الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

محمد حسنين هيكل يكتب :عن المسلمين والأقباط

نقلا عن جريدة الشروق عدد الأربعاء 29سبتمبر 2010
http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?ID=304512
 
قبل أن تقرأ ما كتبه الأستاذ

ما حدث خلال الأيام الماضية، فى ملف العلاقة بين المسلمين والأقباط يحتاج إلى وقفة تطل بصراحة على ما حدث، وتبحث جادة فى أسباب ما حدث.. من أجل وأد خطر فتنة لا يتوقف عن محاولة الوجود على أجندة هذا الوطن.

ولأن القضية خطرة وخطيرة، فبالتالى نحتاج إلى وقفة عاقلة وهادئة وعميقة تستكشف حقيقة ما يجرى فى هذه العلاقة.. وقفة تطفئ الفتنة لا تشعلها، وتقدم للرأى العام حقائق تاريخ العلاقة وخريطتها الجينية لتعرف بالضبط لماذا تحاول الفتنة دومًا الوجود فى هذا الوطن، ومن الذى يسعى لحضورها خاصة فى أوقات الأزمات السياسية الكبرى؟

ببساطة نكتشف أهمية العودة لما كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل، فمرة بعد مرة، يتضح لنا أن هذا الرجل قارئ للمستقبل أكثر منه محلل للماضى، فقد كتب هذا المقال قبل أكثر من عشر سنوات (مارس 2000 فى مجلة «وجهات نظر») فى ظروف مشابهة، وحينما تقرأ ما كتب هيكل تشعر وكأنه كان ممسكا بالقلم أمس، ومتابعا لما جرى أمس الأول، تشعر وكأنه تابع تصريحات الأنبا بيشوى وما قاله الدكتور العوا.. وعارفا بكل ما يجرى فى العلاقة بين الكنيسة والدولة.

الأهمية تأتى من كاتب يعرف بدقة الهدف من الكتابة، لأنه يفهم جيدا كيفية صناعة القرار.. يفهم أى قضايا هى بالضرورة من اختصاص رأس الدولة، وهو أعلن بوضوح أن الدين والنيل على قمة أولوياتها، وتدخلها واجب لأنها قضايا مصيرية.. الماء والدين وكلاهما يمثل الحياة. «العيش والمعايشة» وبدونهما لن يكون هناك وطن.

يكشف الأستاذ فى هذا المقال ما كان بين الرئيس عبدالناصر والبابا كيرلس والرئيس السادات والبابا شنودة.. ويكشف عبر التاريخ الديانتين المسيحية والإسلام اللتين تجريان فى دماء الوطن. مثلهما مثل جريان النيل.. يذهب هيكل إلى جنبات التاريخ محللا لما حدث فى الماضى، قارئا لما يحدث اليوم، كاشفا بالأمثلة كيف تلعب بعض العناصر الداخلية على حبل الفتنة ومتى تتقن لعبتها؟.. وكيف تعبث بعض العناصر الخارجية فى متن هذه العلاقة (المسلمين والأقباط) ولماذا؟.

هيكل كتب ما كتب.. قبل عشر سنوات.. ولم يكن بيشوى قد تكلم ولم يكن العوا قد رد.. كتب هيكل عن النيل والخطر القادم له.. ولم تكن دول الحوض قد أعلنت عن رغبتها فى إعادة توزيع حصص المياه.. ولم يكن النائب الأمريكى (الجمهورى) فرانك وولف قد قدم مشروع قرار للكونجرس يطالب بتعديل وضع الأقباط فى مصر.

«
عن المسلمين والأقباط» مقال يطلق نوبة صحيان عالية فى مواجهة حالة عصيان هادرة ضد تعايش طبيعى يجرى فى تاريخ الوطن مثلما يجرى النيل فى أراضيه.

عمرو خفاجى
.....
 عن المسلمين والأقباط
محمد حسنين هيكل -

طال تَرَدُّدى أمام الموضوع الذى أحسست أننى أريد التَّوَقُّف معه، وليس مع غيره، فى هذا الحديث! وطال تَرَدُّدى أيضاً أمام الجِهة التى ينبغى توجيه الحديث إليها بظنِّ أو باعتقاد أنها الأوْلى به من غيرها، وأنها المسئولة عنه قبل الجميع.

والحاصل
أن الموضوع الذى طال تَرَدُّدى أمامه هو ما تَبَدّى وتصاعَد فى السنوات الأخيرة من ضغوطٍ على العلاقات بين المُسلِمين والأقباط من أبناء الشعب المصرى ،والحاصل كذلك أن الجِهة التى طال تَرَدُّدى فى تَوجيه الحديث إليها هى رئاسة الدولة بالتحديد، لأنى أظنُّ وأعتقد أنها الأوْلى به من غيرها وأنها المسئولة عنه قبل الجميع
(1 )الدين والنيل

والسَّبَب الذى طال من أجله تَرَدُّدى أمام الموضوع فى حَدِّ ذاته أن الخَوضَ فيه اسْتُبيحَ أمرُه رغم جَلال خَطَره لكل ماسِكِ قَلَم أو حَجَر أو سَيْف، ولكل مُطِلٍّ على الناس من صفحة جريدة أو سَمّاعة مِذياع أو شاشة تليفزيون، ولكل من اعتَلى منصَّة كلام أو مِنبَر وَعظ، أو أمسَكَ بحَبْلِ ناقوسٍ فى بُرجِ كنيسة.

وكانت النتيجة حالة من الفَوْضى أحاطت بالموضوع وقد حَسَبَت أنها تَسُدُّ الطُرُقَ إليه بالزِحام، أو تَصُدُّ عنه بإيثارِ البُعدِ (عن الزِحام)!
وأما السَبَبُ الذى طالَ من أجله تَرَدُّدى أمام الجِهة التى أوَجِّه إليها هذا الحديث وهى رئاسة الدولة فهو الحساسية من تَجاوُزِ الحُدود:

من ناحية فإن لدَيَّ ظناً بل واعتقاداً أن موضوع الوِحدة الوطنية هو وموضوع مياه النيل معها دون غيرهما وقبل غيرهما هما اختصاصٌ أصيلٌ لرئاسة الدولة، ومسئولية غير قابلة للقِسْمة تحت أية دعاوى بما فى ذلك دعوى الفصل بين السُلطات، أو دعوى الممارسة الديمقراطية ذلك أن مسألة دينَيْن على أرض وطنٍ واحد، وكذلك مسألة نَهْر هو المَصدَر الوحيد للحياة تجىء موارده من خارج الحدود هما مما لا يَجوزُ فيه التفويض، ولا طول الجَدَل والتَزَيُّد!

كلتا المسألتين فى ظنى واعتقادى أهَم وأخطر من أى مسألة أخرى، حتى مسألة الحرب والسلام، وحتى مسألة التنمية والتكنولوجيا، ذلك أنه بدون سلامة القاعدة الوطنية، وبدون حماية مياه النيل والمحافظة عليها, يُصبِح أى كلام عن الأمن وعن المُستَقبل سَبقاً للأوان بالقفز على الحقائق!

ومن ناحية أخرى فإن داعى الحساسية من تَجاوُزِ الحُدود ينشأ من أن توجيه الحديث إلى رئاسة الدولة قد يُرَدُّ عليه بأن رئاسة الدولة ليست فى حاجة إلى من يلفِت نظرها لما هو فى الصميم من اختصاصها ومسئوليتها.. وهذا منطقى ومشروع!

على أنه فى النهاية كانت دَواعى التَرَدُّد هى نفسها دَواعى المُجازفة بالإقدام، لأن الأمور لم تَعُد تحتمل.
ففوضى الزِحام من حول موضوعٍ من الموضوعات لا تمنع أحداً أن يُنادى من بعيد بصوت الضمير، حتى إن لم يكن واثقاً من إمكانية التأثير.

ثم إن اختصاص جِهة بأمرٍ ومسئوليتها عنه لايَصُدُّ عن توجيه الحديث إليها فى شأنه، فتوجيه الحديث إلى طَرَفٍ لا يَعنى بالضرورة تَنبيه هذا الطَّرَف إلى غياب، وإنما قد يكون القَصدُ تأكيد وتأييد اختِصاصِه وتدعيم قيامه على مسئوليته.

وفى كل الأحوال، ومهما كانت الاعتبارات، فإننى بعد طول التَرَدُّد جازَفت وتَقَدَّمت!
ذلك أن الموضوع مُتَّصِلٌ بمُستَقبَلِ وَطَن، ثم إن التَّوَجُّه بالحديث إلى الجِهة المسئولة عنه رئاسة الدولة حالة ضرورة وليس حالة اختيار!

وفيما يتصل بالموضوع نفسه واعتباره مَوصولاً بمستقبل وطن، فليست هناك حاجة إلى إعادة قراءة أو استقراء التاريخ العام أو حتى تاريخ الأفكار لكى يَتَّفِق الناس جميعاً على مَركَزِيَّة الدين فى حياة مصر بالذات، ذلك أن هذا البَلَد هامَ تَعَلُّقاً بفكرة الدين حتى من قبل أن تَتَنَزَّل كلمة السماء!

وأتذكر حوارين مُتَّصِلَيْن ذات يوم فى باريس (ربيع سنة 1971), مع أديب فرنسا الحديثة ومُفَكِّرِها الكبير «أندريه مالرو» (وزير الثقافة فى عَهْدِ «شارل ديجول») وكان الدين وفى مصر بالذات هو مالئ حديثنا، وكان «أندريه مالرو» هو الذى بادر بطرح الموضوع.
كان الحوار الأول على الغداء فى مَطعَم «لاسير» ، وكنا فى صَدَدِ الحديث عن إسهام مصر فى مُحيط الحضارة الإنسانية الأكبر، ووَجَدتُ «مالرو» يقول: «لا بد أن نَتَذَكَّر أن الحضارة المصرية هى التى «اختَرَعَت» فكرة الأبَدِيَّة».

وعَلَّقْتُ بملاحظة قلت فيها: «لنَتَّفِق على أن نكون أكثر تحديداً ونقول إن الحضارة المصرية لم «تَختَرِع» وإنما «أهْدَت» إلى الإنسانية فكرة الأبَدِيَّة. أى نقول بأن مصر «أهْدَت» بَدَلاً من أن مصر «اختَرَعَت».

وكان رَدُّ «مالرو» قوله: «إنه دون تَعَنُّت فى تدقيق الكلمات فإن الحضارة المصرية هى التى طَرَحَت فكرة البَعثِ بعد الموت، وفكرة العالم الآخر بعد هذه الدنيا التى نعيش فيها، وفكرة الحِساب والثَّواب سَيْراً على صراطٍ مُسْتَقيم فى يوم معلوم».

وفى الحوار الثانى على العشاء فى بيت صديقته الكبيرة السيدة «فيلموران» فى حَىِّ «سان جيرمان دو برى» عادَ «مالرو» إلى استئناف ما انقطع بعد الغداء وكأننا بَقينا فى نفس المجلس من الظهر إلى الليل، وهكذا فتح من جديد قصة غَرام مصر وهيامها بفكرة الدين، وكان بين ما قاله أن تَعَلُّق مصر بفكرة الدين وَصَلَ بها إلى دَرَجةٍ جَعَلَت منها البَلَد الوحيد فى الدنيا الذى اعتَنَقَ ثلاثة أديان على التوالى: من العقائد الفرعونية المغرقة فى الأساطير، إلى المسيحية المُسْتَعِدَّة للشهادة، إلى الإسلام المُكَلَّف بالجِهاد.
ومن اللافت للنظر أن «مالرو» كان يربط فى حديثه بين ديانات مصر المختلفة وبين النهر الواحد، ورأيه أن «مصر كانت فى حاجة إلى النَّظَرِ فيما وراء الطبيعة لأن حياتها كلها تَعتَمِد على نَهْرٍ لا ترى منابعه وتَجهَل كل شىء عن مساره، ثم إن مياه هذا النهر تزيد وتنقص، ومَجراه يفيض أو يغيض لأسبابٍ تحس بها مصر حين مَجىء خيرها أو شرها، لكنها فى الحالتين لا تستطيع أن تجد تعليلاً غير أن حركة النهر «المعبود» إرادة علوية فوق أى إرادة إنسانية، وكانت تلك دوافع مصر إلى الرجاء وإلى الدُّعاء وإلى الصَّلاة، وإلى الربط بين المَعبَد والمَجرى!

وناقَشْتُ «مالرو» طويلاً تلك الليلة، وكان طرحى عليه أن هناك أسباباً أبقى لتَعَلُّقِ مصر بفكرة الدين.
قلت إنه بصرف النظر عن كل الأسباب والعِلَل مما ذكر ولم يذكر فإن تَعَلُّقَ مصر بفكرة الدين مُؤَسَّسٌ على أن هناك خالقا وخَلقا، وهناك رسالات ورُسُلا،

وهناك عَقائِد ليس من الضرورى أن يبحث لها الناس عن أسبابٍ مادية أو «مائية»، حتى وإن احتَكَموا فى كل ثقافتهم إلى العقل وجَعَلوه مَرجِعاً وسُلطاناً، باعتبار أن العقل هو القوة الفاعِلة فى المادة وليس العكس، وتلك هى ميزة العقل وقُدرَته على الإدراك المُسْتَمِر لقوانين الطبيعة ومطالب الحياة.

وقد ظَلَّ تَبايُن التفسيرات بيننا قائماً على الغداء والعشاء، لكن اتفاقنا واتفاق من شاركوا فى الحوار معنا وبينهم كبير مراسلى «النيويورك تايمز» فى أوروبا «ساى سالزبورجر»، ورئيس تحرير «الموند» «بوف ميرى»، والمُفَكِّر الكبير صاحب العَمود الشهير فى «الفيجارو» «ريمون آرون» ، إلى جانب مضيفتنا الكريمة السيدة «فيلموران» انعَقَدَ على الأهمية المركزية لقضية الدين فى مصر، سواء بدأت الفكرة بسِرِّ النهر مانِح الحياة والنماء، أو بسَبْقِ الرسالات الإلهية مانِحَة الإيمان واليقين.

وفى مطلق الأحوال فقد كانت تلك الحوارات فى باريس نظرة جديدة على حقائق راسخة من قديم فى حياة مصر: «النيل والدين» حسب «مالرو» أو «الدين والنيل» حسب ما طَرَحَ غيره عليه!

بالنسبة للنيل لم يظهر تَحَدٍّ له شأن يُهَدِّد وصول مياهه إلى مصر، وتلك قضية يطول الحديث فيها وليس هنا مكانها رغم أهميتها ورغم ما ظَلَّ ساكناً فيها حتى القرن التاسع عشر، ثم تَبَدّى مشكلة فى القرن العشرين، وهو على الأرجح سوف يُصبِح قضية القضايا وصراع الحياة ذاتها فى الحقب الأولى من القرن الواحد والعشرين!

أما الدين على خلاف مع النيل حتى الآن فقد كان باستمرار مَكْمَناً مَشحوناً بالخطر.

بمعنى أن مياه النيل لقرون طويلة ظلَّت فى أمان..
أما عقائد الدين فقد كانت باستمرار فى الميدان.
والتفسير واضح، فالنيل فى حُضنِ الطبيعة، أما الدين ففى قلوب البَشَر. وفى حين أن الطبيعة مُسْتَقِرَّة على أحوالها، فإن قلوب البَشَر تتنازعها تَقَلُّبات الأيام.

إن مصر القديمة المُغرَمة بفكرة الدين (على رأى «مالرو») سارت وراء الفرعون الإله ثلاثة آلاف سنة تبنى له أهراماته ومعابده، وتدفن معه كنوزه أو كنوزها! (وكانت صِلة الفرعون بالنيل حميمة، بل إن الصور اختلطت إلى حدود يصعب تمييزها فى بعض الأحيان بين النهر والإله والفرعون).

وعندما وَصَلَت المسيحية فإن مصر لم تَتْبَعها فقط، وإنما قادت أحد مذاهبها الكبرى وراء «مُرقُس» قِدِّيسها الأعظم.

وعندما أقبَلَ الإسلام فإن جيش «عَمرو بن العاص» لم يكن قَوِياً بسلاحه (أربعة آلاف جندى بالسيوف والحراب) وإنما كانت قوته الحقيقية هى الشريعة التى سبقت السَّيْف وغاصت إلى أعمق من الحربة، وكانت قوة الشريعة مع عوامل أخرى فعلت فعلها هى التى شَدَّت الجماعة الأكبر من سكان مصر، فى حين أن جماعة أخرى (لها وزنها) آثَرَت أن تَظَلَّ حيث كانت على عقيدتها المسيحية.

هكذا تجاورَ دينان على أرض الوطن الواحد، وبالتجربة الحية وعِبرَتِها أدرَكَ أتباعُ الديانتين من الشعب الواحد على أرض الوطن الواحد أن الحياة المشتركة فَرض ومكتوب، وذلك تَحَقَّقَ على التاريخ رغم اختلاف الدين.

ومع أن هذا الاختلاف فى الدين ظلَّ حقيقة اجتماعية وسياسية، مقبولة بالفكر ومَِعيشة بالواقع، فإن هذا الاختلاف شأنه شأن أى اختلاف كان قابلاً للاستغلال، مُعَرَّضاً لكل ما تتأثَّر به قلوب البَشَر من نوازع تجيء بها تَقَلُّبات الأيام.

وذلك الاستغلال وَقَعَ فِعلاً فى فتراتٍ من التاريخ تَعَرَّضَت مصر فيها لحَمَلات الغَزو، ولمحاولات الاختراق، ولتَرَبُّص الأغراض والمَطامِع خصوصاً عندما كان ذلك يتَوافَق مع عوامل التراجع والانحطاط، فتلك بالطبيعة فاتحة الثغرات ومُحَرِّضة الأهواء.

وكان الذى يحدث فى تلك الفترات أن الاختلاف فى الدين وهو موجود فى كل الأحوال، وغير مرئى مثل خطوط الطول والعرض على كوكب الأرض مع أنها تَدُلُّ على اختلاف مناطق الزَّمَن وتَبايُن مواسم الطبيعة يجرى التركيز عليه.

وهكذا فإن الخط غير المرئى (فى ظروف العافية) يَتَحَوَّل بإثارة الحساسيات حوله إلى علامة ظاهرة أشبه ما تكون بخيط أو شَعرة.

ثم يزداد الضغط على مواقع الحساسيات، وتَتَحَوَّل العلامة (خيطاً أو شعرة) إلى مساحةٍ واضحةٍ تُباعِد بين ناحيتين.

وتبلغ الأحمال والأثقال مَداها، ويَتَحَوَّل الفاصل إلى خَط، ويَتَحَوَّل الخَطُّ إلى شَرخ، ثم إلى فلق، ثم إلى ما يُشبِه الكَسْر!

ثم يَتَنَبَّه الكل إلى أن الفِتْنَة استيقظت، ويكتشف الكل قبل أن يفوت الأوان أحياناً بشبه معجزة أنهم تَخَطّوا حدود الأمان!

وفى العادة «تَتَنَبَّه رئاسة الدولة فى مصر» لأنها المسئولة عن تَماسُكِ الوَطَن وعلى أرضه ديانتان (بينهما خَطٌّ غير مرئى فى ظروف العافية) بمقدار ما أنها المسئولة عن النهر الواحد تَتَدَفَّق مياهه إلى أراضيها قادمة من وراء حدودها مع أنه بذاته كل حياتها.

وفى هذه الظروف تحتاج الأمور إلى إرادة الفِعل المُتَمَثِّلة فى سُلطَةِ السيادة، وهى المُتَجَسِّدة بالدرجة الأولى فى رئاسة الدولة.

والواقع أنه حين تظهر بوادر الفِتنة، ناشئة من اختلاف العقائد، مع وجود رغبة أو تصميم على استغلالها من الخارج أو حتى من الداخل، فإن الوَطَن أى وَطَن، وليس الوَطَن المصرى وحده يَجِد نفسه أمام ظرفٍ لا يصلح فيه منطق الحوار لأن العقائد بطبيعتها مُتَعَلِّقة بالإيمان، وما يتصل بها مشبوب بالعواطف، وطول الأخذ والرد يحرك فى القلوب ما تصعب السيطرة عليه.

ومن ناحية أخرى فإن العقائد لا دخل لها بما يمكن أن يقال فى قضايا غيرها عن ديمقراطية الحوار، ففى مجال الدين لاتوجد أقلية أو أغلبية تحصى بها الأصوات فى نهاية المطاف ولحسم الأمور بحيث تخضع أقلية لرأى أغلبية، أو تواصل الأقلية عرض حججها كى تَتَحَوَّل هى يوماً إلى أغلبية. مثل ذلك كله فى غير محله، وخارج السياق.

وكذلك تنشأ الحاجة إلى سُلطة الدولة العليا، مع ملاحظة أن المَطلَبَ الديمقراطى فى أى سياسة هنا يَسْتَمِدُّ قُوَّتَه من شرعية السُلطة وليس من ممارسة شَعائِر الديمقراطية (على فرض وجودها!).

يضاف إلى ذلك أن شعائر الديمقراطية ربما ربما تكون لها فرصة قبل أن تُطِلَّ الفِتنة. لكن كل هذه الشعائر تصبح عبئاً حتى على روح الديمقراطية وما تكفله من الحقوق إذا أطَلَّت الفِتنة.

وذلك شىء من نوع ما يحدث فى ظروف الحرب: شعائر الديمقراطية تسبق السلاح، فإذا كانت إدارة الحرب موكولة إلى إدارة شرعية حَقَّ لها أن تدير شئون الحرب دون أن تتعطل أو تنتظر.

فى الفِتَنِ شىء قريب الشَّبَه بذلك خصوصاً فى مَجال العقائد وهى فى بعض الأحيان براكين نار وهنا وكما يحدث فى الحرب فإن الإدارة لا بد أن يَقَعَ تكليفها على قيادة شرعية تَتَصَرَّف بالمسئولية قبل أن تَتَصَرَّف براكين النار وهى غير مسئولة.

والشاهد أنه فى الأزمنة الحديثة فإن صناعة الفِتَن إلى جانب عوامل الفِتَن لم تَعُد عود ثِقاب يُلقى بالمصادفة أو بالعمد على حَطَب، وإنما صناعة الفِتَن تَحَوَّلَت إلى «هندسة» بمعنى الكلمة!:

الخط الافتراضى (مثل خطوط الطول والعرض) يمكن هندَسَته ليُصبِح مسافةً وفاصِلاً (خيطاً أو شَعرة).
والفاصل (خيطاً أو شَعرة) يمكن هندَسَته ليَتَحَوَّل إلى خطٍّ، إلى شَرخٍ، إلى فَلْقٍ، إلى كَسْر.

وطول الجدل إلى حَدِّ الصخب، وتبادل الاتهامات وتوزيع المسئوليات فى حوادث متصلة بالعقائد، قادرٌ لوحده أن يُحَوِّل «خَطّاً غير مرئى» إلى «أخدود عميق بلا قرار» ، وأن يُحَرِّك من المشاعر والغرائز ما يجعل الوَهْمَ نفسه يَتَجَسَّد قضية حياة ومَوْت.

ولقد كان زَمَنُ الحرب الباردة جامعة كبرى تَعَلَّمَت فيها القوى «هندَسَة» الفِتَن، وأكثر من ذلك فإن البراعة فى «الهندَسَة» وَصَلَت أحياناً إلى إعادة «هندَسَة الماضى» وإعادة تركيب تاريخ المُجتمعات بما يوافق مقاصد الأقوياء!.

(2)
خطة كردينال ملكى

<<
مَسار التاريخ بلا نهاية، وعصوره ووقائعه سَيْلٌ مُتَدَفِّقٌ طوال الوقت، هادئٌ أحياناً، هائجٌ فى معظم الأحيان، لكنه فيما يتعلق بهذا الحديث فإن النصف الثانى من القرن التاسِع عَشَر رأى مشاهد بالغة الأهمية فيما يتعلق بمصر، خصوصاً فيما يتصل بجوار ديانَتَيْن على أرض وَطَن واحد.

فى ذلك النصف الثانى من القرن التاسع عَشَر كانت مصر موضوع سباق إمبراطورى هائل : اقتصادى، عسكرى، سياسى، وثقافى أيضاً، لأن الثقافى وفيه العقائد قابل لأن يَتَحَوَّل بالمُعالجة وإعادة التشكيل إلى مصالح لها مكاسبها ومغانمها!

وفى المجال الإمبراطورى (اقتصادى عسكرى سياسى) كان السباق بين قوتين: بريطانيا وفرنسا وفى حقيقة الأمر فإن السباق بينهما نحو مصر مَلأ مساحة القرن تقريباً، من حَملة «نابليون» إلى حَملة «فريزر»، ثم جاءَت وَقفة لتخفيف حرارة السباق اتفقت فيها القوتان على سيطرة مُشتَرَكة فى عصر «إسماعيل»، ثم انقَضَّت بريطانيا وانفَرَدَت بالغنيمة واحتَلَّت مصر بحملة «ولسلى» سنة 1882.

وبطبيعة شبكة العلاقات بين القوتين فإن ما هو ثقافى فى المجال الإمبراطورى كان مُحَرِّكاً إلى الاهتمام أو ادعاء الاهتمام بالإسلام والمسلمين، وذلك بحُكْمِ نفوذ بريطانيا شرق وغرب الهند حتى أودية الفرات والنيل، وبحُكْمِ نفوذ فرنسا عبر الشواطئ إلى شمال أفريقيا وسواحل الشام.

وهذا السباق بين إمبراطوريتين تَرَكَ الباب مفتوحاً لقوى أخرى ولعله أغراها بأن تحاول التَدَخُّل أو التَسَلُّل إلى الميدان الثقافى، ولكن عن غير طريق الإسلام والمسلمين، بتحديد أكثر عن طريق المسيحية والمسيحيين من كل المذاهب، بما فيهم الأقباط الأرثوذكس فى مصر.

وكان هناك ثلاثة وافدين جُدُد رأوا الباب المفتوح وتقدموا يُجَرِّبون حظوظهم، الوافد الأول هو الولايات المتحدة الأمريكية، الإمبراطورية الجديدة القادمة على أول الطريق والثانى هو الكنيسة الأرثوذكسية الكبرى للإمبراطورية الروسية، وهى إمبراطورية وصلت إلى آخر الطريق وكانت وقتها تُجاهِد السقوط وتبحث عن وسائل لتفاديه وأخيراً الكنيسة الكاثوليكية فى الفاتيكان، وهى بدورها قوة إمبراطورية بلا حدود حتى وإن كانت لا تملك سلاحاً أو اقتصاداً مُسَيْطِراً أو مُستَعمَرات خاضِعة.

وجَرَّبَ الثلاثة فى مصر المسيحية ولم يَصِلوا جميعاً إلى نتيجة تُذكَر.

جَرَّبَت الولايات المتحدة عن طريق بعثات التبشير، وكانت خطوتها «الرسولية» أو «الإرسالية» وفق التسمية التى جرى اعتمادها تواضعاً هى العمل على تحويل أقباط مصر من الأرثوذكسية إلى البروتستانتية، وتَوافَد المُبَشِّرون الأمريكان، أو تحت الرعاية الأمريكية، إلى القاهرة، ومنها نَقَلوا نشاطهم إلى صعيد مصر بعيداً عن العين الساهرة للكنيسة القبطية المصرية وبَطرَكِها العنيد «ديمتريوس» الثانى.

وتَصَوَّرَت الإمبراطورية الروسية أن تدخل من الباب بإذن رسمى، فذَهَبَ قُنصُل روسيا العام فى مصر إلى مقابلة البطرك الذى خَلَفَ «ديمتريوس» وهو البطرك «كيرُلُّس» الخامس يهمس فى أذُنِه بأنه «إزاء كل هذا الطَّمَع فى مصر فإن الأقباط الأرثوذكس فيها لا ملجأ لهم غير قيصر روسيا وهو حامى العقيدة الصحيحة». ورَدَّ البطرك المصرى بذكاء الفِطرة فسأل القُنصُل الروسى: «ومَن يحمى القيصر؟» وجاء الرَدُّ: «يحميه الله» وكان البطرك جاهِزاً فقال: «وهو أيضاً يحمينا»، ثم أضاف عبارته المشهورة: «القَيْصَر يموت وأنا أيضاً.. ولا يحتاج مَيِّت إلى حماية مَيِّت، وإنما يحتاج الكل إلى حماية من لا يموت».

وأما الفاتيكان فى روما فقد كانت محاولته قصيرة العُمْر، فما إن جاءت الرسالة الأولى من البابا الكاثوليكى إلى البطرك المصرى حتى كان الرَدُّ عليها: «منذ متى تَهْتَمُّ الكنيسة الرومانية فى الغرب بأحوال المسيحيين فى الشرق، وهى التى كانت تعتبرهم طول العُمر هراطقة مُرتَدّين»!

وعندما دَخَلَت مصر إلى القرن العشرين استَوقفها سؤال هوية تاريخى كان لا بد أن تَرُدَّ عليه، ذلك أن تطورات القرن السابق (التاسع عشر) وقد انتهت بالاحتلال البريطانى لها سنة 1882، طَرَحَت عليها ذلك السؤال الحيوى، وكان عليها أن تَرُدَّ، ثم تُقاتِل إذا اقتضى الأمر دفاعاً عن اختيارها.

وكان المطروح على مصر ثلاثة خيارات:
1
مقاومة الاحتلال البريطانى لطلب الاستقلال وإقامة دولة ذات سيادة من نوع ما عرفته أوروبا فى أعقاب الثورة الفرنسية وليس هناك ما يمنع هذه الدولة ذات السيادة من التعاون بصفة مميزة مع الإمبراطورية البريطانية (صديق قوى يقدر فى رأيهم على مساعدتها وكان من أنصار هذا الرأى الشيخ «محمد عبده» ومدرسته).

2
مقاومة الاحتلال البريطانى بقصد العودة إلى الخلافة العثمانية وهى الإطار الجامع للشعوب الإسلامية باعتبار أن ذلك مكان مصر الصحيح، ثم إنه الموقع الذى كانت فيه فعلاً قبل الغَزْوِ البريطانى، وكان أهلها فى حماه رَعِيَّة عثمانية (وأنصار هذا الخيار يرون أن مطلب مقاومة الاحتلال البريطانى يحتاج أيضاً إلى قوة أكبر من قوة مصر الذاتية، والحَلُّ هو الباب العالى وكان من أنصار هذا الرأى «مصطفى كامل» وحزبه).
3
مقاومة الاحتلال البريطانى والإصغاء جيداً إلى دعوة قومية جديدة تُعطى للعَرَب بوِحدَة الثقافة وتَواصُل الجغرافيا وامتداد التاريخ خصوصية الأمة فى المحيط الحضارى الإسلامى الأوسع.

(
وكان هذا الخيار نداءً بعيداً خافت الصوت لا تساعده قُوَّة إمبراطورية، ولا نداء خلافة قادرة أو عاجزة وليس له بَعد نصير قوى له صوت يمكن سماعه!).

وكذلك كان مَطلَبُ مقاومة الاحتلال مُتَّفَقاً عليه.
وأما سؤال الهَوِيَّة فقد كان مَوْضِعَ اجتهادات مُتعارِضة.

سؤال الهَوِيَّة كان أشَدَّ صعوبة بالنسبة للأقباط فى مصر أكثر مما كان بالنسبة للمُسْلِمين، ولعلهم كانوا أقرب إلى الخيار الأول وهو خيار الاستقلال، لكن الهواجس ساورتهم من واقع أنهم كانوا منذ دخول الإسلام فى ذِمَّة الوالى أو الأمير أو الخليفة.

وبصرف النظر عن رواسِب كثيرة فقد عرفوا «وَضْع أهل الذمة» وتَعامَلوا معه وخبروه لكن الاستقلال حالة مُسْتَجَدَّة، فالفرد فى الدولة المستقلة «مواطن»، و«المواطنة» مفهومٌ مُسْتَجَدٌّ يَحِلُّ محَلَّ مفهوم طالت العهود عليه، وهو وضع «الرَعِيَّة» للفرعون، أو القيصر، أو الخليفة، أو السلطان، أو المَمْلوك، أو الأمير وهذا المفهوم المُسْتَجَدُّ للمواطَنة سوف يأخذ وقتاً طويلاً حتى تثبت جذوره، وإلى أن يتأكد ذلك فالقلق وارد.

وبالتداعى من ذلك كان هناك محظور رآه بعض العُقَلاء من أقباط مصر، ذلك أن خيار الاستقلال مع علاقة مُتَمَيِّزة ببريطانيا (وفق الخيار الأول) سوف يَضَع أقباط مصر أمام مَأزَقٍ مُحتَمَلٍ خصوصاً إذا لم يستطع مفهوم «المواطَنة» أن يُؤَكِّد قِيَمَه وقواعِدَه ذلك أنهم فى هذه الحالة سوف يجدون أنفسهم بواقع الحال أو بضرورته أقرب إلى القوة الدولية ذات العلاقة المُتَمَيِّزة مع مصر المُسْتَقِلَّة، وهى بريطانيا.

وفى بعض الأحيان فإن هذا الخيار رغم محاذيره تَبَدّى أدعى إلى السلامة من العودة إلى الخلافة العثمانية (الإسلامية) ثم إنه كان أكثر تحديداً من خيارٍ عَرَبىٍّ ما زال بعيداً لكنه يحمل هو الآخر بالحقائق الحضارية مُحتَوى «إسلامياً» تظهر لمساته ولو من بعيد!

وكان التَّخَوُّف وهو مُبَرَّر أن تكون من هذين الخيارين عَوْدة بالعلاقات بين المُسْلِمين والمسيحيين إلى «عهود الذِمَّة» بحكم الولاية بدلاً من «حقوق المُواطَنة» فى الدولة الحديثة.

ثم بقى سؤال الهَوِيَّة فى مصر مُعَلَّقاً وحائراً حتى جاءت ثورة سنة 1919 فأخَذَت بخيار الدولة الوَطَنِيَّة المُسْتَقِلَّة، وكان نجاحها الأعظم هو تَبَنِّيها لمبدأ «المُواطَنة» من واقع أنه وَطَنٌ واحد يتعايش على أرضه دينان، ومن الإنصاف أن يقال إن نقطة التَحَوُّل فى هذا التَوَجُّه جاءت من قيادات قبطية.

فقد حَدَثَ فى بداية الثورة أن وفداً تَشَكَّلَ لمقابلة المندوب السامى البريطانى لإبلاغه بمطالب وطنية على رأسها مطلب الاستقلال. ثم تَحَوَّلَ الوفد إلى حزب حمل نفس الاسم وهو «الوفد» ، تعبيراً عن أن المطالبة بالاستقلال ما زالت مُسْتَمِرَّة.

ولم يكن «الوفد» يضم بين أعضائه حتى هذه اللحظة أقباطاً، وهنا ذَهَبَ عَدَدٌ من أقطابهم إلى «سعد زغلول» (باشا) الذى بَرَزَ كزعيم لا ينازع للوفد المصرى يسألونه : «إذا كان مبدأ استقلال الشعب المصرى هو المطلوب فكيف يجوز تشكيل الوفد المصرى المُطالِب به دون أقباط مصر؟».
وكانت تلك علامة فارقة فى مسار الحَرَكة الوَطَنِيَّة المصرية.

وبعد دخول أقباط مصر من باب «الوفد» بالدرجة الأولى إلى المشاركة السياسية فى تجربة الدولة الجديدة تحت مفهوم «المُواطَنة» (بدلاً من مفهوم «الرَعِيَّة») فقد كان يمكن أن تنتكس التجربة كلها لسببين:
أولهما، أن المَلِك «فؤاد» راح يَتَطَلَّع إلى إرث الخلافة الإسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية وقد استطاع المَلِك دون عناء كبير أن يُجَنِّدَ الأزهر لمطلبه،

وبالتالى فإن العِباءة الإسلامية جرى استعمالها سياسياً بأكثر من اللازم، وكان مطلوباً منها أن تكون غطاءً لأحلام مَلَكِيَّة لا أمَلَ لها فى الحالة الإسلامية وقتها، بل ولا أمَلَ لها فى عُصورٍ جديدة لا يملك فيها رئيس دولة واحد أن يَضَعَ على رأسه عمامة الإسلام (والإسلام لا يعرف التيجان).

لكن عباءة الخِلافة كان فى مقدورها أن تمتلئ برياح الأوهام ومن ثم تظهر للناظرين إليها أوسع من حقيقتها!
وأما السبب الثانى فهو أن أحزاب الأقلية (الأحرار الدستوريين فى ذلك الوقت) وقد نَشَأت بالخروج على «الوفد»، لم تَجِد لها فى الشعب المصرى نصيراً يعطيها شرعية تُغَطّيها وكذلك فإنها لم تلبث أن احتَمَت بالعرش تستعمله للوصول إلى الحكم أو يستعملها فى طموحات وأغراض المَلِك «فؤاد» فى الخلافة.

ومع أنه كان بين «الأحرار الدستوريين» من عارَضَ المَلِك «فؤاد» فى مطلب خلافة المُسْلِمين فإن الحزب نفسه، وغيره من أحزاب الأقلية، لم تجد فى عدائها ل«الوفد» دعوى تقدم بها نفسها إلى الشارع المصرى غير دعوى الوجود القبطى الظاهر فى قيادة «الوفد». وهكذا كانت أحزاب الأقلية التى أسَّسَت دعاواها على وَعد الديمقراطية هى التى قبعت فى الخندق المَلَكى يحميها من نتائج وعدها!

وكذلك لم يَعُد أمام أحزاب الأقلية التى تراجَعَت عن دعوى الديمقراطية إلا أن تَشْتَدَّ فى تظاهرها بادعاء الغيرة على الإسلام مُسْتَغِلَّةً ظهور الأقباط فى «الوفد» ، ومُرَكِّزَة على هذا الظهور، وكانت تلك مأساة كبرى لأن بعضاً من أكثر العناصر فى مصر استنارة لم يجد سبيلاً إلى مقاومة «الوفد» غير «تحريض إسلامى يَسْتَثير الشكوك» ضِدَّ مسيحية قبطية «وَجَدَت المكان الأكثر ملاءمَةً لها فى حِزب الأغلبية»!

وعندما بدأ تراجع «الوفد» حتى فى حياة «سعد زغلول» (باشا) بعد قبوله بالإنذار البريطانى الذى تلقته مصر عقب اغتيال السير «لى ستاك» سردار الجيش المصرى وقائد القوات فى السودان فإن ذلك القبول بالإنذار أحدث آثاره رغم أن «سعد زغلول» تَرَكَ مطالب هذا الإنذار يُنَفِّذها غيره وإن برضاه وتحت حمايته.

وفى هذه اللحظة كان يمكن أن يكون ضَعفُ «الوفد» (وتهالك خصومه رغم استنارة بعضهم) حَدَثاً يُؤَثِّر على الوعاء الأكبر للوَطَنِيَّة المصرية الجامعة لولا بروز شخصية «مكرم عبيد» بدوره الكبير فى «الوفد» وفى الحياة السياسية المصرية بعموم.

والحقيقة أن «مكرم عبيد» أخَذَ أقلَّ مما يستحق فى الاعتراف بدَوْرِه فى تمتين رابطة الوطنية المصرية (وفى صميمها فكرة «المُواطَنة») من حيث إنه المسيحى القبطى المتمثل لروح الحضارة العربية (وهى إسلامية) الذى استطاع لسنوات طويلة من أواخر العشرينيات وطوال الثلاثينيات وحتى بداية الأربعينيات أن يجعل من نفسه ومن دَوْرِه رَمزاً بالِغ الأهمية فى الحياة السياسية المصرية.

كان «مصطفى النحاس» هو زعيم «الوفد»، لكن قيادة «الوفد» الفعلية كانت ل«مكرم عبيد»، وفى حين أن «مصطفى النحاس» كان يُلَقَّب فى قاموس «الوفد» ب«الزعيم الجليل»، فإن «مكرم عبيد» كان يُلَقَّب ب«المُجاهِد الكبير» ، وكان الرجل يستحق هذا الوصف من ناحية فكرية بَحتَة، حتى قبل الناحية السياسية الأوسع، وكان ذلك حتى باللا وَعى تجسيداً حَيّاً لتجاوُر دينين على أرض وَطَنٍ واحد فى ظروف لم يَتَرَسَّخ فيها بعد مفهوم الوطنية، ولم يتأكد فيها بعد معنى المُواطَنة.

كان وجود «مكرم عبيد» على قِمَّة «الوفد» فى حَدِّ ذاته يغنى عن اجتهادات كثيرة تثير بالطبيعة أسباباً للاختلاف.

وكان الأمَل أن يَظَلَّ الرمز قائماً بدَوْرِه ريثما تَتَمَكَّن المفاهيم والمعانى من مَدِّ وتَعميق جذورها.
لكن أحوال السياسة، وأهواء البَشَر، وضغوط ظروف دولية طاغية تكاتَفَت كلها لمحاصرة الحلم الوطنى المصرى، ولم يكن هذا الحلم لسوء الحظ قادراً على مواجهتها.

وكان «مكرم عبيد» رمزاً ودَوْراً ضمن قائمة الضحايا فى أزمة الحلم الوَطَنى المصرى.

كان «مكرم عبيد»، وهو الشخصية النافذة فى «الوفد» قد بدأ يحس بما طَرَأ على الحزب بعد زواج زعيمه «مصطفى النحاس» وهو فى الخامسة والخمسين من عمره بفتاةٍ شابة جميلة فى العشرين من عمرها. عند إتمام الزواج، وفى أبسط الأحوال وأهْوَنِها فإن «مكرم عبيد» (مع أنه أكثر الساعين فى زواج «النحاس» (باشا) وفى اختياره لشريكة لحياته) بدأ يحس أن هناك تأثيراً منافِساً له على وقت «الزعيم» واهتماماته، وكذلك فكره ! ومع تزايُد «سلطان البيت» فإن «سلطان الحزب» راح يتناقص، و«مكرم عبيد» بواقع الحال أول من يحس بالتغيير.

وفى ظروف الحرب العالمية الثانية (التى بدأت سنة 1939) فإن الأحوال الاجتماعية فى مصر شهدت دخول عناصر كثيرة وافدة بوسائلها على ساحة التأثير والنفوذ، والسياسة كذلك.

وعندما عادَ «الوفد» إلى الحكم فى حادث 4 فبراير 1942 فقد كانت عودته مأساوية، ذلك أن «الوفد» عاد نتيجة لتَدَخُّل السفير البريطانى بحصار قصر «عابدين» واقتحامه، بفصيل دبابات، وإبلاغ المَلِك «فاروق» أنه «إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة مساءً بأن النحاس باشا قد دُعِيَ لتشكيل الوزارة فإن المَلِك فاروق يَتَحَمَّل تبعة ما يَحدُث». وكان على المَلِك «فاروق» أن يُوَقِّعَ بقبول الإنذار أو يتنازل عن العرش، وقد وَضَعَ المَلِك توقيعه على الإنذار بيَدٍ مُرتَعِشة، ثم جاء «الوفد» وهو من الناحية الفعلية مُمَثِّل الأغلبية الشرعية إلى الحكم ولكن بقُوَّة الدَبّابات البريطانية، وكانت تلك هى المأساة.

ولم يكن «مكرم عبيد» سعيداً بما جرى على النحو الذى جرى به كما لم يكن سعيداً بما طَرَأ على محيط «النحاس» (باشا) سواء بظروف زواجه مع تفاوت الأعمار، أو بالعناصر الاجتماعية المُسْتَجَدَّة مع أجواء الحرب على الحياة الخاصة لزعيم «الوفد».

وكان المَلِك «فاروق» الذى قَبِلَ الإنذار البريطانى مُرغَماً يشعر بالمهانة، ولم يكن له عزاء إلا ثِقَته فى أن رئيس ديوانه «أحمد محمد حسنين» (باشا) يُرَتِّب له خُطَّة تُعيدُ إليه حَقَّهُ وتُمَكِّنُه من خُصومِه وكان أسوأ هؤلاء الخصوم فى نَظَرِه «مصطفى النحاس» الذى لم يَكتَفِ بعَداءٍ قديمٍ مع القصر من عَهْدِ والده وعَهْدِه (وكان «النحاس» فيه على حَقٍّ) وإنما أضيف إلى ذلك قبول «النحاس» بتأليف الوزارة من يَدِ (ماسورة) مَدفَع على ظهر دَبّابة بريطانية تَحَدِّياً للمَلِك ومُشارَكَة فى تَحقيرِه أمام شعبه وجيشه، وإذلاله حتى أمام نفسه وداخل قصره!

وبالفعل فإن «أحمد محمد حسنين» (باشا) وَضَعَ خُطَّة انتقام للمَلِك قَلَّدَ فيها عُصور الكرادلة (من «ريشليو» إلى «ماتزينى») وكلهم وقفوا وراء مُلوكٍ فى الصِبا، وقاموا بالوصاية عليهم، وعشقوا أمهاتهم(!)، وحاكوا الدسائس والمُؤامرات فى تصفية خُصومِ العرش (أو خُصوم الكرادلة بمعنى أصح!).

وكانت خُطَّة الكردينال «أحمد محمد حسنين» انتقاماً لكرامة المَلِك الصَبِى (الذى قام بنَوْعٍ من الوصاية عليه تحت وصف أنه رائده، وتَزَوَّجَ أُمَّه سِرّاً كما فَعَل الكردينال «ماتزينى» مع «كاترين دى مِديتشى» والِدة مَلِك فرنسا القاصِر «لويس» الثالث عشر) خطة طويلة ومعقدة والبنود الرئيسية فيها كما يلى:
1
العَمَل على إنهاء خدمة اللورد «كيلرن» السفير البريطانى (الذى قَدَّمَ الإنذار) فى مصر كى لا يَظَلَّ وجوده فيها تَذكِرة للمَلِك بلَحظة هَوانه وهو يريد أن ينساها!

2
القَصاص ! من «مصطفى النحاس» الذى فُرِضَ عليه قهراً، والأفضل أن يكون القصاص تصفية جَسَدِيَّة لرئيس «الوفد» ورَمياً بالرصاص (وبالفعل جَرَت أكثر من محاولة لاغتيال «النحاس» (باشا) قام بها ضباط من تنظيم الحَرَس الحديدى الذى أنشأه المَلِك أداة لإرهاب خصومه!).

3
إنزال العِقاب بكل من ساعَدَ فى توثيق العلاقات بين السفارة البريطانية وزعيم «الوفد»، وأول هؤلاء «أمين عثمان» (وبالفعل فقد تم اغتيال «أمين عثمان» بتوجيهٍ ورعايةٍ من القصر، وبأسلحة ضباط الحَرَس الحديدي).

4
وهذا هو البَندُ الأهَمُّ كسر «الوفد» كحزب والتركيز بالتحديد على «مكرم عبيد» سكرتيره العام باستغلال ما طرأ على مشاعره الداخلية فى السنوات الأخيرة، سواء من إحساسه ببُعدِ «مصطفى النحاس» عنه وعن الحزب أو من ضيقِه بمأزق عَوْدَة «الوفد» إلى الحُكمِ نتيجة إنذارٍ بريطانى.

وكان نجاح الكردينال «أحمد محمد حسنين» فى بَنْدِ كَسْر «الوفد» بالتركيز على سكرتيره العام كبيراً، فقد كان «مكرم عبيد» حتى من قبل فبراير سنة 1942 مُتَأزِّماً، ثم زادته الظروف التى رافقت عودة الحزب إلى الحكم تأزُّماً، لأن تكالُبَ العائدين إلى السُلطة بدا له مزعجاً وخصوصاً أن هذا التكالُب كان يَجِد له سنداً داخل دوائر مُؤَثِّرة فى الحزب أو عليه بل إن هذا التكالب وَجَدَ منطِقاً يغطيه بادِّعاء أن البُعدَ عن السُلطة سنوات جَعَلَ الحلوق شديدة الجفاف بقسوة الظمأ!

كان حلم كسر «الوفد» مشروعاً سياسياً دائماً للقصر. وقد تَصَوَّرَ السلطان «فؤاد» عندما انشَقَّ الأحرار الدستوريون أن خروجهم بالجملة من الحزب وأقطابهم صفوة أساطينه أنها نهاية «الوفد» ، ثم تَبَيَّن أن الرمز السياسى فى مصر كان وسوف يَظَل مَعبوداً لا يُطال إلى درجة أن مُدُن مصر وقراها سمعت ورَدَّدَت نداءً يقول إن «الاحتلال على يَدِ سعد ولا الاستقلال على يَدِ عدلى» (يَكَن)، ثم شعاراً ثانياً يقول «إنه لو رَشَّحَ الوفد حَجَراً لانتَخَبناه» أى أنه «سعد زغلول» بذاته وصفاته وليس غيره مهما كان من مَزاياه، ثم تَبَيَّن أيضاً أن «سعد زغلول» قادرٌ بشعاراته على سحق منافسيه حتى بالتخوين، وكذلك تَرَدَّدَت أحكام قاسية بالإعدام السياسى من نوع وصف مفاوضات غير «الوفد» مع الإنجليز بأنها «جورج الخامس يُفاوض جورج الخامس (مَلِك إنجلترا)» ، ثم إن كل هؤلاء الذين انشقوا عن «الوفد» هم : «برادع الإنجليز».

وقد تمكنت هذه الشعارات فى الحياة السياسية المصرية، وأدَّت إلى عملية استقطاب حاد كان «الوفد» خلالها فى الموقع الأعلى، وكان خصومه فى الموقف الأدنى.

وتَكَرَّرَت عملية الانشقاق على «الوفد»، والقصر يراهن كل مرة ويخسر الرهان، بما فى ذلك الرهان المُهِم على «محمود فهمى النقراشى» (باشا) و«أحمد ماهر» (باشا)، وقد بدا ذلك انشقاقاً حاسماً، أصحابه هُم وقتها أغلبية النخبة فى صفوف القيادة الوفدية العليا، ثم إن «النقراشى» و «ماهر» كانا الأقرب إلى «بيت الأمة» والأحب إلى السيدة «صفية زغلول» ، وقد اختارا لحزبهما الجديد الذى قام بالانشقاق اسم «السعديين» ، ولم يكن هناك فى رأيهما دليلٌ على العودة إلى شرعية الأصول أكثر من استعادة اسم «الزعيم خالد الذِكر» عنواناً لحزبهما الجديد.

وعندما راهَن «أحمد حسنين» (باشا) ضمن سياسة الانتقام للمَلِك «فاروق» من خصومه واستقرَّ رهانه على كسر «الوفد» بانتزاع «مكرم عبيد» نفسه من صفوفه فإن الرهان بدا جدياً وشبه موثوق بنتائجه لأسباب موضوعية ولأسباب ذاتية.

ومن الناحية الموضوعية فإن «الوفد» سنة 1942 لم يَعُد ذلك «الوفد» الذى ملأ الساحة المصرية فى بداية العشرينيات من القرن، فالحزب لم يستطع أن يقدم شيئاً فى قضية الاستقلال سوى أنه رَفَعَ عَلَمها ورَدَّدَ شعارها، وكان هو الذى عاد بعد وصف دستور سنة 1923 بأنه دستور الأشقياء إلى اعتبار هذا الدستور نصاً مقدساً، وكان هو حتى فى حياة «سعد زغلول» الذى قبل بالإنذار البريطانى بإخلاء السودان، وأخيراً وبعد عناء طويل فإن «مصطفى النحاس» خليفة «سعد» كان هو الذى وَضَعَ توقيعه على معاهدة سنة 1936، وهى وثيقة لا تختلف كثيراً عما تَوَصَّلَ إليه غير الوفديين فى مفاوضاتهم مع الإنجليز.

ثم جاءت الورطة الكبرى بحادث 4 فبراير 1942، ومع أن «النحاس» من الناحية النظرية كان زعيماً لحزب يمثل الأغلبية ما زال، وهو مقصى عن الحكم بتَعَسُّفٍ مَلَكى إلا أن ملابسات عودته إلى حقه الدستورى كانت «عورة» لا سبيل إلى تغطيتها، وقد بَدَت العورة فاضحة عندما حُمِلَ السفير البريطانى على أعناق الوفديين حين ذَهَبَ إلى مَقَرِّ مجلس الوزراء غداة تشكيل الوزارة ليهنئ رئيسها «مصطفى النحاس».

وكانت صورة اللورد «كيلرن» محمولاً على الأعناق وصوت متظاهرين يهتفون له إشهاراً للفضيحة أكثر من تغطية عليها!
وإذن هكذا جَرَت حسابات «أحمد حسنين» (باشا) فإن «الوفد» سنة 1942 ليس هو «الوفد» سنة 1920 وبعدها.
وأما الأسباب الذاتية التى تخص «مكرم عبيد» شخصياً، فأولها أن «المجاهد الكبير» عيارٌ آخر غير عيار كل من سبقوه إلى الخروج من «الوفد».

فهو بذاته روح «الوفد السياسى، ومدير شئونه الذكى، وصوته البليغ الناطق باستيعاب كامل للحضارة المصرية والعربية (ومحتواها الإسلامى)، وهو مُحَرِّك وجود «الوفد» وسط مواقع التأثير فى الحياة العامة وأهمها تلك الأيام حركة النقابات المهنية، ثم هو المثقف الواعى اجتماعياً والذى استطاع أن يقول للكل فى آخر ميزانية قدمها: «إننا حررنا المواطن المصرى من استغلال الأجنبى، وآن أن نحرر المواطن المصرى من الاستغلال المصرى».

وأخيراً وأهَم فى نظر «أحمد حسنين» (باشا) (وتلك من خطاياه غفر الله له) تقديره أن خروج «مكرم عبيد» سوف يضع الأقباط جميعاً أمام اختيارٍ صعب، فمكان «مكرم عبيد» حيوى فى «الوفد» ، ودوره الواسع مظلة فوق كثيرين، ووجوده فى حَدِّ ذاته ضمانة وعلامة على أن «الوفد» هو الباب المفتوح بوعى لواحدة من الحقائق التاريخية الكبرى فى مصر (شَعبٌ واحد ودينان).

وتَرَدَّدَ «مكرم عبيد» فى الشهور الأولى من سنة 1942، ثم غلبته هواجسه. وكان الرجل شأنه شأن كثير من المُثَقَّفين شخصية بالغة الحساسية، شديدة التَوَتُّر، سريعة التأثر ليس فقط بالوقائع ولكن حتى بالإشارات والتلميحات. وكذلك استطاع «أحمد حسنين» أن يحقق هدفه.

خرج «مكرم عبيد» من «الوفد» وخرج ومعه جمع كبير من أقطاب الحزب ولم يكن فى مقدور أحد أن يتجاهل حقيقة أن الخارجين بينهم عَدَدٌ مَلحوظٌ من كبار الأقباط.

ولم يخرج «مكرم عبيد» ساكتاً رغم قسوة الأحكام العرفية فى زمن الحرب، وإنما خرج ومعه سِجِلٌّ حافلٌ بما اعترض عليه من تصرفات زعامة «الوفد» ومحيطها سماه «الكتاب الأسود للعهد الأسود».

ومن المفارقات أن فصول الكتاب كانت تُسَلَّم فصلاً بعد فصل إلى مندوبٍ يمثل القصر، يحملها كى تُحفَظ فى خزينة «رئيس ديوان جلالة المَلِك» حتى يجىء أوان الطبع والتوزيع!

وكانت تلك فترة الحيرة الكبرى لأقباط مصر منذ بدأ انخراطهم فى الحياة السياسية المصرية الحديثة بعد تشكيل «الوفد».

والمزعج أن «أحمد حسنين» (باشا) لم يكن غافلاً عما يفعل، فقد كان وهو يشق «الوفد»، يُغامر أيضاً فى مجال العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

وفى تلك الأوقات وطبقا لشهادة «حسن يوسف» (باشا) وكيل الديوان المَلَكى، فإن حسابات رئيس الديوان «أحمد حسنين» (باشا) فى هذه النقطة الحساسة جرت فى السياق التالى:
إن خروج «مكرم» من «الوفد» سوف يؤدى إلى «كسر» تمثيله الشامل للأمة، وسوف يصل الأقباط فيه يوماً بعد يوم إلى الشعور بأنه لم يَعُد لهم مكان فيه.

وسوف يتأكد ذلك الشعور عندما يخرج أكبر عَدَد من قادة الأقباط من حزب «الوفد» لينضموا إلى «مكرم» ، وهذا سوف يجعلهم ويجعل مؤيديهم فى موقف معارضة ل «الوفد».

إن القصر المَلَكى أخطأ ذات مرة فى العشرينيات أيام المَلِك «فؤاد» حين تصور إمكانية حصوله على خلافة المسلمين، ومن ثم أبعد عنه الأقباط، وقد حان الوقت الآن كى يقوم «فاروق» بتصحيح خطأ «فؤاد» ويقرب الأقباط منه.

إن القصر سوف يكون فى مقدوره أن يرضى الأقباط، وإذا لم يستطع أن يضمن لهم فى المجال السياسى وظروفه أوضاعاً مناسبة، فإنه يستطيع تعويضهم عن ذلك بدفعهم أكثر فى المجال المالى، وكان هذا قطاعاً يستطيع القصر أن يصل إليه بحكم أن الوزارات تتغير وأما القصر فهو هناك طول الوقت، وذلك ما يريده المال : نصيراً موجوداً فى كل وقت.

(
والغريب أن تلك كانت إحدى المعالم الرئيسية فى سياسة «اللورد كرومر» غداة الاحتلال البريطانى لمصر، فقد كتب ينتقد الأقباط لعدم مجاراتهم للإمبراطورية البريطانية وهى مسيحية مثلهم، وكان رأى «كرومر» ترتيباً على ذلك أن الأقباط لايرجى لهم دور سياسى مُؤَثِّر فى مصر، والحل أنه يمكن تعويض ضعفهم السياسى بقوة مالية تؤدى إلى توازن يعطيهم نوعاً من التأثير السياسى حتى وإن كان صامتاً).

وفى النهاية فإن «مكرم عبيد» انشق عن «الوفد»، وكان «النحاس» (باشا)، بوصفه الحاكم العسكرى فى البلاد وقتها هو الذى أمَرَ باعتقاله بعد شهور من انشقاقه.

وكان ذلك بالفعل، وكما قَدَّرَ «أحمد حسنين»، أهَمَّ خروج من «الوفد»، فلم يكن الأمر مجرد شخص «مكرم عبيد»، وإنما كان هناك أيضا ما أصاب الرمز الذى ظَلَّ «مكرم عبيد» يمثله فى الحياة السياسية المصرية من العشرينيات إلى الأربعينيات.

والذى حَدَثَ أن «مكرم عبيد» أنشأ فيما بعد حزباً سماه حزب «الكتلة» (وكان المعنى الذى قصده واضحاً)، وكان المفروض أن يكون «الكتلة» بديل «الوفد» لكن ذلك لم يحدث، فلا الكتلة حلت محل «الوفد» ، ولا «الوفد» احتفظ ب «كتلة» ما كان يمثله. والحقيقة أن «الوفد» بعد ذلك الانشقاق الكبير وملابساته لم يُصبح بعدها نفس «الوفد» الذى كان قبلها.

والحاصل أن «مكرم عبيد» أصيب بعد انشقاقه واعتقاله، وحتى بعد تحرره من الاعتقال عندما أقيلت وزارة «الوفد» يوم 8 أكتوبر 1944 بنوع من الإحباط الشديد ظلت وطأته تزداد ثقلاً عليه حتى أصيب باكتئاب حاصره ثم عَصَرَهُ عَصراً!

والذى حدث أن «مكرم عبيد» خرج من الاعتقال يوم 9 أكتوبر 1944 ليجد مندوباً عن القصر يبلغه بأنه أصبح وزيراً للمالية فى وزارة «أحمد ماهر» الذى عهد إليه المَلِك بتشكيل الوزارة بعد إقالة «النحاس».

وربما أن «مكرم عبيد» راوده الإحساس بأنه أكبر من «أحمد ماهر» (سياسياً) وأجدر منه (نضالياً) فى إسقاط حكومة «الوفد» بحكم تأثير «الكتاب الأسود» ولعله تصور نفسه أحق برئاسة الوزارة، ومع ذلك فإن الرجل كَتَمَ مشاعره بظَنِّ أو وَهْم أن الفرصة لم تضع بعد، وهكذا وقف على سلم وزارة المالية فى لاظوغلى وقد احتشد أمامه ألوف من الناس جاءوا إليه ولم يذهبوا إلى غيره من رجال العهد الجديد ليلقى فيهم خطابه الشهير الذى بدأه بقوله : «سبحانك اللهم جئت بى من باطن الأرض سجيناً ووضعتنى على خزائن الوَطَن أميناً».
ثم توالت شعاراته تُحَرِّك الناس وتهز وجدانهم من قوله «فلنجعل من ماضينا قاضينا» ، و «انقضوا أو انفضوا»... إلى آخره.

ودَخَل «مكرم عبيد» بحزب «الكتلة» إلى انتخابات سنة 1945، ومع أنه كان هناك اتفاق بين الأحزاب التى شاركت فيها على توزيع المقاعد النيابية درءاً لأسباب الفرقة بين أطراف التحالف المناهض ل «الوفد» فإن «مكرم عبيد» ما لبث أن شعر بأن حزبه يَتَعَرَّض عَمْداً للتحجيم وأحياناً بوسائل «التزوير»، ولم يتحمل «مكرم عبيد» أن يجد نفسه شريكاً صغيراً فى ائتلافٍ يعلم هو أكثر من غيره أنه «مصنوع»، ثم إن كل ما يسنده هو رغبة القصر.

وفى هذه الفترة قام «مكرم عبيد» بدور نشيط فى السياسة العربية، وفى حين أن غيره من الساسة الأقباط ساورتهم شكوك خفيفة أو ثقيلة فى مسألة انتماء مصر العربى، فإن «مكرم عبيد» كان يملك من سِعة الرؤية وبُعد النظر ما جعله يدرك الضرورة القومية حين طرحت نفسها، حتى عندما وَقَّعَ «مصطفى النحاس» (باشا) ميثاق إنشاء الجامعة العربية وكان «مكرم عبيد» فى المعتقل.

ثم شارك «مكرم عبيد» فى لقاءات ومؤتمرات، وكان هو قبل فلاسفة حزب «البعث» (فى الشام) مَن رأى مُبَكِّراً أن الإسلام ليس ديناً فقط وإنما هو مُحيطٌ حضارِىٌّ التقت فيه ثقافات الأمم التى اختارت الإسلام، وقد جاءت كل منها بمواريثها إلى ساحته وصَبَّت فيها خلاصة ما عندها، وتفاعل الجزء مع الكل، وكان أن الأمة العربية بمسلميها ومسيحييها خلقت محيطاً حضارياً عاماً جوهره الإسلام وامتزاج ثقافات شعوبه، ثم إن هويته النهائية هى العروبة. وفى حين أن كثيرين من الأقباط حتى بين مفكريهم خلطوا بين القومية العربية وبين الدين فإن «مكرم عبيد» ظَلَّ يرى التخوم ظاهرة والملامح واضحة.

وبرغم ذلك فإن «مكرم عبيد» بدأ يرى مع تصرفات كل يوم أن شركاءه فى الائتلاف يحاولون تهميشه، وذهب شاكياً إلى القصر مرة بعد مرة، لكن القصر خصوصاً بعد مصرع «أحمد حسنين» فى حادث سيارة أمام لورى إنجليزى عند كوبرى قصر النيل كان قد نسى منطق اللعبة مع «مكرم عبيد» والواقع أنه لم يَعُد هناك فى البلاط المَلَكى من يستطيع ادعاء أنه كان فى هذه اللعبة فى البداية لكى يتحمل مسئوليتها ويدفع حركتها فى النهاية!

وهكذا فإن القصر بدأ يهمل شكاوى «مكرم عبيد»، ثم راح يضيق بها، ثم راح رجاله يتهربون بالذرائع التقليدية التى تَتَرَدَّد باستمرار فى بلاطات الشرق!

وضاعف من إحساس «مكرم عبيد» بالمرارة أن «أحمد ماهر» (باشا) الذى قبل هو على مَضَض أن يعمل تحت رئاسته جرى اغتياله فى البرلمان ثم خلفه «النقراشى» (باشا) رئيساً للوزراء، وفى حين أن «أحمد ماهر» كان سياسياً مَرِناً فإن خَلَفَه كان مشهوراً بشدة العناد، ولم يكن «مكرم» من أيام مَجده فى «الوفد» مُعجَباً ب«النقراشى» ، وقد تمزقت نفسه حسرات عندما وَجَدَ نفسه مُخَيَّراً بين العمل تحت رئاسته أو الخروج من الحكم.

ويبدو أن «مكرم عبيد» راوده فى ذلك الوقت وَهْم إمكانية العودة إلى حِزبه القديم، ولو حتى من باب النكاية فى هؤلاء الذين استدرجوه ثم تَرَكوه فى التَيْه بعيداً عن العُمران وقد أيقظ هذا الوَهْم فى خواطره أن «صبرى أبو علم» (باشا) سكرتير «الوفد» الذى خلف «مكرم عبيد» فى موقعه القديم توفى فجأة سنة 1947 وتَرَدَّدَت شائعات لم تكن بلا أساس عن عودة «مكرم» إلى «الوفد» ، ولكن «النحاس» (باشا) قطع دابر كل إمكانية لهذه العودة بنفى صريح.

ويروى تقرير للسفير البريطانى السير «رونالد كامبل» إلى وزير الخارجية البريطانية (ضمن محفوظات وزارة الخارجية لتلك السنة 1947) أن مصدراً موثوقاً به أبلغ السفير أنه حضر مجلساً مع «النحاس» (باشا) قيل فيه لزعيم «الوفد» إن «مكرم عبيد» يذرف الدموع نَدَماً على ما كان وتَحَرُّقاً للعودة إلى مكانه القديم.

وطبقاً لتقرير السفير فإن «النحاس» (باشا) قفز من مقعده وقال : «التماسيح التماسيح crocodile crocodile» يريد أن يقول إن دموع «مكرم عبيد» دموع تماسيح.

وفى الوقت الذى أصبح فيه «مكرم عبيد» نهباً لليأس من دورٍ مؤثرٍ يستحقه بقدرته وتجربته وتاريخه فإن الأحوال القبطية عاوَدَتها الوساوس، وزاد منها ذلك البروز المُتَصاعِد لحركة الإخوان المسلمين فى الحياة السياسية، وفى الشارع السياسى، وفى أوساط الشباب.

وكان القصر الذى مال فى البداية إلى استعمال قوة الإخوان المسلمين ضد «الوفد» قد أفزعته نزعتهم إلى العنف، لكنه فى حالة تقربه من الإخوان المسلمين حاول أن يجعل المَلِك «فاروق» بانتظامه فى صلاة الجمعة وفى يده مسبحة وعلى ملامح وجهه خشوع إماماً فى عيونهم.

وعندما لم تنفع مناورة الاحتواء وصل العداء الصريح خصوصاً بعد اغتيال «النقراشى» رئيس الوزراء واغتيال «حسن البنا» مرشد الإخوان انتقاماً له إلى حَدِّ أن القصر حاول أن يجعل من المَلِك منافساً للإخوان يأخذ منهم الإمامة ما دام لم يستطع أن يكون هو بذاته إماماً لهم!

وفى الظروف التى أتيح لى فيها أن أتعرف على «مكرم عبيد» عن قرب، وكان ذلك فى أواخر الأربعينيات، وفى أجواء انتخابات يناير 1950 التى أشرفت عليها وزارة قصر رأسها «حسين سِرّى» (باشا)، فقد كان إهمال شأنه قد بلغ ذروته إلى درجة الإهانة حتى إن حزب «الكتلة» تحت قيادته لم يحصل على مقعدٍ واحدٍ من مقاعد مجلس النواب!! وكان الرجل ممروراً بقسوة، وضاعف من مرارته أن حزب «الوفد» عاد إلى الحكم، وأن ما كان يشكو بسببه من أوضاع أصبح قانون الحزب، وأصبح قانون الحكم.

وسمعت فى هذه الفترة «مكرم عبيد» بطريقة لا تخلو من مبالغة أوجدها فى نفسه شعور طغى عليه بأنه استُعمِلَ فى لعبة قصور، ومع أنه لم يقل ذلك بوضوح فيما سمعت منه فإن النبرة فى صوته كانت مزيجاً من الغضب الواصل إلى حَدِّ الكراهية مُوَزَّعة على أطراف بعرض الساحة السياسية المصرية
.

.
لأهمية المقال نعيد نشره وكل الإحترام للأستاذ هيكل ثم لجريدة الشروق والأستاذ عمرو خفاجي
http://lmasrna.blogspot.com/
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق