأفلام لم يرتكبا أى موبقات، وتأخذ العلاقة شكلها الرومانسي أو الشرعي. فلا خطيئة بين الطرفين ولا زلة، بل أن الشيخ حسن يتزوج على السنة من لويزا، ومع هذا فإن المتاعب تحوط الاثنين.
* ولذا فإنه محكوم على مثل هذا الحب بالفشل، مثل الحب الذى يجمع بين أى عاشقين، لا يقف الأبوان فقط ضده بل المجتمع. وتنظر هذه الأفلام إلى العلاقات الاجتماعية باعتبارها القيد الذى يعوق هذا الحب، بينما يسمح الدين نفسه بذلك دون أى عائق.
ومثلما ماتت "غادة الكاميليا"، مازالت لويزا بين يدي القس، وهى تطلب منه أن يسلم ابنتها إلى الشيخ حسن، وأن يقوم زوجها بدفنها بمعرفته. وعقب وفاة لويزا، يحس أفراد الأسرتين بمدى الظلم الفاحش الذى ارتكبه كل منها، وسرعان ما يمتثل أمام العين موضوع الصراع بين عائلتين فى "روميو وجولييت"، وكأن موت لويزا هنا هو الرباط القوى الذى سيكون بين الأسرتين، ويبدو هذا الرباط من خلال الابنة التى ستتم تربيتها بين العائلتين القبطية والمسلمة لكل طرف منهما الحق فى امتلاكها.
وفى هذه الأفلام يبدو الحاجز الاجتماعي الطائفي هو العزول الأكبر، أى أننا هنا أمام أفلام اجتماعية تتعدد فيها المستويات الدرامية. ولا تبدو فيها الشخصيات الرئيسية منفصلة عن الكيان الاجتماعي أسوة بالكثير من الأفلام العربية.
ويمكن اعتبار فيلم "لقاء هناك" هو النموذج الأكمل الذى يجمع بين كافة السمات العامة لهذا النوع من الأفلام، فهو مأخوذ عن نص أدبي، كما أن جميع العاملين به من المسلمين، حتى لا يشوب مثل هذا الفيلم قولا أن طائفة الأقباط تصنع فيلما لمناصرتها. كما أننا أمام فيلم رومانسي يقوم على قصة حب بين إيفون (سهير رمزي) وجارها عباس (نور الشريف) منذ الصغر، فى حي شعبي، وفى هذا المجتمع يزداد الاحتكاك بين الناس كما يزداد القيل والقال عند أول احتكاك من هذا النوع من العلاقات. ولذا فإن الأب (محمد السبع) تاجر، على الأقل كما جاء فى النص الأدبي، يتعامل بالبيع والشراء مع الناس، وكذلك مرقص (أحمد الجز يرى) والد أيفون.
والفيلم كما جاء على لسان عبد المنعم سعد، فى كتابة عن السينما لمصرية فى موسم (الكتاب التاسع) ، يطرح عدة قضايا اجتماعية هامة هي:
·  قضية العلم والإيمان وصراع الإنسان حول إيمانه وقيمه وحضارته العلمية.
·  قضية الفلسفة باعتبارها أساسا إلى الحقيقة وصراع الأفكار من خلال حرية التفكير.
·  التربية الدينية فى الأسرة باعتبارها إحدى مصادر مكونات شخصية الفرد.
·  قضية الحرية من خلال ممارستها بما لا يتعارض مع قيم المجتمع من دين وعادات.
  ويحاول الفيلم أن يمزج بين موقف عباس كطالب جامعي، يمر بمرحلة الشك الديني، وهو شك مرتبط بالتفكير العلمي لدى الشاب دارس الهندسة، وليس فقط نابعا لثقافته، وقراءاته فى كتب التاريخ، والفلسفة. وقد تناولنا آراءه المليئة بالشك فى فصل آخر لكن ليست هناك علاقة بين أفكار عباس هذه وبين حبه لفتاة مسيحية، فتصور الفيلم عائلة مرقص القبطية باعتبارها عائلة مصرية متدينة تحترم شعائر دينها وتمارسها، ويبدو هذا واضحا فى رفض الأسرة كاملة بل والعائلة، ويتضح فى موقف الخالة حين لا ترحب بوجود إيفون ببيتها عندما تلجأ الفتاة إليها.
  كما أن أسرة عباس نفسها متدينة، بل أن الفيلم يحرص على تصوير هذا التدين بشكل معتدل، دون أى تشدد تراه فى آباء آخرين. فالأب يحرص على تربية ابنه دينيا، ويعمل على تحفيظه القرآن الكريم منذ صغره وأن يؤدى الصلاة فى مواعيدها، وهو يطلبه معه كلما حان موعد أحد الفرائض، وليس فى هذا أى تشدد أو تطرف، والأب لا يفعل ذلك بنفس القسوة التى رأيناها فى فيلم "الملائكة لا تسكن الأرض" لسعد عرفه. ومع هذا فان الطفل عباس لا يقبل هذه الأمور التى يفرضها أبوه عليه بسهولة.
  وليس هناك سبب مباشر بين معاملة الأب وبين لجوء الابن إلى حب فتاة مسيحية، فكما أشرنا فان وجود أيفون فى عائلة متدينة قد يشكل عقبة نحو هذا الحب، لكن في الكثير من الأحيان، فان الحب لا يعرف الجنس، ولا العنصر، والدين، كفاصل بين البشر، والسبب الأساسى للحب هنا، أن العلاقة منذ الطفولة تعد بمثابة أمر طبيعي بين أيفون وعباس الذي يجد تناقضاً بين رؤيته العلمية لما يدور حوله، وبين ما هو مرغم عليه، ولذا فأنه فى النص الأدبي يهرب من أداء فريضة الجمعة ويكون ذلك سبباً للمواجهة بين الطرفين.
  وقد وسع النص السينمائى من الدائرة الاجتماعية حول عباس، فابنة عمه ليلى فتاة مسلمة مؤمنة. وهى تدخل معه فى نقاش دائم حول الدين. تحاول أن تشده إليها وإلى أفكارها. ولكن من الواضح أن عباس لم يتغير بسهولة بل أ،ه مبرمج على آلا يتغير.
وعائلة ليلى هي نموذج الأسرة المصرية المعتدلة التدين ترفض بشدة أفكار عباس، وينظر أفرادها إليه باعتبار إن الله يهدى من يشاء أو أن هداية ما سوف تأتى حتما.
  كما أن هناك طرفا أخر فى حياة عباس سمكن من خلاله النظر إلى الأشياء، هو الصديق شعبان الذى جسده الممثل سيف الله مختار. فهو يعيش فى حياة اجتماعية مقتدرة عن حياة عباس. وهو شخص منقسم داخل نفسه، فرغم علاقته براقصة، وحياته المليئة بالنزوات، فهو لا يتوقف عن ممارسة الشعائر الدينية، فيذهب إلى الصلاة. ولكن هذا لا يمنعه أن يتردد على الكباريهات. بل ويجذب عباس للذهاب معه. لكن هذا الأخير لا يتقبل هذا العالم بسهولة.
  وليس هناك تبرير فى الرواية والفيلم أن يهجر عباس حبيبته أيفون، إلا أنه غير قادر على ذلك ماديا باعتباره طالب، ولذا فانه فى لحظة مواجهة مع الأسرة، تهجر أيفون منزلها وتلجأ إلى حبيبها الذى يبدو سلبيا للغاية. وفى رأينا أنه لو كان مثقفا حقيقيا، أو لو كان صاحب موقف، لدافع عن حبه إلى النهاية، لكنه يقابل حبيبته بسلبية، تدفعها إلى اللجوء لأسرة خالتها، ثم بعد ذلك تقرر أن تدخل الدير، وكما اشرنا فإنها فى الرواية تعود إلى أسرتها التى تتعامل مع كل هذه التجربة الاجتماعية بأنها مجرد نزوة عابرة لفتاة مراهقة.
  وكما أشرنا فإن الفيلم يقدم أبطاله من الشباب، غير قادرين على اتخاذ قرار يحدد مصائرهم. ولذا فهم فاقدوا الأهلية. ولم يكن اللجوء إلى المدير من طرف أيفون سوى ضعف شديد على اتخاذ القرار، ولكن قد يكون ذلك مبررا باعتبارها فتاة صغيرة فى مجتمع لا يرحم من حاول حتى أن يخطىء.
  أما عباس فلم يجد سوى اللجوء إلى أسرة عمه وأن يتزوج من ابنة العم ليلى، وذلك بعد أن تخرج من الكلية، وهى فترة قصيرة للغاية بعد انتهاء قصة حبه مع أيفون، أو فلنقل بعد أن لجأت الفتاة إلى الدير.
  وقد بتر الفيلم بعد ذلك قصة الحب بين مسلم وقبطية، كى يتولى حل مشكلة الشاب الذى لم يتوقف عن الشك، وعلى طريقة حل الأزمة من خلال موقف عصيب رأينا مثله فى فيلم "الوسادة الخالية" لصلاح أبو سيف عام 1957، فان التغير الذى يحدث لصلاح تجاه زوجته يتحدد عندما تتعرض لأزمة صحية شديدة ويحس صلاح بأهمية زوجته فى حياته، وأنه قد ظلمها فيلجأ إلى السماء يدعو لها بالنجاة ويدرك أن حبه الأول لسميحة كان بمثابة وهم. فإن عباس يتعرض لنفس الموقف مع اختلافات شكلية، عندما تتعسر ولادة زوجته ليلى وتصبح فى موقف خطير للغاية، يناقش صلاح الطبيب فيما يمكن أن يفعله يسأله أن يستخدم كافة ما لديه من كفاءة علمية، لكن الطبيب نفسه مؤمن، ويعرف تماماً أن الله موجود وأنه سبب لكل العلوم.
  وفى مشهد النهاية يجد عباس نفسه محاطاً بكل من حوله من أفراد أسرته، وأسرة عمه، يبتهلون إلى الله بالدعاء من أجل إنقاذ ليلى، وأمام حالة التأثير الوجداني مع إلغاء العقل تماما الذى طالما استخدمه فى الجدل يبدأ عباس فى ترتيل الدعاء. وتركز الكاميرا على وجهه. وتتغير ملامحه الجامدة ثم نسمع أصوات الوليد القادم، وتعلو الفرحة وجه عباس، ثم تركز الكاميرا على وجوه الجميع، فقد تحققت المعجزة.
          تبقى إشارة ... فى أن نهض المخرجين الأقباط قد ناقشوا أحيانا قصص حب فى إطار كوميدي ... بين فتى مسلم وفتيات من أديان أخرى مثلما حدث فى فيلم "فاطمة وماريكا وراشيل" والفيلم اقتبسه أبو السعود الابيارى عن مسرحية "زواج فيجارو" لبو مارشيه وصور فيه الشاب المسلم لاه فى حياته، يتلذذ بالعبث بالبنات ويعدهن بالزواج. منهن المسيحية ماريكا واليهودية راشيل. ومثل هذا التباين الطائفي غير موجود فى النص الفرنسي، لكن الفيلم تمت صناعته فى فترة كان اليهود والمسيحيون والمسلمون يعيشون معا فى إطار نسيج اجتماعي واحد. وأي فتاة من الثلاثة تود الزواج من فتى ثرى يقوم بتغيير اسمه حسب طائفة العائلة التى تنتمي إليها الفتاة. ولم تكن ماريكا هنا قبطية، بل هي مسيحية يونانية ابني لإحدى الأسرات التى كانت تعيش فى مصر فى تلك الآونة، كما أن ماريكا فى فيلم "حسن وماريكا" لحسن الصيفي هي أيضا يونانية. وهذا الفيلم كتبه أبو السعود الابيارى عام 1959، وهو يعتمد فى المقام الأول على كوميديا الموقف، فحسن (إسماعيل يسن) يحي ماريكا (مها صبري) ابنة الحلاق اليونانى. وينافسه فى حبها شخص آخر يدعى فهلوي. وعندما تصل رسالة من اليونان إلى الأب قادمة من شخص يدعى ماركو يود الزواج من مارياك، فان كل من حسن وفهلوي يتنكران في شخصية ماركو. وسرعان ما تنقلب الأحداث إلى كوميديا الموقف. وكما نرى فأن أبطال هذه الأفلام الكوميدية بما فيها "حسن ومرقص وكوهين" لفؤاد الجزايرلى عام 1954، ليس لهم مواقف عاطفية وجدانية، وليست علاقة الحب بين طرفين من طائفتين مختلفتين تسبب أى متاعب من التى تعرض لها أبطال الأفلام التى تناولناها فى الحديث فى هذا الفصل.
تاليف / محمود قاسم
تقديم / ا.د مدكور ثابت
المصدر / كتاب صوت الاديان فى السينما المصرية الفصل الخامس عشر
http://egyptartsacademy.kenanaonline.com/my/topics/58294/posts/95423

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق