الأحد، 31 أكتوبر، 2010

ضبابية الدير وبلاغة الكشف

بلاغة الانحياز للإنسانية في رواية :أحزان الشماس

هويدا صالح:


إن البحث عن الهامش الديني، وصورة الآخر الديني، في السرد الروائي، وتصوره عن ذاته، وكيفية حضوره في السرد هو مبحث هام يضاف إلى المباحث النقدية التي أفادت من المنهج السوسيوثقافي والذي يمكن من تفكيك الرمزية للمتخيل السردي، كدليل ومؤشر على ارتباط النص أو الخطاب بالمجتمع والتي تعكس العوامل التاريخية والحضارية وحضور تلك العوامل في السرديات، وبهذا يمكن أن نكشف بشكل جلي اشتغالات الروائي ومدى قربه أو بعده عن الهامش الديني الذي يمثل أحد مكونات المجتمع، كما يمكن لنا أن نتكشف ونكشف عن جماليات السرد وفنياته، وتعالقات هذه الجماليات بالموضوع، اقصد موضوع السرد، وعلاقة الصورة السردية بالآخر ومدى تطابقها مع الواقع الذي يعالجه النص، بعد اشتغال الكاتب على المستوى التخييلي. وحين نعرض لدراسة سيسوثقافية لنصوص الهامش علينا أن نراعي وضعية وخصوصيات الكاتب السوسيو ووضعه الاجتماعي داخل المجتمع. كل هذا يتبدى لنا ونحن نتعامل مع نص سعيد نوح الجديد والإشكالي: ‘أحزان الشماس’.
دأب سعيد نوح على أن يقدم لنا عالما مغايرا ومدهشا في كل عمل روائي له، ففي روايته الأخيرة ‘ملاك الفرصة الأخيرة’ أعاد تمثيل العالم من خلال عالم تخييلي كامل نجح فيه في إنتاج اساطيره الخاصة والتي تتعارض والأساطير المنتجة والنمطية، وفي هذا النص الجديد ‘أحزان الشماس’ يقدم لنا ذلك الآخر الديني المجهول أو المُجهّل والمسكوت عنه، الآخر القبطي وعالمه الضبابي غير الواضح والذي تُحاك حوله القصص الخرافية أحيانا والواقعية أحيانا أخرى.
اقتحم سعيد نوح عالم الدير، وكشف المسكوت عنه، كشف عن قرب عالم الرهبنة المسيحي، والرهبنة ليست مذهباً صوفيا يعتقد به الراهب أنه يرضي الله أو مذهبا نفسيا يهدف منه الى اكتشاف قوى نفسانية كامنة في الطبيعة البشرية. إنه عمل الروح القدس،سر الشركة والاتحاد بالرب. هكذا يعرف سعيد نوح الرهبنة في روايته ‘أحزان الشماس.’
يطرح نوح المعرفة التي اختزلها في مقولته ثم يروح يطبق تلك المقولة على شخصيات الرواية. ويبدأ نوح روايته بلحظة موت الشاب مينا الابن الوحيد للشماس جرجس، ويركز الحدث في مونولوج حزين يستمع فيه المحيطون بالجسد إلى صوت الشماس الأعمى الذي يطلب من الرب أن يمنحه نورا في عينيه للحظة يرى فيها وجه ابنه النائم فوق المذبح. وبعد أن يُصمم الأب بشاي، أب الدير على وضع مسمار طويل في الصندوق المخصص للمتوفى يعود جرجس إلى مونولوج حزين ثانِ، ثم يذهب إلى حجرة الشماس ولا يخرج منها إلا في اليوم التاسع عشر لوفاة ابنه ويموت جرجس في ذلك اليوم تاركا زوجته تريزة التي تسأل المعزين لمن تُسيّب شكواها؟، ثم يبدأ نوح لعبة الفلاش باك، واستخدام تقنية الرجوع بالزمن، ليكشف لنا ماضي الشخصيات وتاريخهم، ليصور لنا ما يدور داخل هذا الدير، والحيوات التي تتشكل فيه ،لنكتشف أن الصفحات الأولي هي نهاية الرواية التي تتبع حياة الشماس جرجس من لحظة أن يدخل الدير، وهو في عمر الحادية عشرة، حتى مات بعد موت ابنه بتسعة عشر يوما عن عمر يفوق الخمسين بثلاثة أعوام . يدخل جرجس الدير وهو طفل ضرير ويتعهده أب الدير الأب بشاي بالرعاية والاهتمام وهو الكفيف. ويتضح من خلال منطق السرد كيف أن جرجس هو شخص يكاد يقف على شفا النورانية، فينير له الله طريقه، ويبث في روحه المحبة والتسامح.
اختار سعيد نوح أحد الأديرة لتدور به أحداث روايته ‘أحزان شماس’ هذا العالم الغامض ليصور لنا سيرة هؤلاء البشر الذين يموتون في سن الشباب دون أدنى جريرة، هؤلاء النورانيين الذين يأتون إلى الحياة، لينيروا حيوات ذويهم لمدة صغيرة، ثم يموتون تاركين الحسرة والندامة في قلوب محبيهم، وكأن السيرة أطول من العمر، سيرة الإنسان تبقى، السيرة رديف الذكرى، وعمره لا يبقى. هو مينا الذي مات بخطأ رومانسي بسيط ،ولما كان الولد الذي يموت دون التاسعة عشرة دون جريرة ابنا للمسيحية، فكان الدير هو المكان الأمثل ليدور فيه السرد.
جاءت شخصيات ‘أحزان الشماس’ إنسانية بضعفها، وقوتها، إنسانية خالصة، فهي ليست كالملائكة أولئك النورانيين، الذين لا يرتكبون بعمرهم الخطيئة، وليست كالشياطين الخطائين والموغلين في الخطايا ،بل هم إنسانيون تماما، يخطئون كما البشر، ويعترفون بخطاياهم، يتناحرون ويتحابون، في تفاصيل كثيرة ومشغولة بقدرة نسّاج ماهر أوقف كل مشروعه الإبداعي على السرد الروائي، فالجدير بالذكر أن نوحا لديه ست روايات ومتتالية قصصية واحدة.
لعب سعيد نوح في روايته بالزمن، فلم يكن الزمن منطقيا يسير من لحظة انطلاق السرد إلى الأمام، بل أفاد من تقنيات وألعاب الزمن، فالسرد يبدأ من لحظة موت مينا ذلك المشهد الشعري الخالص، ثم يعود بالزمن عن طريق الفلاش باك، ثم يقدم لنا لحظات زمن استباقي، وهكذا نوّع الكاتب في الزمن الاسترجاعي والاستباقي والآني.
أما اللغة، فيمكن لنا بيقين أن نقول أنها هي الأكثر تميزا في تلك الرواية، فقد جاءت لغة شعرية خالصة، وأفاد فيها الكاتب من اللغة التوراتية، ورغم الشعرية الخالصة التي تميز اللغة إلا أنه يوشي كل هذا وينسجه بلغة سردية مشهدية وبصرية برع فيها الكاتب.
بعد هذه الجماليات الفنية التي تحققت في ‘أحزان الشماس’ بقي أن نتحدث عن الخطاب أو صورة الآخر الديني التي أراد الكاتب أن يقدمها لنا .. هل أفلح سعيد نوح في تقديم صورة ذلك الآخر بشكل إيجابي؟ أم أنه ككاتب من خلفية إسلامية وقع في شرك تشويه الآخر وإقصائه؟
هذا سؤال يبدو مشروعا تماما على خلفية الاتهامات المتبادلة بين الكنيسة وبين كل من يصور الشخصية القبطية، خاصة شخصية رجل الدين المسيحي، سواء في السينما مثل فيلم: ‘بحب السيما’ أو في السرد مثل رواية: ‘عزازيل’.
في حقيقة الأمر نجح نوح في أن يقدم شخصيات رجال الدين المسيحي بشكل عادل ومنصف، فصورهم في أدق حالاتهم وأكثرها حميمية بشكل إنساني، ليس بالمتحيز الذي يهدف إلى تسويق صورة مثالية غير حقيقية، وليس بالمنحاز ضدهم بترويج صورة سلبية تبعد أيضا عن الحقيقة. فحتما كل رجال الدين، مهما اختلفت هويتهم الدينية بشر في النهاية لهم سعاداتهم وتعاساتهم، لهم أفراحهم وأتراحهم، وقوتهم وضعفهم.
أراد نوح أن يخبرنا بشكل سردي جمالي عن ذلك العالم، يكشف ذلك المسكوت عنه في عالم الدير الضبابي الغامض بالنسبة للكثيرين.
في النهاية نرى أن سعيد نوح قد انحاز للإنسانية أكثر من انحيازه لأفكار جاهزة ونمطية عن شخصية الآخر المسيحي.

http://www.doroob.com/?p=382

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق