الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

قصة قربانة


قربانه..
قصة قصيرة

أحمد طوسون

إهداء خاص:
إلى الكاتب المسرحي أحمد الأبلج

 
عند شجرة اللبخ الكبيرة بمحطة القطار، كنت أجمع زهرات ذقن الباشا عندما يهزها هواء مارس الدفيء فتتساقط ويفوح عطرها بالمكان.
أضعها في جيب بنطالي الصغير، وأحملها إلى أمي ..
تخلطها بالماء وترشها بأركان البيت، فيمسه الربيع بسحر خافت ويسكن بنوافذنا المفتوحة على مصاريعها.
حينها رأيتها تهبط من القطار الذي أطلق صفارة طويلة أفزعت العصافير فحلقت وطارت بعيدا وحط القطار بمحطتنا.
كانت بين زميلاتها بفيونكتها الحمراء وقميصها الأبيض ومريلتها الزرقاء، تضم كتبها إلى صدرها وتفرش ضحكتها على رصيف المحطة.
لحظتها شعرت بقبضة في قلبي وانغرست بذرة لكائن مجهول بصدري وذابت زهرات ذقن الباشا بين أصابعي، وسقطت على الأرض فجرفتها نسمة ربيعية بعيدا واختلطت بالتراب الناعم الذي غطى الرصيف.
أغمضت عينيّ لأحتفظ بصورتها لأطول فترة ممكنة، حتى علت صفارة القطار من جديد وارتج رصيف المحطة وصرت وحيدا بين جدران المحطة العجوز.
***
عندما أغمضت الشمس جفونها وفرش الليل ستارته، جاءت إلى سريري..
رفعت غطائي وجذبتني من يدي، فشعرت بسخونة فيهما وفتحت عيني على ابتسامة مدهشة.. حركت لساني بسؤال وجل وقلت:
-
أنتِ....؟
منعتني من الكلام حين وضعت إبهامها فوق شفتي المرتعشتين..
رفعت يديها عاليا فظهرت لها أجنحة بيضاء صغيرة كأجنحة الملائكة، وطارت بي عاليا بين الغمامات البيض.
ظللنا نتأرجح ونلامس السماء بأكفنا الصغيرة ونلونها بألوان قوس قزح، حتى أيقظتني أمي وقالت:
-
انهضْ
-
ستتأخر على المدرسة!
في الطريق إلى المدرسة شاهدت البنات بقمصانهن البيض ومرايلهن الزرقاء فدق قلبي بعنف وفاحت حولي رائحة زهرات ذقن الباشا..
ولم أعرف لِمَ قادتني قدماي إلى رصيف المحطة..
صفر القطار صفارة طويلة موجعة ورحل بعيدا، وخلا رصيف المحطة من المرايل الزرقاء دون أن أجدها..
سحبت قدمي وجرجرتهما إلى طريق المدرسة، لكن العم رشيدي أغلق الباب في وجهي ولم يفتح.
***
أتى قطار ثم عاد..
وأتى قطار آخر فارتجف رصيف المحطة وزقزق كروان وحط فوق شجرة اللبخ وهز أوراقها فسقطت زهرة ذقن الباشا فوق وجهي..
رأيتها تهبط مع صويحباتها، فرش البستاني البذرة التي انغرست في قلبي ورواها بماء الحياة..
قادني الحنين، فسرت خلفهن، وظللت أتبعهن عن بعد حتى افترقنَّ عند ميدان البلدة وودعن بعضهن بالضحكات، وسلكت هي الطريق إلى درب النصارى.
تابعت خطواتها وهي تلمس الأرض بكل خفة.. أقلص الخطوات بيني وبينها، حتى دنوت فشعرت بحرارة القرب..
همست في أذنها :
-
أنتِ جميلة جدا
استدارات ناحيتي..
وقبل أن تكمل عيناي الذاهلتان من وهج جمالها دورانهما حول محيطها شعرت باحمرار وجهي والحمى التي تستعر في جسدي، وقبضة في قلبي.
تفحصتني من أسفل إلى أعلى، وقالت:
-
أنتَ ولد صغير..
وقليل الأدب.
شعرتُ بعرق غزير يغطي جسدي، وبقلبي يدق بعنف وبقدمي ترتعشان وتتخبطان في بعضهما.. فلم أنبس بحرف.
تركتني وواصلت طريقها على وقع خطواتها التي كانت تدهس على قلبي، حتى وصلت إلى باب الكنيسة ودخلت إلى هناك.
***
حين يشدني الحنين أغمض عيني وأستعيد صورتها وصوتها حتى أكاد ألمسهما في انتظار أن يأتي قطارها..
أتبعها عن بعد وهي تسير بين صويحباتها.. تغافلهن وتلتفت خلفها بين برهة وأخرى..
تراني فتبتسم وتمد خطواتها..
عند درب النصارى صارت وحيدة.
تباطأت خطواتها، فأبطأت خطواتي لتظل المسافة بيننا كما هي..
عندما توقفت في منتصف الشارع، توقفتُ..
لم أعرف ماذا أفعل، هل أستدير وأعود إلى بيتي أم أقف في مكاني كتمثال تجمد من الصقيع؟!
رأيتها تشير بكفها ناحيتي بما يعني تعال..
ألتفت حولي فلم أجد أحد غيري.. أسرعت إليها ووقفت بين يديها وقلت:
-
أناااااااااااا ؟!
تلك المرة لم تكن ابتسامتها معها.. كانت غاضبة كطفلة كُسِّرَت لعبتها للتو وهي تقول:
-
أنت عاوز أيه؟
لم أعرف بما أجيب، وماذا أريد منها، لكن وجدتني أقول:
-
نتجوز..
ضحكت قبل أن تستعيد صرامتها ويتحول صوتها إلى عصا تلسع وهي تقول:
-
أنت عبيط
لا تسير خلفي بعد اليوم.
ملت بنظراتي إلى الأرض وشعرت بجفاف حلقي ولم أستطع أن أقول لها شيئا.
حين أيقنت أنني لن أتكلم تركتني ورحلت بخطوات مسرعة حتى دخلت من باب الكنيسة..
بينما عدت إلى بيتي أرتجف من الحمى التي داهمتني .. وأصبح صدى صوتها الذي كان يملأ قلبي بالفرح يلسعه بالألم ،وأحسست بالدموع تحتبس في عيني فلم أستطع منعها..
وقلت في نفسي : لن أتبعها بعد اليوم!
***
ليومين لم أبرح فراشي بعد أن كومت أمي الأغطية فوقي، ولم أذهب إلى المدرسة.
في اليوم الثالث ارتديت أكثر من بلوفر وذهبت إليها..
في الفسحة أصحابي كانوا يلعبون بحوش المدرسة حين سمعتهم يقولون أن عامر يسكن بدرب النصارى.
من حينها صار صديقي..
قلت له: نذاكر معا.. يوما عندك، ويوما عندي، وأصريت أن أصحبه إلى بيته بعد المدرسة..
من خلف خصاص النافذة ظللت أتطلع إلى الشارع وأترقب وصولها.
تسحب عامر وجلس بجانبي وقال:
-
أفتح الشباك؟
هززت رأسي بما يعني لا، وأشرت له أن يصمت وينظر معي من بين خصاص النافذة، حتى عبرت من أمامنا.
ضحك عامر وقال:
-
يا ابني دي في ثانوي
هتبصلك أنت؟!
خفق قلبي وانقبض بعنف.. ألتفت إليه وقلت:
-
أنت تعرفها؟
-
طبعا..!!
-
طيب اسمها أيه؟
لكنه رفض أن ينطق بحرف قبل أن أعطيه علبة الألوان الفلومستر التي اشتراها أبي لي بعد إلحاح.
ترددت لبرهة، ثم اشترطت عليه أن يقول كل ما عنده أولا.
قال إن اسمها زهرة..
ظللت أردد اسمها بين شفتي دون أن يسمعني عامر، ولا أعرف لِم اعتقدت أن من الطبيعي أن يكون اسمها زهرة!
أبوها عم بولس خادم الكنيسة..
وأمها تصنع القرابين.
-
وأين تسكن؟
جذب علبة الألوان من بين يدي، وقال:
-
في الكنيسة.
***
تكررت زيارتي لعامر حتى فاجأتنا أمه ونحن ننظر من بين خصاص النافذة على الشارع.. لسعتنا بعصاها القاسية وقالت:
-
يا عديمي الأدب
بتعاكسوا البنات من ورا الشباك!
من بعدها لم أعد أراها إلا حين عودتها من المدرسة، أتوارى خلف شجرة اللبخ وألمحها تهبط من القطار فيرتجف قلبي ويرشح بالحنين.
أيام مرت بعد أجازة آخر العام ولم أرها..
فكرت أن أزور عامر لكن عصا والدته جعلتني أطرد الفكرة عن رأسي وأبحث عن أخرى.
قررت أن أسير في شارع الكنيسة وحولها ربما قابلتها أو رأيتها صدفة..
لا أعرف كيف قادتني قدماي إلى هناك وعبرتا من باب الكنيسة.. سرت مخدرا بلا وعي حتى أفقت على صوت أحدهم يشير ناحيتي ويصيح:
-
ولد مسلم غريب
امسكوه قبل أن يسرق شيئا!
جريت بسرعة خوفا أن يمسكوا بي وتراني زهرة .
أيام طويلة مرت وأنا أسير كعادتي حول الكنيسة دون أن أراها.
حين رآني عامر قال:
-
أنت مجنون
هل تحبها بجد؟!
ملت برأسي ونظرت إلى الأرض ولم أتكلم.
لكنه عاد وضحك قائلا:
-
من تظن نفسك
بنت في ثانوي..
ومسيحية..
تفكر فيك؟!!!
هززت رأسي وقلت :
-
بالطبع لا..
سكت لحظة أخذت فيها نفسا شجيا، وقلت :
-
لكنني لم أرها منذ أخذنا الأجازة!
عامر قال:
-
طبعا يا ابني
علشان بتساعد أمها في عمل القرابين.
***
احتفظت بالكرة الجديدة التي اشتراها أبي هدية لنجاحي كما هي ولم أمسها.
وحين زارني عامر أخرجتها من مخبئها وقلت:
-
تشبه الكرة التي يلعبون بها في الساحة الشعبية
أمسك بها وقال:
-
تمنيت لو كنا نمتلك واحدة
هيا لنلعب بها.
شدني من يدي لكنني تمنعت وقلت:
-
أنا لا أحب لعب الكرة..
جذبت الكرة من بين يديه وحضنتها بين صدري وجلست على مقعدي.
عامر بدا غاضبا حين قال:
-
لكنك كنت تلعب معنا بالمدرسة!
صمت لحظة ثم قلت:
-
لم أعد أحبها!
مددت يدي بالكرة وناولتها له وقلت:
-
يمكنك أن تأخذها..
-
صحيح؟!!
قال عامر بلهفة واندهاش..
اقتربت منه وقلت:
-
إن أردت..
طبعا ..
إذا استطعت أن تأتيني بقربانه مما تصنعها زهرة!
***
عامر غاب لأيام، ثم عاد متهللا، وقال بثقة:
-
أين الكرة؟!
هرعت إليه، وقلت:
-
هل فعلتها؟
-
طبعا..
أين الكرة؟
قلت:
-
هات القربانه أولا
واخرج وانتظرني عند أول الشارع حتى لا يلحظ أبي شيئا.
قبلت القربانه ووضعتها بين ملابسي وأغلقت ضلفة دولابي جيدا.. سحبت الكرة من تحت السرير وخرجت دون أن يشعر بي أحد، وعدت بدونها.
كل يوم أفتح دولابي وأُخرج القربانه وأضعها أمامي وأتخيل زهرة وهي تصنعها بيديها، فيهتز الشجر الذي نبت بقلبي وأسمع حفيف أوراقه.
مرت أيام..
صحوت على صوت أمي تصيح وتسأل بغضب عمن وضع القربانه في دولابي حتى تعفنت.. أزاحتها وألقتها على الأرض، ثم كنستها.
بينما كان شيء صغير يتحطم في قلبي..

أحمد طوسون


اختيرت القصة ضمن قصص لأصوات شابة تنشر فى مجلة العربي
 بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية سبتمبر 2009.

شكرا للكاتب الصديق الذي لبي دعوتنا له للمشاركة فى المدونة
لوجه الله ولمصر 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق