السبت، 30 أكتوبر، 2010

زمن أغبر


خاص - لوجه الله ولمصر 
ذكريات شخصية
يكتبها:أشرف نصر
1
ولدت في شارع "سعد زغلول" حيث كان بيتنا على مقربة من الجامع ومن الكنيسة ، الموجودين في نفس الشارع الذي يحمل رمزية اسم الرجل العظيم ..صدق أو اعتبرها مبالغة (اقصد وجودها فى نفس الشارع) لكن كانت هناك عائلة تسكن نفس الشارع - الطريف انهم كانوا يفضلون التعامل مع المسلمين ولا يفضلون التعامل مع المسيحيين - رغم أن معظم المسلمين اعتبروهم مسيحيين بينما كان الأشقاء الثلاثة ببساطة يهود..
اعتدت الاستيقاظ على صوت التواشيح قبل أذان الفجر من الجامع وعلى صوت أجراس الكنيسة أيام القداس ..واعتدت الذهاب للعائلة اليهودية لشراء الحبوب ..
أقرب الدروب من بيتنا للوصول لقلب مدينتنا الصغيرة كان "درب النصارى" والذي لم يكن اسما على مسمى فالمسلمون يسكنونه بجوار إخوانهم الأقباط، تماما كما يسكن الأقباط في كل مكان بالبلدة ..
تعلمت في المدارس الحكومية (فى بلدتنا لم يكن سوى المدارس الحكومية والمعهد الأزهري ومدرسة النهضة "القبطية "التي كانت تقبل المسلمين بها..لكنها أُغلقت الآن وضمت لتوسيع الكنيسة..والآن يوجد مدارس خاصة وبعضها يأخذ ثوبا إسلاميا يزايد على المعاهد الأزهرية) ..
في مدرسة "العبور الابتدائية " لم يكن صديقنا سعد يتركنا إلا لحصة الدين "المسيحي" مع زملاءه الموجودين فى بقية الفصول..
لم تكن الصورة وردية لأنه ببساطة كنا جميعا في الفقر والهموم الكل سواسية .
2
 للأسف تورطت في الطفولة في حادث طائفي ولحسن الحظ تعلمت الدرس مبكرا..
 انتشرت شائعة :رجل مسيحي اعتدي على طفلة مسلمة.. لم نكن نعرف الرجل ولا الطفلة ولا الحقيقة وراء الموضوع.. لكن زميلنا اقترح علينا فخرجنا نتجه نحو أقرب جيراننا الأقباط،  ، نحمل الطوب ونقذف باب بيته "والكشك"المغلق الذي يقتات منه ..
فوقف جاره وجارنا المسلم أبو محمد عيسي يمسك بعصا "مقشة" وهو يدافع عن جاره الذي لم يفعل شيئا ، أبو محمد شتمنا حتى عدنا لبيوتنا ونحن نحس بالخجل..ولم أنس الدرس.
3
عمي كان يركب موتوسيكل ومعه ابن أخته وفي الطريق وجدوا رجلا "ملتحيا" يضايقهم بالموتوسيكل الذي يركبه ..ضايقوه فظل يطاردهم حتى حدود قريته القريبة من بلدتنا.. وهناك تجمع معارف "الملتحي – للأسف يطلق الناس عليهم السنية نسبة للسنة، والسنة النبوية منهم براء" ، وبالتعبير المصري "فين يوجعك" ..تشاجروا مع عمي وابن عمتي وعند انتهاء المشاجرة طلب عمي من ابن أخته الانصراف فناده: يا محمد..وهنا أتضح سر الكراهية والمطاردة منذ البداية: الملتحي ظن أنهم مسيحيين ..فاعتذر موضحا سببه في مضايقتهم وجمع معارفه للمشاجرة ..تخيل!


4
أبي الذي قضي بالجيش المصري 7 سنوات من عمره في فترة الحرب مع إسرائيل ..
لا ينسي حتى اليوم وبعد 36 سنة من خروجه من الجيش، أسماء زملاءه وبينهم المسلم والمسيحي..
الأهم ما يحكيه دائما عن أشهر أطباء البلدة "المسيحي" الذي لم يكن يحاسبه عند العلاج سوي بنصف "الكشف" ..الدكتور كان يعامل الجنود كما كانت تعاملهم الدولة في وسائل المواصلات "نصف تذكرة" ..الدكتور هذا كان يحرص دائما على إعطاء الفقراء من أهل البلدة بعضا من العلاج الذي يأخذه من شركات الأدوية ..لم يكن الطبيب يسأل أو يفرق بين المسلم أو المسيحي منهم فى توزيع محبته وكرمه.
5
 منذ سنوات قليلة قابلت شابا "قبطيا" متعصبا لدرجة لم أصدقها..يردد كالببغاء أن الأقباط اصل مصر والمسلمون ضيوف جاءوا لمصر من الجزيرة العربية ...وذكرني بالببغاوات ممن يرددون كلام المتطرفين المسلمين الذين يتحدثون عن طرد المسيحيين ويشتمونهم  ليل نهار ويظنون انه السبيل للجنة..
منذ قابلت هذا الشاب في سوهاج بقلب الصعيد وأنا واثق أن سرطان التعصب وحده هو الذي يستطيع تدمير هذا البلد، التعصب وحده ..فكل مشاكلنا غير ذلك الداء يمكننا التعامل معها..
خلال حياتي عرفت المسلم والمسيحي واليهودي واللاديني ..منهم الرائع والقبيح..أعرف دين الواحد منهم بالمصادفة..
لا أسأل أحدا عن دينه ..هذه علاقة بين الإنسان وخالقه ..من أكون أنا لأصنف البشر والأديان ، من أكون لأصنف من يدخل الجنة ومن يدخل النار..
علاقتي بالجميع تتحدد مثلما عبرت كلمات أغنية منير: حدوتة مصرية :لا يهمني اسمك لا يهمني عنوانك ..لا يهمني لونك ولا ميلادك مكانك..يهمني الإنسان.
 لو قرأ هذه الكلمات أولادي "الذين هم في علم الغيب" لا أقول لهم إلا :عيب تكونوا مصريين ويضحكوا عليكم ..
 روعة الإنسان أو قبحه نتيجة لأفعاله هو
وليس لأنه من هذا الدين أو ذاك
يبدو كلامي بديهيات لا تحتاج للتذكير بها
لكننا في زمن أغبر.

 http://lmasrna.blogspot.com/
مدونة أشرف نصر
http://ashrafnasr.blogspot.com/

هناك تعليقان (2):

  1. تحت سقف الوطن هناك مكانٌ للجميع دون استثناء.. المشكلة تكمن عندما ينجح أحدهم في خفض الأسقف لأجل التضييق.

    تحياتي

    ردحذف
  2. صدقت يا صديقنا العزيز ياسين
    ومنورنا دائما شكرا لك

    ردحذف