‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

مسلم أم قبطي أم إنسان؟

علاء الأسواني
المصري اليوم 4 أكتوبر 2011
هل تعتبر نفسك فى المقام الأول مسلما أم مسيحيا أم إنسانا.؟!. هل تعتبر انتماءك أولا إلى دينك أم أن انتماءك إلى الإنسانية يسبق أى انتماء آخر.. إن إجابة هذا السؤال سوف تحدد رؤيتك للعالم وتعاملك مع الآخرين. فلو أنك تعتبر نفسك إنسانا قبل أى اعتبار آخر فإنك قطعا سوف تحترم حقوق الآخرين بغض النظر عن أديانهم. إن الفهم الصحيح للدين سيجعلك بالضرورة أكثر انتماءً للإنسانية لأن الدين فى جوهره دفاع عن القيم الإنسانية: العدل والحرية والمساواة.. أما لو اعتبرت أن انتماءك للدين يسبق انتماءك للإنسانية فقد بدأت طريقا خطرا ستتورط آخره غالبا فى التعصب والعنف.. الدين بطبيعته ليس وجهة نظر وإنما هو اعتقاد حصرى لا يفترض صحة الأديان الأخرى. يبدأ الأمر بأن يؤمن الانسان بأن دينه هو الوحيد الصحيح أما أتباع الأديان الأخرى فهم فى نظره ضالون لأن أديانهم مزيفة أو محرفة أو لم تنزل من السماء أساسا.. هذا الاحتقار للأديان الأخرى سيؤدى بك بالضرورة إلى التقليل من شأن أتباعها. فإذا كان المختلفون عنك دينيا يؤمنون بأوهام وخزعبلات بينما أنت الوحيد الذى يؤمن بالدين الصحيح فلايمكن أن يتساوى هؤلاء الضالون معك فى الحقوق الإنسانية.. شيئا فشيئا سيؤدى بك هذا التفكير إلى نزع الطابع الإنسانى عن المختلفين معك فى الدين.. dehumanizatio
سوف تفكر فى أصحاب الأديان الأخرى بشكل جمعى وليس بطريقة فردية. إذا كنت مسلما لن ترى جارك القبطى باعتباره إنسانا له وجود مستقل وسلوك شخصى وإنما ستعتبره واحدا من الأقباط، وسوف تعتبر أن الأقباط عموما لهم سلوك وطباع معينة تميزهم، عندئذ سوف تقطع خطوة أخرى نحو الكراهية فتقول جملا من نوع:
- هؤلاء الأقباط خبثاء ومتعصبون.. أنا لا أحبهم.
وقد تبلغ بك كراهية أصحاب الديانات الأخرى إلى درجة التقزز، فهم فى نظرك، بالإضافة إلى كونهم كفارا، غارقون فى النجاسة لأنهم لا يتطهرون بنفس طريقتك من الجنابة، وقد تلاحظ إذا اقتربت من أحدهم أن لهم رائحة مميزة ربما بسبب البخور الذين يستعملونه أو الطعام الذى يأكلونه.. عندما تصل إلى هذه الدرجة يا عزيزى القارئ فأنت للأسف شخص متعصب متطرف دينيا وأنت مرشح بقوة لارتكاب جرائم فى حق الآخرين لأنك فهمت الدين بطريقة خاطئة أدت بك إلى كراهية الآخرين واحتقارهم..السؤال هنا: كيف كان المصريون يمارسون تدينهم..؟!. الحق أن المصريين من أكثر الشعوب تدينا لكن تراثهم الحضارى جعلهم دائما يفهمون الدين على النحو الصحيح. لقد احترمت مصر دائما الأديان جميعا وكانت دائما مكانا آمنا متسعا للجميع فاستقبلت المهاجرين من كل الملل والأعراق.. أرمن وإيطاليين ويونانيين ويهود وبهائيين.. كما أن حضارة مصر أتاحت الحريات الشخصية إلى أقصى مدى.. فى مصر المتحضرة أنت الذى تحدد نمط حياتك. إذا أردت أن تذهب للصلاة اذهب وإذا أردت أن تذهب لترتكب المعاصى اذهب. أنت حر تماما لكنك أيضا وحدك مسؤول تماما عن أفعالك أمام الله والقانون. فى عام 1899 قدم الإمام العظيم محمد عبده القراءة المصرية للإسلام فخلص العقل المصرى مرة واحدة وإلى الأبد من التعصب والخزعبلات، وبالرغم من الاحتلال البريطانى انطلقت مصر لتكون رائدة فى كل مجال تقريبا.. ظل هذا الفهم المصرى المتسامح للإسلام مستقرا فى مصر حتى اندلعت حرب أكتوبر عام 1973 وبفضل تضحيات الشعبين المصرى والسورى ارتفع سعر النفط عدة مرات مما أعطى الدول الخليجية النفطية قوة اقتصادية غير مسبوقة. ولأن النظام السعودى يعتمد فى استقراره السياسى على تحالفه مع الشيوخ الوهابيين فقد تم إنفاق ملايين الدولارات من أجل نشر الفهم الوهابى للإسلام فى العالم كله. أضف إلى ذلك أن الأزمة الاقتصادية فى مصر قد أجبرت ملايين المصريين على الهجرة للعمل فى السعودية فعادوا مشبعين بالأفكار الوهابية الغريبة تماما عن المجتمع المصرى. القراءة الوهابية للإسلام، على العكس تماما من القراءة المصرية، مغلقة متشددة معادية للديمقراطية ظالمة للمرأة..الوهابية تحيل الدين غالبا إلى طقوس وإجراءات وتهتم بالشكل على حساب جوهر الدين.. المصرى يتعلم فى بلاد الوهابية أن شعر زوجته لو انكشف فى الشارع فلسوف تردعه فورا جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (المسؤولة عن فرض الأخلاق الحميدة بالقوة)، وفى نفس الوقت يدرك المصرى فى السعودية أن القوانين لا يمكن تطبيقها أبدا على الأمريكيين والأوروبيين والأمراء والكبراء وإنما تطبق القوانين بصرامة فقط على المصريين وبقية الجنسيات المستضعفة. المصرى هناك يتعلم أن التقاعس عن أداء الصلاة من الكبائر، ولكن فى نفس الوقت، أن يقوم الكفيل السعودى بإذلال المصريين ونهب حقوقهم المالية وإلقائهم فى السجن إذا طالبوا بحقوقهم.. فهذه مسألة أخرى بعيدة تماما عن الدين وفقا للمفهوم الوهابى. على مدى عقود انتشرت الأفكار الوهابية فى مصر وكان أخطر ما زرعته فى المجتمع المصرى كراهية الأقباط وتحقيرهم. ونعود إلى مجلة روزاليوسف العدد 4327 لنقرأ موضوعا للأستاذ عصام عبدالجواد استعرض فيه تصريحات شيوخ السلفيين الوهابيين عن الأقباط.. فالشيخ سعيد عبدالعظيم يقول:
«لا محبة ولا صداقة مع النصارى ولا يجوز اتخاذ أولياء منهم أوتهنئتهم بأعيادهم لأنهم يزدادون كفرا فى أعيادهم».. الشيخ أبوإسلام يقول: «يجب أن يتعقل المسيحيون لأن كل ما يؤمنون به مناف للحقيقة والعقل».. الشيخ ياسر البرهامى يؤكد أنه «لا يجوز للمسلم مشاركة الأقباط فى مناسباتهم الدينية لأنهم مشركون».. أما الشيخ أحمد فريد فيقول «لا يجوز للمسلم أن يواسى القبطى فى ميت له ولا يجوز أن يعشمه بشىء فى الآخرة فليس للقبطى فى الآخرة إلا نار جهنم».
هذه أمثلة لما يتردد كل يوم فى الخطب التى يلقيها مشايخ الوهابية فى المساجد والفضائيات السعودية، هذا الكلام إذا حدث فى أى دولة محترمة يعتبر جريمة تحريض على كراهية المواطنين والاعتداء عليهم لمجرد أنهم مختلفون فى الدين. لكن مشايخ الوهابية للأسف يسممون عقول المصريين ويملأون قلوبهم بالكراهية والتعصب بلا أدنى رادع من أخلاق أو قانون.. ماذا نتوقع من هؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة.؟!.. هنا يبدو ما حدث منذ أيام فى قرية الماريناب بإدفو فى محافظة أسوان مفهوما بل متوقعا.. فى قرية الماريناب توجد كنيسة مارجرجس التى يصلى فيها أقباط القرية منذ عام 1940 وقد تهدمت حوائطها مؤخرا بفعل القدم فقام المسؤولون عنها بإصدار تراخيص قانونية من أجل تجديدها.. إلى هنا والأمر طبيعى.. فجأة حدثت مشكلة: ظهرت مجموعة من السلفيين الوهابيين ليرفضوا ترميم الكنيسة وبدلا من أن تقوم السلطات بتنفيذ القانون وحماية الكنيسة.. عقد مسؤولون فى الشرطة والجيش مجلسا عرفيا قام فيه السلفيون بإملاء شروطهم على خادم الكنيسة حتى يقبلوا تجديدها، فاشترطوا أن تظل الكنيسة بدون ميكروفونات ولا قبب ولا صلبان.
السؤال هنا كيف تقوم كنيسة دون الصليب الذى هو رمز العقيدة المسيحية..؟ الإجابة أن هذه رغبة السلفيين التى وافق عليها المسؤولون فى الشرطة والجيش واضطر خادم الكنيسة إلى الموافقة عليها حتى يتمكن من ترميم كنيسته.. الغريب أن قبول خادم الكنيسة بهذه الشروط المجحفة لم ينقذ الكنيسة من السلفيين. ففى يوم الجمعة التالى قام خطيب الجامع الوهابى بتحريض المصلين ضد الكنيسة، وما إن انتهت الصلاة حتى انطلق المتعصبون وحاصروا الكنيسة ثم أحرقوها وهدموها تماما. وقد ارتكبوا جريمتهم على مدى ساعات لم تتدخل خلالها قوات الجيش أو الشرطة لحماية بيت من بيوت الله. أما السيد محافظ أسوان، وهو من فلول نظام مبارك، فقد اعتمد الطريقة القديمة فى إنكار المسؤولية فصرح بأنه لا توجد أصلا كنيسة فى القرية (أى أن كل ما حدث كان مجرد تهيؤات فى أذهان بعض الأقباط لا أكثر ولا أقل). إن جرائم الاعتداء على الكنائس تكررت بطريقة غريبة ومريبة فى مصر بعد الثورة فما حدث فى إدفو قد حدث من قبل فى الفيوم والإسماعيلية وإمبابة وعين شمس وأطفيح.. الأمر الذى يثير أكثر من سؤال:
أولا: إن المجلس العسكرى يقوم بمهام رئيس الجمهورية والبرلمان جميعا أثناء الفترة الانتقالية، وبالتالى فهو وحده المسؤول عن إدارة البلاد، لماذا يتعامل أفراد الشرطة العسكرية مع المتظاهرين بقسوة فيضربونهم ويعذبونهم ويهينون آدميتهم بينما يكتفى أفراد الشرطة العسكرية بالتفرج على السلفيين وهم يحرقون الكنائس والأضرحة ويقطعون أذن مواطن قبطى ويقطعون خط قطار الصعيد لمدة عشرة أيام كما حدث فى قنا.؟!. لماذا تتحول قبضة الشرطة العسكرية القاسية إلى قفاز من حرير عندما تتعامل مع السلفيين..؟.. لماذا يجلس ممثلو الجيش والشرطة مع السلفيين للتفاوض ويخضعون لشروطهم وكأنهم يمثلون دولة أخرى أقوى من مصر..؟! ما الصفة القانونية للأخوة السلفيين التى تمكنهم من تفتيش الكنائس والسماح ببنائها بشروطهم أو منعها وهدمها أو حتى إحراقها إذا أرادوا..؟.. هل يتمتع السلفيون بحظوة سياسية معينة عند المجلس العسكرى أم أن حوادث الانفلات الأمنى والعنف الطائفى تحقق مصلحة سياسية معينة للمجلس العسكرى لأنها تبرر بقاءه فى السلطة بذريعة الحفاظ على الأمن وحماية الأقباط من اعتداءات المتطرفين.؟!..
ثانيا: منذ القرن التاسع عشر ناضل الشعب المصرى على مدى عقود وقدم آلاف الشهداء من أجل هدفين: الاستقلال والدستور.. من أجل إنهاء الاحتلال الإنجليزى وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التى كانت أمل زعماء مصر جميعا، بدءا من سعد زغلول وحتى جمال عبدالناصر.. هؤلاء الزعماء لم يكونوا علمانيين معادين للإسلام كما يردد الوهابيون لكنهم كانوا من الثقافة والرقى الحضارى بحيث يدركون أن الدولة المدنية التى تساوى بين مواطنيها، بغض النظر عن أديانهم، هى الطريق الوحيد للتقدم. إن أى محاولة لتغيير التركيبة المدنية للدولة ستؤدى بمصر إلى كارثة حقيقية.. فإذا كان الوهابيون لا يطيقون وجود كنيسة وهم مجرد أفراد فماذا سيفعلون بنا، مسلمين وأقباطا، إذا تولوا السلطة فى مصر..؟!..
إن الإسلام إذا أحسنا فهمه يجعلنا أكثر إنسانية وتسامحا واحتراما لعقائد الآخرين، أما تحقير الأقباط والاعتداء عليهم فهما من الجرائم المشينة التى لا علاقة لها بأى دين.
الديمقراطية هى الحل.

الجمعة، 24 يونيو 2011

الإبداع والظرفية الثورية

محمد برادة 
الشروق 24-يونيو 2011
 فى غمرة الانتفاضات والاحتجاجات الشبابية الثورية، التى تعمُّ الأقطار العربية، يكون من الطبيعى أن ترتفع أصوات لتتساءل عن مدى تجاوُب الأدب والإبداع بصفة عامة، مع الأفق الجديد الذى ستنفتح أبوابه مع تحقيق التغيير باتجاه الدمقرطة وضمان حقوق المواطن فى حرية الاعتقاد والتعبير.. بعبارة أخرى، مع التطلع إلى التحرر من الاستبداد، وإرساء دعائم مجتمع جديد، تغدو الحاجة ماسة إلى تعبئة كل الجهود والطاقات لبلورة قيم الثورة والتجدّد.

لكن المسألة، بالنسبة للأدب والإبداع، هى أعمق وأكثر تعقيدا مما تبدو عليه أول الأمر. لذلك أودّ أن أتوقف عند وجهتى نظر متعارضتين فى هذا الموضوع، وتحتاجان إلى تحليل لالتقاط جوانب الإشكالية دون تسرّع أو انقياد للحماس المواكب للظرفية «الثورية».

أبدأ بوجهة نظر الذين ينادون بضرورة مواكبة الأدب للتحولات الجارية منذ أشهر فى معظم البلدان العربية، والتى تعتمد على السياق الخارجى لشروط الإبداع أكثر من اهتمامها بالخصوصية «الداخلية» الملتصقة بسيرورة الإبداع. يذهب المؤيدون لضرورة تغير الأدب باتجاه التحولات المجتمعية المقبلة، إلى أن ما نحن مقبلون عليه سيوفر شروطا مختلفة عن تلك التى طالما عانى منها المبدعون فى ظل الأنظمة الاستبدادية وسطوة البترو-دولار، لأن الفكر الثورى الجديد سيضع حدا للخوف، وسيمحو التابوهات والمحرمات، وسيدشن علاقة أخرى بين المنتج والمتلقى، وستتلاشى الرقابة ومصادرة الكتب والأعمال الفنية.. فى مثل هذه الحجج أشتمُّ رائحة الربط الآلى بين السياسة والأدب، على نحو ما عرفناه من قبل فى تاريخ ثقافات أخرى وفى ثقافتنا. وهو ربط يرمى ضمنيا إلى أن يكون الأدب والفن تابعين للسياسة ولأهداف إيديولوجية. وإذا سلمنا جدلا أن التغييرات الافتراضية، الإيجابية، التى ستحققها الانتفاضات العربية ستوفر شروطا سياقية أفضل، فهل هى كافية لازدهار الإبداع وارتقائه إلى معانقة اللحظة التاريخية المميزة؟

على عكس هذه الدعوة وفى اتجاه معاكس لها، هناك التحليل الذى أسانده وأدافع عنه، وهو الذى ينطلق من طبيعة الأدب والإبداع المختلفة عن بقية أشكال وطرائق التعبير الأخرى، والتى تجعل «زمنية» الإبداع مغايرة لمقياس الزمن الكرونولوجى والتاريخى. صحيح أن الأدب والفن يتفاعلان مع المحيط وأسئلة المجتمع ولا يستطيعان أن يوجدا فى استقلال تامّ عن السياق التاريخى، ولكن خصوصية الأداة ( الكلمة، الخطوط والألوان، الإيقاع والصوت، الصورة، والإزميل...) تجعل التواصل مع العمل الفنى محكوما بعناصر الجمال والمتعة، التى يتوسل بها الإبداع والعلاقة الخاصة التى تتولد بين المتلقى والمبدع. ومن ثمّ فإنها لا تكون مجرد علاقة «توصيل» أو تبليغ لخطاب مسنن واضح المعالم، وإنما هى عملية اختيارٍ حرّ من طرف المتلقى وأيضا من المبدع الذى لا يخضع لطلب مسبق، أو لموضوع لا يتفاعل معه. وعنصر الحرية الأساس فى الإبداع، هو الذى يفسر لنا لماذا أصبح الأدب العميق، النابع من التجربة، مهمشا فى عصر السرعة وطغيان نصوص التسلية و«الكيتش» المحاكى للواقع بطريقة ضحلة.

من هنا، تبلوَر مفهوم الأدب فى وصفه تجربة إنسانية وجمالية وشكلا ينطوى على المتعة. بعبارة ثانية، لكيْ يبرر الأدب (الفن) وجوده، عليه أن ينتج خطابا مختلفا عن بقية الخطابات التى يتداولها المجتمع، ويتوسل بها لصوغ الأسئلة واستيعاب التحولات. والأداة الفنية تسعف على التقاط واقتناص «الحقائق» والوقائع من زوايا مغايرة لتلك المتصلة بالتلقى المباشر، والسيرورة الظرفية. وهذا هو ما يتيح القول بأن «زمنية» الإبداع لا تتطابق بالضرورة مع زمن الأحداث الاجتماعية والسياسية، لأنها تضع مسافة مزدوجة بينها وبين الحدث التاريخى: مسافة زمنية تسمح بتمثل أبعاد التجربة واستيعابها، ومسافة جمالية توفر للعمل الأدبى ما يعلو به على السياق الظرفى، ويكسبُه قيمة أرحب وأعمق.

هذا الاختلاف بين زمنية الإبداع وزمن الثورة أو المنعطفات التاريخية، يصلح مقياسا للتمييز بين الإبداع المستجيب لشروط التمثل والتفاعل، والإبداع الخاضع للسرعة والمحاكاة السطحية التى لا تضيف شيئا إلى الحدث. ويمكن أن نضرب مثليْن يوضحان هذا الفرق بين الزّمنيتين: توَافقَ انتهاء نجيب محفوظ من كتابة الثلاثية مع قيام ثورة 1952 فى مصر، فاضطر إلى التوقف عن الكتابة عدة سنوات لأنه كان فى حاجة إلى استيعاب الحدث الكبير والتفاعل معه، لكنه حين استأنف الكتابة فى مطلع الستينيات من القرن الماضى لم تأتِ نصوصه مناصرة لـ«الثورة»، بل أقرب ما تكون إلى النقد والحفر فى زمنية ذات مدى بعيد (اللص والكلاب، أولاد حارتنا، ثرثرة فوق النيل).

والمثل الثانى متصل بما تعيشه المجتمعات العربية اليوم من انتفاض وثورة، حيث نجد كاتبا هو الطاهر بنجلون سارَع إلى إصدار رواية «الشرارة»، التى استوحى موضوعها من هبة تونس وبطولة البوعزيزى، الذى أحرق نفسه احتجاجا على الظلم والتسلط فكان الشرارة، التى أوقدت شعلة الثورة الشعبية.

لكننا حين نقرأ الرواية المتزامنة مع أحداث الواقع الذى تحيل عليه، لا نجد أن النص يضيف شيئا أو يضىء زوايا تعمق الإحساس والتأمل، وإنما هى عبارة عن رواية فضفاضة ترسم مسار شاب تونسى ربما يشبه البوعزيزى أو غيره فى مجتمعات عربية أخرى، ولكن من دون تجسيد خصوصية التجربة التونسية المتشابكة الحلقات، التى جعلت من البطل سلسلة واصلة بين عدة حلقات.. وهذا الحرص على إصدار رواية «متزامنة» مع سخونة الأحداث قد يكون الدافع إليه انتهاز المناسبة لتحقيق مبيعات مربحة لدى القراء الفرانكفونيين المتطلعين إلى فهم ما يحرك جماهير الشعوب العربية ضد طغاتها.

لذلك لا يكفى، فى نص روائى، أن يردد الكاتب ما نشرته الصحف وتلفظ به المعلقون عن الاستبداد والظلم واحتقار كرامة المواطن.. هل نقول عن مثل هذه الرواية إنها تواكب الثورة وترسم ملامح الأفق الجديد؟ أنا شخصيا لا أرى ذلك، وأميل إلى البحث عن ثورية» الأدب ضمن الإطار الخصوصى، الذى يجعل المبدع يبلور رؤيته الشخصية إلى العالم والمجتمع استنادا إلى «الحقيقة» الرافضة للماضوية والشعاراتية، والحريصة على أن يتشبث الإبداع بالجمالية والتحرر من ضغط السوق، والتهافت على الربحية على حساب متطلبات الإبداع.

الخميس، 19 مايو 2011

بعض السمات العامّة التي تحكم انتفاضات منطقتنا...


صادق جلال العظم
الحياة 
17 مايو 
لماذا في هذا الوقت بالذات؟ هو السؤال الكلاسيكي المعهود الذي ترفعه، فوراً وبعصبية ظاهرة، عقليات نظرية المؤامرة وتفسيراتها السوريالية لحظة وقوع أي حدث ملفت، إن كان في العالم العربي أو العالم الإسلامي عموماً. أما الملفت للنظر حقاً في أيام ربيع الانتفاضات الشعبية السلمية والمدنية والمدينية على أنظمة الاستبداد العربية – والتي لم أكن أتوقع بأن أحيا بما فيه الكفاية لأعيش أيامها وأتابعها – فهو أن الطرف الذي هرع بعصبية لا تجارى وبهلع لا تخطئه العين إلى الاحتماء بـ «المؤامرة» وبنظرياتها وتفسيراتها هو أنظمة الاستبداد ذاتها، وليس الأوساط الشعبية الثائرة والتي كنا نقول عنها دوماً إنها هي المغرمة، إلى حد الخبل أحياناً، بالتعليلات المؤامراتية وبسذاجاتها وتبسيطياتها.
هذا، بعد أن كانت أنظمة الاستبداد نفسها ودول الإكراه التابعة لها قد بذلت جهوداً حثيثة في تقديم نفسها على أنها المركز المُرَكَّز للميول الأكثر عقلانية واستنارة وإحاطة ووطنية ومدنية في مجتمعات عربية ما زالت الانقسامات العمودية، الطائفية والمذهبية والإثنية والقبلية والجهوية، تفعل فعلها التفتيتي في شعوبها وفعلها التأخيري التفويتي في مجتمعاتها.
إلا أن المعادلة انقلبت فجأة رأساً على عقب. قلبتها الانتفاضات الشعبية من تونس إلى اليمن مروراً بمصر وسورية والبحرين وليبيا و... وقد شاهدنا الأنظمة العربية إياها وهي تتشبث، في ساعة الحقيقة، تشبثاً ميكانيكياً تكرارياً وعصابياً بأكذوبة «المؤامرة» وتتمسك، كيفما اتفق، بالالتواءات الكافكاوية لمنطقها الهاذي والمتضمن كله في السؤال الأصل: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ جواب الشاعر العربي جاهز: في هذا الوقت بالذات لأن طبائع الاستبداد جعلتهم من أولئك الذين
لا يتّقون الشر حتى يصيبهم
ولا يحسنون الأمر إلا تدبّرا
ولأنهم غدوا «لا يحسنون الأمر إلا تدبرا»، تحولت في نظرهم تلك الجموع الهائلة المنتفضة من شعوب اليمن وليبيا وتونس ومصر وسورية والبحرين إلى لا أكثر من قطاع طرق، ومندسّين مخربين، وعصابات مسلحة، وإرهابيين قتلة، هذا في أحسن الأحوال، وإلى مجرد جرذان وفئران وحشرات وما شابه، في أسوَئِها.
بطبيعة الحال ليس المطلوب كشف أية مؤامرة حقاً ولا أية إجابة جادة أو شبه جادة عن السؤال: «لماذا في هذا الوقت بالذات؟»، بل المطلوب كل المطلوب هو القدح الخبيث في استقلالية الجمهور الكبير الثائر والمطالب والمضحي، والتشكيك الماكر في أهليته وسيادته على نفسه مع التلميح الملتوي إلى قصوره العقلي والسياسي والوطني إضافة إلى الإيحاء بوجود إرادات شريرة خفية ونوايا مؤذية مموَّهة خلف تحركه وانتفاضته، لا تعرف كنهها أو تفهم خطرها على الوطن ووحدته سوى تلك «الأيدي الأمينة» الحافظة للنظام وأمنه ودولته وسلطته ما من شأنه التوحيد بين أمن الاستبداد وتسلطه واستمراره من ناحية، وأمن الشعب والوطن والدولة وديمومتها جميعاً، من ناحية ثانية.
الشعب التونسي حرّ
لكن جموع المحتجين والمعارضين والمنتفضين من أهل الربيع العربي قدمت أجوبة من نوع آخر عن السؤال: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ وما من جواب أكثر بلاغة عن السؤال من تلك الصرخة التي أطلقها ذلك المحامي الشاب، وهو يتلوى فرحاً ويهتز نشوة في أحد شوارع تونس العاصمة: «الشعب التونسي حر»، لحظة سماعه بفرار زين العابدين بن علي وعائلته من البلاد، صرخة مدوية تابعها العالم أجمع صوتاً وصورة في كل مكان تقريباً على سطح الكرة الأرضية.
بعبارة أخرى: ثورة الياسمين جاءت في هذا الوقت بالذات لأن الشعب التونسي حر وليس لأنه ضحية لأية مؤامرة. ولا يقل عن ذلك الجواب بلاغة تحسُّر ذلك الشيخ التونسي الذي شاهدناه جميعاً على شاشات التلفزة وهو يتلمَّسُ شيبته ويقول متأسفاً على عمره الضائع، «هرمنا، هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية»، التي أتته وأتتنا متأخرة، ولكن لحسن حظنا جميعاً، قبل فوات الأوان.
جواب ثالث بليغ تابعناه بالصوت والصورة أيضاً: في هذا الوقت بالذات لأن «الشعب يريد إسقاط النظام»، إنقاذاً للوطن ولنفسه معاً، وليس إنجراراً أبله وانسياقاً ساذجاً مع مؤامرة أكَّد صاحب «الأيدي الأمينة» الرئيس علي عبدالله صالح، مُحقِّراً شعب اليمن، بأنها تحاك في البيت الأبيض وتدار من تل أبيب.
هناك من رأى أن انتفاضات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن والبحرين وسورية وليبيا وغيرها هي استمرار للثورة الإسلامية الشعبية في إيران على الاستبداد الشاهنشاهي بالبلاد، أو هي محاكاة ما للحراك الشعبي الديموقراطي العارم الذي أطاح بنظام سوهارتو العسكري الديكتاتوري في إندونيسيا (1997 – 1998)، أو هي امتداد لانتفاضة الأرز المليونية التي خلَّصت لبنان عام 2005 من الوصاية العسكرية والأمنية السورية المريرة على الجار الصغير، أو هي تقليد لحركة الاحتجاج والتظاهر الخضراء في إيران في 2009 اعتراضاً على التزوير الحاصل في الانتخابات الرئاسية هناك لإنجاح مرشح النظام محمود أحمدي نجاد. وهناك من ذكر، في هذا الصدد، الحراك الشعبي السلمي الهائل الذي أطاح بحكم ديكتاتور الفيليبين فرديناند ماركوس وزوجته إيميلدا عام 1986 لمصلحة حكم ديموقراطي جديد ومقبول.
ربيع دمشق، 2000
لا تعير هذه الظنون والافتراضات، على جدارتها، أية أهمية تذكر لربيع دمشق في 2000. فهو، في هذا السياق، يشكل، في نظري، نوعاً من «المقدمة النظرية» و «البروفة» الأولية السلمية والمسالمة كلياً وقته لما ستتفجر عنه الانتفاضات العربية اللاحقة من شعارات ومطالب وشكاوى ونداءات وتطلعات وتضحيات.
أقول إن الريادة عربياً في هذا المضمار كانت لربيع دمشق لأن مجموع الشعارات والمطالب والاحتجاجات التي رفعتها الانتفاضات الشعبية العربية من تونس إلى اليمن مروراً بليبيا الجريحة، موجودة كلها تقريباً – بصيغة راقية جداً – في الوثائق السياسية – النقدية – الإصلاحية التي طرحتها حركة إحياء المجتمع المدني في سورية أثناء ربيع دمشق القصير.
فقد طرحتها للنقاش الديموقراطي العام عبر موجة واسعة من المحاضرات والندوات والسجالات والمنابر والمنتديات والجلسات والأطروحات والأطروحات المضادة والانتقادات والكتابات التي عمت سورية كلها في تلك الفترة.
وكان الأمل في أن تشارك القيادة الشابة لسورية وقتها في هذا الحراك الحي والمنعش وأن تدلي بدلوها في سجالاته الجارية تمهيداً لتشكل رأي عام جامع بالنسبة لما تحتاجه سورية من إسعافات عاجلة وإصلاحات متوسطة ومعالجات آجلة. على سبيل المثال، إن «بيان الـ 99» مثقفاً سورياً (دمشق 30/9/2000) و «الوثيقة الأساسية للجان إحياء المجتمع المدني» المعروفة بـ «بيان الألف» (دمشق، كانون الثاني – يناير 2001) و «بيان ملتقى أنصار المجتمع المدني» (دمشق، آب – أغسطس 2002) تتناول وتشخص بدقة وإيجاز المسائل والقضايا والمعضلات والثغرات التي ثارت بسببها، ومن أجل تسويتها وإصلاحها، كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين عام 2011، وعلى رأسها الحرية والكرامة.
معروف أن شيئاً مما ارتجاه ربيع دمشق وتطلع إليه لم يحدث أو يتحقق، بل حدث عكسه تماماً بقيام السلطة الأمنية بخنق مناقشات الربيع تدريجاً وصولاً إلى وأده تماماً قبل أن تتفتح أية زهرة من أزهاره. قُمع ربيع دمشق: لأنه تحسس علناً الأزمات المتراكمة في البلد من دون أن تكون له يد في صنعها؛ ولأنه تلمّس صراحة الانسدادات والاختناقات التي أخذ النظام ينوء تحتها، علماً بأنه لم تكن له يد في جلبها، ولأنه استجاب بوضوح إلى حال التردي العامة في المجتمع، مع العلم أنه لم تكن له يد في إنتاجها؛ ولأنه انفعل بمشكلات مستعصية ومآزق مستشرية في طول البلاد وعرضها، مع العلم أنه لم تكن له يد في فعلها. لهذا السبب وفي هذا الوقت بالذات سالت الدماء الزكية في شوارع مدن سورية وبلداتها وقراها، وليس لأن جموع المحتجين في جميع أنحاء البلاد تنفذ مؤامرة خارجية جهنمية للنيل من استقرار الوطن ومنعته.
والخوف كل الخوف في أن تكون سياسة التعامي الإرادوي الرسمية عن هذا كله، وسياسة التعامل الأمني مع كل احتجاج وتظاهر ورفع مطالب شعبي سلمي على أنه فتنة وتمرد وعصيان وخيانة لا أكثر، قد عمَّقت شرخاً عميقاً، لا نجاة منه في المستقبل المنظور، بين النظام الحاكم والمجتمع السوري عموماً – سياسات ستدفع بهذا الشرخ، إن لم تتوقف، للتحول إلى فتنة طائفية وطوائفية معممة في البلاد حتى لو ظلت مستترة تقيةً إلى حين انفجارها مجدداً.
طبيعة الانتفاضات
سُمِّيت انتفاضات الربيع العربي الراهن بثورات الشباب وثورات التكنولوجيا العالية للاتصالات والمعلوماتية مثل الإنترنت والكومبيوتر المحمول والتلفون النقال وفايسبوك وتويتر ويوتيوب والفضائيات المتابعة لتطور الأحداث لحظة بلحظة وعلى مدار الساعة. وفي هذا كله نقلة نوعية هائلة لعبت بصورة حاسمة لمصلحة الشعوب الثائرة، وبمساعدتها على تعزيز المنحى السلمي لتحركها، وعلى الظهور بمظهر الحراك الواعي والمثقف المتمكن من أحدث إنجازات العصر في ميدان تكنولوجيا الاتصالات وتبادل المعلومات ونقل المعارف والاتصال والتواصل اللحظي في شكل عام.
وفي الوقت نفسه وضعت النقلة النوعية هذه الأنظمة وأجهزتها الأمنية في موضع المتخلّف عن الركب الذي ليس لديه من أسلوب للتعامل مع الوضع المستجد إلا الاحتماء وراء الخصوصيات التي نعرف أنها تميز كل دولة عربية عن أخواتها والإصرار المفاجئ على كل ما يفرِّد أي بلد عربي عن جاره أو يفرِّقه عن باقي البلدان العربية.
من هنا الادعاء الحكومي الرسمي العربي الصاخب، في زمن الثورات والانتفاضات، بأن مصر ليست تونس وأن ليبيا ليست مصر أو تونس وأن سورية ليست تونس أو مصر أو ليبيا... هذا في وقت لم تكن مصر يوماً أكثر شبهاً بتونس ومصر والبحرين وليبيا مما هي عليه اليوم على أرض الواقع الثوري القائم ذاته. فكما أن المواطن البحريني المنتفض يريد إصلاحاً يؤمن له ملكاً دستورياً حقيقة ورئيس وزراء لا يعيّنه القصر بل تفرزه الساحة، فإن المواطن المصري والسوري المنتفض بدوره يريد هو أيضاً إصلاحاً يؤمن له رئيساً دستورياً حقيقياً للجمهورية ورئيس وزراء لا يعينه القصر، بل تفرزه الساحة الأكثر ديموقراطية في بلده.
لذا أقول: لم يشعر المواطن العربي منذ زمن طويل نسبياً بتقارب المجتمعات العربية وتشابهها، مشكلات ومعضلات وتحديات وانسدادات واستبدادات وحراكات ومخارج وحلولاً، كما أخذ يشعر في زمن الربيع العربي الثوري الراهن. حتى المعادلة القومية العربية الرومانسية القديمة القائلة «بوحدة آلام الأمة وآمالها» اكتسبت أخيراً معنى ملموساً، إذ أصبح واضحاً أن آلام شعوب اليمن وتونس ومصر وسورية وليبيا والبحرين وآمالها، على سبيل المثال، لم تكن في يوم من الأيام متوحدة عيانياً، وليس رومانسياً، ومتشابهة عملياً، وليس تجريدياً، كما هي اليوم بالفعل، على ما يتبين من مطالب المتظاهرين وشعاراتهم واحتجاجاتهم وسلوكهم في كل دولة من دولنا العربية تقريباً.
لقد أظهر الربيع العربي «وحدة عربية» من نوع آخر أيضاً تجسدت في منهج الأنظمة وأجهزتها الأمنية في التعامل الميداني مع الوضع الشعبي الثوري المستجد. فقد أثبتت كلها أنه ليس عندها من حيلة أفضل من القمع العنيف والقنص من بعيد وإطلاق الرصاص الحي على المدنيين وتعريض جموع المتظاهرين والمحتجين والمعارضين إلى هجمات البلطجية والشبيحة بشراستها القاتلة. لذلك، يمكننا القول أيضاً بأنه لم تظهر وحدة الأنظمة العربية الأمنية وتشابهاتها في الاستبداد ببلدانها وفي الاستتباع لشعوبها كما ظهرت في أيام الربيع العربي المجيدة.
لا بد من تحفظ هنا عن بعض النزعات التي تريد أن تختزل ثورات الربيع العربي والجديد فيها، خصوصاً في نموذجي تونس ومصر، إلى الفئة العمرية الشابة الطاغية فيها وإلى تكنولوجيا الاتصالات العالية المستعملة على نطاق واسع في تسييرها. الشعوب تصنع الثورات والانتفاضات، والبشر هم الذي يتظاهرون ويحتجون ويعترضون ويستخدمون التكنولوجيا بأدواتها المتوافرة لهم مهما كان نوعها. معروف أن الشباب يشكلون الفئة العمرية الأوسع والأكبر في التركيب الديموغرافي للشعوب العربية عامة. لذا، لا مفاجأة في أن تميل انتفاضات شعوبنا الآن إلى أن تكون ثورات شباب وشابات، ولا غرابة في أن يستعمل هؤلاء التكنولوجيا المعاصرة المتوافرة لهم تماماً كما استعملت الثورات والانتفاضات في أزمنة سابقة الكاسيت والراديو والترانزيستور والجريدة والنشرة والكُرّاس وإذاعة صوت العرب وحتى الحمام الزاجل، في تحقيق أهدافها وخدمة أجنداتها.
قطع مع الزعامة الكاريزمية
في الوقت ذاته قطعت شبابية هذه الانتفاضات قطعاً جذرياً مع التقليد العربي العريق الذي يتطلب صعود زعامات كاريزمية تلتف حولها وحول قيادتها جماهير الثورة نفسها، كشرط لازم للنجاح وتحقيق الأهداف والمطالب. فانتقلت بذلك كاريزما اللحظة الثورية من التمركز المعهود في الفرد القائد أو الزعيم الفذ إلى الانسياب والسريان في الجموع المحتشدة في ساحات التحرير والتغيير العربية ليصبح الحشد نفسه هو اللحظة الكاريزمية الحقيقية للثورة والتغيير، وهذا تطور مهم جديد علينا بالتأكيد.
لهذا السبب، تميزت ساحات التحرير والتغيير في تونس والقاهرة وصنعاء والمنامة وبنغازي، مثلاً، بمشاركة مدنية كثيفة جداً للنساء وبالحضور المشهود للأطفال والأولاد والبنات في مدن ومجتمعات محافظة جداً، إضافة إلى أشكال من الفن وأساليب التعبير المبتكرة من موسيقى وعزف وأغنيات، إلى تمثيليات ورقصات وبالونات وصلوات، مروراً برسوم ساخرة وتعليقات هازلة وكتابات «غرافيتي» ناقدة، ذلك كله بوجوه فرحة عموماً على رغم البلطجة الهاجمة والتشبيح المميت والقمع المعمم والرصاص الحي بالجملة.
هذه كلها ظواهر شبابية جديدة مبتكرة لم نعهدها سابقاً في تظاهراتنا واحتجاجاتنا وانتفاضاتنا التي كانت دائماً عابسة بقسوة، متجهمة الوجه بشدة، غاضبة بحدة، مزمجرة بعدوانية وميالة إلى إحراق الأعلام وغير الأعلام وإلى إضرام النار في الكتب والمنشورات ومهاجمة السفارات ورفع شعارات العنف والتهديد والوعيد.
في الواقع، انحصر معظم هذه المظاهر القبيحة، وللمرة الأولى، في محيا أنظمة الاستبداد والقمع نفسها وفي سلوك أجهزتها ورجالاتها وبلطجيتها وشبيحتها و «أيديها الأمينة» دون سواهم، فكانت سيماهُم في وجوههم من كثرة السجود والارتزاق والولاء الأعمى.
لقد أثبتت اللحظة الكاريزمية لانتفاضات الربيع العربي نضجاً فائقاً تمكن من تخطي السيناريو الحديد الترويعي الذي روجت ومكنت له الأنظمة وعملت على أساسه لفترة مديدة. إنه السيناريو الذي كان يضع مجتمعاتنا أمام خيارات قاسية وصارمة لا فكاك منها من النوع الآتي: إما استمرار استبداد دولة الأحكام العرفية وحالة الطوارئ والأجهزة الأمنية القائمة حالياً، من جهة أولى، أو حكم القوى الإسلامية الأصولية الظلامية العازمة على إلغاء تاريخنا الحديث باسم الحاكمية الإلهية وعبر أحكام عرفية جديدة اسمها الشريعة الإسلامية بقانون عقوباتها المعروف، من جهة ثانية، أو التفتت العمودي الطائفي والمذهبي والإثني والجهوي والعشائري والقبلي للبلد والدولة مع ما يعنيه ذلك من فتن وحروب أهلية، من جهة ثالثة.
في الحقيقة، سلكت الأنظمة إياها سلوكاً ماكراً واعتمدت سياسات داخلية مصلحية فئوية ضيقة وهدامة هدفها الأساسي تدمير كل الاحتمالات والإمكانات والبدائل التي يختزنها المجتمع المدني في ذاته، بحيث لا يجد الناس أنفسهم إلا أمام الخيارات الثلاثة الشريرة المذكورة أعلاه، فيضطرون لاختيار أهون شرورها، أي الاستكانة والخضوع والقبول ببقاء كل شيء على ما هو عليه مهما كان رديئاً. أما الأخ القائد العقيد معمر القذافي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بتبنيه الاختيار الشمشوني: إما أنا... أنا... أنا... والعائلة والأولاد في السلطة، أو أهدم معبد الوطن الليبي على رؤوسنا جميعاً.
تجاوزت الانتفاضات الشعبية هذا السيناريو التهديدي التجميدي – تجاوزته من حيث المبدأ – بمدنيتها الشفافة ومواطنيتها الجامعة ووطنيتها المنفتحة وإنسانويتها المتسامحة وديموقراطيتها الوليدة. كما أن الجهد المطلوب لتفعيل هذا التخطي وتعزيزه واستكمال عناصره على المدى المنظور، والعمل بوحي القيم والخصائص والمبادئ التي أفرزها بالممارسة العملية اليومية في لحظته الكاريزمية المؤسِّسة، هو القادر على استيعاب الولاءات والعصبيات والمذهبيات الأهلية تحت المدنية والوطنية في مجتمعاتنا وعلى كبح جماحها وإذابتها عبر تصعيدها باتجاه اندماج وطني أرقى. وهو القادر أيضاً على التعامل مع الديموقراطية وآلياتها الدستورية والانتخابية في شكل لا يسمح لأية أكثرية سياسية – انتخابية، مهما كانت، باحتكار السلطة والاستبداد بالبلد مجدداً، وذلك عبر حفظ حق الأقلية السياسية – الانتخابية في أن تمارس دورها الديموقراطي المعارض في المجتمع والدولة، وحقها في أن تُحوِّل نفسها ديموقراطياً إلى أكثرية حاكمة جديدة لاحقاً. إذ من قال إن الأكثرية، متروكة لسجيتها بلا ضوابط، لا تستبد بنفسها وبشعبها وبدولتها وبأقلياتها. وهو القادر كذلك على تأمين المزيد من التمكين للمجتمع المدني وقواه وحراكه وقواعد التعامل فيه؛ وعلى تأكيد التوسع في معنى مدنية الدولة وحياد أجهزتها ومناصبها وأحكامها وإجراءاتها بما في ذلك مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء؛ وعلى ضمان حد أدنى من الاحترام لحقوق الإنسان والمواطن والمواطِنة وحرياتهم الشخصية والعامة جميعاً وعلى رأسها حرية الضمير والتفكير والمعتقد والتعبير والعبادة أو عدمها.
*****
أخيراً، قالت لي زوجتي إيمان إذا كان المجد يعود إلى الشاب محمد البوعزيزي لإطلاقه شرارة ثورة الياسمين في تونس، بإحراقه نفسَه وليس غيرَه احتجاجاً، وإذا كان المجد يعود إلى الشاب المصري خالد سعيد الذي قضى تحت التعذيب بعد أن اعتقلته الأجهزة الأمنية المعروفة، فانتقلت شرارة الانتفاضة إلى الساحات والميادين في مصر، فإن مجد إطلاق شرارة انتفاضة الشعب السوري يعود، بالتأكيد، إلى فتيان درعا الذين اقتلعت أظافرهم وأحرقت أكفهم بالنار بعد الاعتقال.
* مفكّر سوريّ... والنصّ أعلاه يُنشر في وقت واحد مع مجلّة «الطريق» اللبنانيّة في عدد خاصّ بالانتفاضات العربيّة.

الطائفية وجع فى قلب مصر


حديث حول العنف الطائفي 
كتب د.محمد نور فرحات 
المصري اليوم 19 مايو 2011
ليس صحيحا ما يروج له البعض من أقاويل كاذبة تفترى على التاريخ بأن المسلمين والأقباط كانوا دائما يعيشون فى وطن واحد فى حالة وئام وانسجام يرفعون شعار وحدة الهلال مع الصليب، وليس صحيحا أن خلافاتهم الطائفية الدينية التى نشهدها اليوم هى من الأمور العارضة على التاريخ المصرى، التى يجب أن نتجاوزها لنعود إلى حالة السلام والحب والوفاق التى ورثناها عن أجدادنا وورثها أجدادنا عن أجدادهم وإن علوا. الصحيح أن أحداث العنف الطائفى يزخر بها تاريخنا الاجتماعى المصرى والعربى تطفو على السطح وتفرض نفسها على واقع المصريين فى سياقات ثقافية واجتماعية معينة فى ظل ضعف أو تواطؤ السلطة العامة، وتختفى فى سياقات تاريخية واجتماعية أخرى يتسم فيها البناء الاجتماعى بالنضج والرشد. تتميز السلطة العامة بإدراك واحترام مسؤوليتها عن تنفيذ القانون. فالتعامل مع الظاهرة الطائفية لا يكون بإنكارها باعتبارها شذوذا على حركة التاريخ وإنما بالتعامل مع أسبابها بما يمكننا من استئصالها من واقعنا بكل ما تخلفه من آثار وما تحمله من ظلال كئيبة. 
فى القرن الرابع الهجرى، أى منذ ما يزيد على ألف عام، كتب الشاعر الفيلسوف العربى الأشهر أبوالعلاء المعرى يقول عن التنابذ الطائفى فى الشام. فى اللاذقية ضجة. ما بين أحمد والمسيح- هذا بناقوس يدق- وذا بمئذنة يصيح. كل يعظم دينه. ياليت شعرى ما الصحيح؟
ويحدثنا المقريزى فى كتابه. المواعظ والاعتبار «عن أحداث طائفية حدثت فى مصر بعد ذلك بحوالى قرنين من الزمان عام ٧٢١، وهى المعروفة بأحداث كنيسة الزهرى فيقول. إلى إن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول من هذه السنة وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، تجمع عدد من الغوغاء بغير مرسوم السلطان وقالوا بصوت عال الله اكبر. وامتدت أيديهم نحو كنيسة الزهرى وهدموها حتى بقيت كوما وقتلوا كل من كان من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها، وهدموا كنيسة مارمينا التى كانت بالحمراء، وتسلق العامة إلى أعلاها، وفتحوا أبوابها وأخذوا منها مالا وقماشا وخربوا واهلكوا كل ما فيها، فكان أمرا مهولا» ويستطرد المقريزى كذلك فى حديثه عن العنف الذى مارسه الأقباط ضد المسلمين بهدم مساجدهم ثأراً لهدم الكنائس.
وفرضت المسألة الطائفية نفسها على الواقع المصرى بإيعاز من الاحتلال الفرنسى إبان حملة نابليون بونابرت على مصر عام ١٧٩٨ فكون نابليون جيشا من الأقباط لمناصرته برئاسة الجنرال يعقوب، ثم بإيعاز من الاحتلال البريطانى الذى كان من أولويات أجندته المعلنة حماية الأقليات. ثم عقد المؤتمر القبطى سنة ١٩١١ الذى أعقبه المؤتمر المصرى بعد عدة شهور.
وخفتت حدة المسألة الطائفية مع قوة ساعد الحركة الوطنية بثورة ١٩١٩ وسمعنا عن وحدة الهلال مع الصليب كما استمعنا إلى مكرم عبيد باشا وهو يعلن أنه مسيحى الديانة مسلم الحضارة. وتلاشت تقريبا مع ثورة ١٩٥٢ والمشروع النهضوى لعبدالناصر، إلى أن عادت مرة أخرى وبحدة فى عصر الرئيس السادات الذى مزج بين الدين والسياسة وسعى إلى تسييس الدين وتديين السياسة لأسباب أدخل فى باب المناورة على كرسى الحكم منها فى باب الحرص على مصلحة الوطن أو الدين. وشهد هذا العصر العديد من التحرشات الطائفية أبرزها فى حوادث الخانكة وفى الزاوية الحمراء، ثم اشتدت حدة المسألة الطائفية فى عصر مبارك الذى شهد عنفا غير مسبوق من جماعات الإسلام السياسى موجهاً ضد رموز الدولة وضد اقتصادها ممثلا فى السياحة وضد المثقفين الليبراليين وضد الأقباط.
اليوم وبعد سقوط نظام مبارك وبعد نجاح ثورة يناير الديمقراطية فى الإطاحة بهذا النظام المستبد، تتصاعد- وياللدهشة والغرابة- حدة العنف الطائفى الموجه ضد الأقباط وكنائسهم وإن تبدلت مواقع الجناة. فبدلا من الغوغاء الذين تحدث عنهم المقريزى والحرافيش والزعر الذين تحدث عنهم ابن إياس والجبرتى حلت جماعات الاسلام السياسى العنيفة فى عصرى السادات ومبارك وجماعات السلفيين والبلطجية بعد سقوط مبارك. احتلت هذه الجماعات صدارة مشهد العنف الطائفى فى مصر.
ما هى الدروس التى نستقيها من هذا السرد التاريخى المتعجل لقصة الأحداث الطائفية فى مصر. هل من هذه الدروس أن نردد القول الساذج بأن علاقة المسلمين بالأقباط هى علاقة وئام وأن الإسلام يأمر أتباعه بحماية النصارى، وأن المسيحية تدعو أتباعها أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم ويحسنوا إلى الذين أساءوا إليهم. هذا لغو فى مجال الجد وهروب من محاولة فهم ظاهرة تهدد مستقبل الدولة المصرية بأكملها. الدروس التى نستفيدها من هذا العرض التاريخى هى كما يلى.
أولا: إن الأطراف الفاعلة فى مشهد العنف الطائفى لا تتمثل فى الشرائح الاجتماعية المصرية المنتجة للإنتاج المادى أو الفكرى. ليسوا هم العمال أو الفلاحين أو المثقفين والأدباء والفنانين على اختلاف توجهاتهم ورؤيتهم. بل هى جماعات تقع على هامش الجسد الاجتماعى النابض. جماعات الغوغاء أو الجعيدية والزعر والحرافيش فى العصر العثمانى أو البلطجية. وهى لفظة تركية تعنى حاملى البلط من الخارجين على القانون. والدهماء فى عصرنا وهم ممن لا فكر لهم، ويتدثرون برداء الثقافة الدينية طلبا للعصبية والمكانة الاجتماعية والدور المفتقد. حقيقة قد تلعب بعض جماعات الساسة والمثقفين ذوى المرجعية الدينية من الطرفين دورها فى ازكاء ثقافة التمييز والكراهية الطائفية، ولكنها جماعات لا تمارس بنفسها أفعال العنف الطائفى بل تترك ذلك لمن اصطلح على تسميتهم الرعاع والدهماء.
المشكلة أن ثلاثين عاما من حكم مبارك بما اشتملت عليه من سياسات متعمدة لإفقار الجماهير وتسطيح الفكر وإزكاء الشعور الدينى الطائش قد أدت إلى اتساع شريحة الرعاع والدهماء هذه اتساعا لا نظير له فى التاريخ الاجتماعى المصرى. هذه الشريحة الاجتماعية الجاهلة المتهورة فى انفعالاتها المتدينة تدين المتنطعين الذين يوغلون فى الدين بعنف. يحفظون من الدين قشوره دون معناه وروحه وجوهره، هذه الشريحة قوامها ولحمتها ونسيجها هم من سكان القبور والعشوائيات والأحياء الفقيرة وجماعات العاطلين المتبرمين على المجتمع ومن فيه، وهم يعدون فى مصر بالملايين من الفقراء والمعدمين والمهمشين الذين يثورون، لأن امرأة تنصرت أو أسلمت أكثر من ثورتهم فى وجه حاكم مستبد يمارس ضدهم التعذيب والتجويع وإهدار الكرامة.
هذه الملايين لا تحمل فى عقولها أو أفئدتها أى قدر من الثقافة المصرية التقليدية المتسامحة الساخرة الفكهة الصابرة، بل إن ثقافتها هى ثقافة الغضب والعنف والقسوة والفظاظة والغلظة فى التعامل. هذه الملايين ولأن الوطن قد قسا عليها فى عيشها فقد رمته وراء ظهرها وأصبح الدين، وفقا لمفهومها، هى عن الدين، بتراثه الفظ الفج لا بتراثه السمح المتسامح، أصبح هو مرجعيتها الثقافية. وهكذا أصبح الجلباب القصير واللحية الممتدة والشارب المحفوف والوجه المتجهم وعلامة الصلاة المنقوشة نقشا وترديد أحاديث كثيرها موضوع، أصبح كل هذا هو الزاد الشكلى والموضوعى لجماعات تخلت عن حضارة المصريين المتدينة السمحة وعن تراث الإسلام الذى يتسع لقبول المخالفين فى الرأى وتوقيرهم واحترامهم. لقد أصبح التدين الشكلى المتجهم الذى يكره الآخر ويتحرش به هو المعادل الموضوعى لتعويض المكانة الاجتماعية والاقتصادية المهدرة.
ثانيا: هذه القاعدة الاجتماعية للعنف الطائفى كان من الممكن التعامل معها والحد من شرورها لو لم يكن يتم تغذيتها يوميا بواسطة الثقافة الدينية البدوية الوافدة إلينا عبر الصحراء من بلدان، أرقها كثيرا أن تقوم فى مصر ثورة تطالب بالحرية والديمقراطية. تلك الثقافة التى يتم نشرها عبر قنوات تليفزيونية تمول خليجيا. وأظن أن أصابع الإسلام البدوى الفج ليست بعيدة عما يجرى فى مصر الآن. وقد تتحد مصالحه مع مصالح عدونا التاريخى إسرائيل التى أرقها كثيرا أن تنحو الدبلوماسية المصرية منحى يعيد النظر فى ثوابت التبعية التى استقرت عليها الدبلوماسية المصرية عقودا من الزمان.
لقد زلزلت الثورة ثوابت عصر مبارك بأكملها، فحلت قيم الحرية والحداثة محل قيم الاستبداد والفساد والاستعلاء والتجبر، وحلت قيم الاستقلال الوطنى محل عادة الائتمار بأوامر السادة الإسرائيليين ومن شايعهم، إنها ثورة تنذر بكثير من المخاطر على مصالح خارجية تجذرت لعقود فى السياسة المصرية. لذا كان لا بد من العمل على زلزلة الأرض تحت أقدام الثورة بتوجهها الجديد، والبديل الجاهز لزلزلة الثورة بل وتقويضها هو إحياء العنف الطائفى، والقوى الاجتماعية لممارسة هذا العنف جاهزة فعلا ومستعدة متأهبة فى أزقة مصر وحواريها ومدنها الفقيرة وما أسهل إشعال نيرانها بعود ثقاب طائفى، بإطلاق شائعة عن امرأة تنصرت أو أخرى أسلمت أو ثالثة أحبت شخصا مختلفا عنها فى الدين وهربت معه من منزلها وهلم جرا من أمثلة استنفار الثقافات المنحطة بروايات منحطة تنفر لها عروق مشايخ وقساوسة الفضائيات الأكثر انحطاطا.
ثالثا: هذه القاعدة الاجتماعية الفقيرة فى مالها وفى عقلها وفى فكرها وفى دينها وفى عيشها، كانت هى بمثابة جيوش الظلام التى تخرج دائما للدفاع بالروح والدم عن مصالح أولياء نعمتها. وأول أولياء نعمتها هم رموز النظام السابق من رجالات الحزب الوطنى المنهار ورجالات أمن الدولة. كانت هذه البروليتاريا الرثة هى الجيوش الجلفة الفظة الجائعة التى أطلقها رجال النظام السابق وأجنحته السياسية والأمنية كالوحوش الكاسرة لتزوير وتشويه الانتخابات البرلمانية. وهى نفسها القوى الجاهزة لأن تتلقى لفافات الطعام وبعض أكياس الفاكهة وأوراق النقود مقابل أن يتم حشدها للإدلاء بأصواتها للقوى المحافظة على الساحة السياسية المصرية، وهى نفسها أيضا القوى الجاهزة لممارسة العنف الطائفى وغير الطائفى عندما تصدر لها أوامر بذلك.
رابعا: هذه القاعدة الاجتماعية للعنف والطائفية والقهر والتزوير هى النقيض المقابل والمعادى والمناهض للقاعدة الاجتماعية لثورة يناير. لقد قامت ثورة يناير على أكتاف وبعقول شباب مثقف واع بقيم الحداثة نجح فى حشد جماهير المصريين العاملين من عمال وفلاحين ومهنيين وفقراء وأغنياء ومتوسطى الحال لإسقاط نظام أظلم حياة الجميع بفساده واستبداده. هؤلاء هم المتظاهرون من أجل العدالة والحرية والكرامة وإسقاط النظام الفاسد المستبد، الذين لم يفرقوا بين مسلم وقبطى أو بين رجل وامرأة.
أما الغوغاء والدهماء الذين يدفعون ويدفع لهم لممارسة العنف الطائفى وإن طالت لحاهم، فهم نقيض قوى الثورة الحقيقية، إنهم فرسان وحمير وبغال موقعة الجمل، ومقاتلو معارك تنقيب النساء وقطع الآذان والهجوم على الكنائس. قوى الثورة هى قوى الديمقراطية والاستنارة، وقوى إجهاض الثورة هى القوى التى تعمل فى خدمة مصالح النظام البائد مدعومة بقوى التخلف الدينى والتعصب الطائفى وإشاعة ثقافة التمييز. هكذا الأمر بوضوح شديد.
خامساً: ورغم كل ذلك، كان من الممكن التحكم فى جيوش الجهل والفوضى والتعصب لو أننا تعاملنا معها بحزم وسيف القانون دون تأجيل أو إبطاء. لدينا نصوص فى قانون العقوبات تعاقب بالإعدام على ممارسة العنف المنظم ضد طوائف من الناس. ولدينا حالة طوارئ معلنه تستخدم سلطاتها ضد المتظاهرين الذين يرفعون مطالب سياسية أو فئوية ولا تستخدم ضد من يقوضون أركان بنيان الوطن بالعنف الطائفى. ولدينا أوامر عسكرية لمكافحة البلطجة. ولدينا نصوص موضوعية وإجرائية لمكافحة الإرهاب.
 ولكننا بكل أسف وغرابة نواجه مؤامرة أخرى من أجهزة إنفاذ القانون. القانون يتم الدوس عليه بالأقدام كل يوم وساعة ولحظة فى الشارع المصرى دون أن يجد من يرد له اعتباره. لمن يريد أن يمارس البلطجة أن يمارسها اليوم فى مأمن.
ولمن يريد أن يقطع الطريق أن يقطعه اليوم فى مأمن. وليس من خطر يحيق بمن ينتهك حرمات وأموال وأعراض الآخرين. ولمن لا يروقه قضاء المحاكم أن يهدم منصة القضاء على رؤوس القضاة والمتقاضين.
هذا هو حال القانون والشرعية فى مصر اليوم. والمسؤولون عن تنفيذ القانون يجلسون قاعدين متسامرين متفكهين متندرين على ما وصل إليه حالنا. وأصبحنا دولة بها نصوص صارمة للقانون وجهاز رخو عاجز عن تنفيذ القانون. هل يأبى رجال الشرطة عندنا أن ينفذوا القانون إلا إذا أهانونا وصفعونا على وجوهنا وعذبونا دون أن يحق لنا أن نجأر بالشكوى أو أن نطالبهم باحترام القانون والمواطن معا. إذا كانوا كذلك فلتتم محاسبتهم، وليتركوا عملهم إلى حيث يريدون ويستطيع المصريون أن يقيموا لأنفسهم جهازا وطنيا حرا يحفظ لهم أمنهم وكرامتهم معا، المهم أن نبدأ الآن.
سادساً: هل علينا أن ننتظر حتى نجفف منابع القوى الاجتماعية الجاهلة التى يستخدمها المتآمرون على تعدد أطيافهم لممارسة الإرهاب والعنف الطائفى. هل علينا أن ننتظر حتى نعيد غرس ثقافة التسامح والتعايش وتفهم الحق فى الاختلاف؟ بالطبع لا وإلا كان علينا أن ننتظر فى معاناة لهيب العنف والطائفية سنين عددا. لنبدأ الآن وفورا فى تنفيذ حكم القانون بكل ردع وحزم. تلك هى روح ثورة يناير. من قتل يقتل. ومن نهب أو سرق أو روع لابد أن ينزل عليه حكم القانون فوراً. ولا مصالحة فى حق الوطن فى الأمن والطمأنينة. ومن تقاعس عن واجبه فى إقرار الأمن فهو شريك فى الجريمة يتحمل وزرها مثل فاعلها.
ولا تسامح مطلقا مع محاولات بعض الدوائر الكنسية أن تقيم من نفسها دولة فوق القانون. لا تسامح مع امتناع هذه الدوائر عن تنفيذ أحكام القضاء، أو مع اتخاذ الأديرة والكنائس سجونا تحبس فيها نساء رأين لأسباب دنيوية مغادرة المسيحية إلى الإسلام، حتى لو كانت هذه المغادرة غير خالصة لوجه الله والحرية، فنحن مجتمع لا تحكمه قرارات القساوسة أو جماعات أهل السلف. بل مجتمع يحب أن تحكمه قواعد قانونية تنفذها الدولة فى ظل احترام الحريات وحقوق الإنسان وأولها حرية المعتقد الدينى.
تلك هى الروح الحقيقية لثورة يناير ولا بد من الولاء لها وإلا فالطوفان قادم، وتفتت المجتمع المصرى قادم، وشبح الحرب الأهلية الدينية يخيم على الوطن الذى قامت فيه ثورة الحرية، وهذا بالضبط ما يريده من أطاحت بمصالحهم أول ثورة ديمقراطية فى التاريخ المصرى والعربى الحديث والوسيط والقديم، يريدون أن يهدموا الوطن على رؤوس أصحابه، فوسط أنقاض الوطن تمرح خفافيش الفساد. فهل نمكنهم من ذلك ونحن قاعدون؟

الخميس، 21 أبريل 2011

الفائز والمهزوم فى مباراة قنا


عماد الدين حسين
الشروق 21-4-2011
إذا كان بعض مواطنى قنا سوف يشعرون بالانتصار إذا نجحوا فى إجبار الحكومة على عدم تولى عماد ميخائيل شحاتة منصب المحافظ، فإن على الجميع فى مصر أن يشعر بالحزن لان سرطان الطائفية لايزال عفيا، رغم ثورة 25 يناير وكل الآمال التى علقت عليها.

أدرك أن بعضا من أهالى قنا الذين عارضوا تعيين عماد ميخائيل لم يكن منطلقهم طائفيا، بل لأسباب كثيرة منها عمله فى الشرطة، لكن المشكلة التى لا يدركها هؤلاء وغيرهم أن النتيجة النهائية لما حدث فى قنا سوف تعمق الشرخ الطائفى الموجود خصوصا فى الصعيد.. وسترسل ــ للأسف ــ رسالة وحيدة للمسيحيين خلاصتها أن هناك مناصب محرمة عليكم فى الدولة.. وإننا ــ نحن المسلمين ــ الذين نقرر على ماذا ستحصلون؟.

يفترض أن الحكومة والمجلس العسكرى وسائر القوى التى يهمها مصير هذا البلد يدركون اننا نمر بلحظة حساسة خطيرة، هذه اللحظة قد تقودنا إما إلى دولة مدنية تحترم كل مواطنيها وتساوى بينهم أو تقودنا إلى انقسامات على أساس طائفى تقود بدورها إلى شرور لا يعلمها إلا الله.
بعد نجاح الثورة صار من حق أى فرد أو هيئة أو جماعة أن تعبر عن نفسها بحرية، وهكذا شاهدنا آلاف المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات والوقفات والاعتصامات بل العصيان المدنى فى طول البلاد وعرضها للمطالبة بتحسين الأحوال.

ورغم أن كثيرين عارضوا هذه الاحتجاجات الفئوية باعتبارها قد تشكل خطرا على مسار الثورة، فإنه عمليا أمكن السيطرة عليها، وكانت فى الاتجاه غير الخطير، بمعنى أن خسائرها فى النهاية كانت محصورة فى الجانب الاقتصادى.

لكن ماذا إذا حدث تناقض بين مصلحة الفرد ومصلحة الدولة، أو السؤال بصيغة أخرى، كيف نوازن بين حق الأفراد والقوى والأحزاب فى الديمقراطية والتعبير عن نفسها، وبين الحق فى صيانة المجتمع بأكمله من خطر الانقسام والتشظى؟!.

السؤال بصيغة ثالثة: كيف سنتصرف مثلا إذا خرجت مسيرة بالآلاف غدا للسلفيين تدعو إلى حصار الكاتدرائية حتى يتم الإفراج عن مسيحيات يقول هؤلاء إنهن محجوزات داخل الأديرة بعد إشهار إسلامهن?.

وماذا سنتصرف إذا اعتصم آلاف المسيحيين فى أى ميدان حتى يتم صدور قرار بإلغاء كل الشروط المفروضة على بناء الكنائس، أو للمطالبة بأى مطالب أخرى؟!.

خطورة اللحظة الراهنة أن كثيرا من القوى خصوصا تلك التى تعرضت للظلم فى الماضى، تعتقد أننا فى لحظة سيولة، والدولة ضعيفة، والأجهزة الأمنية غائبة، وبالتالى فهى لحظة ذهبية للحصول على مكاسب فئوية أو قطاعية.

مرة أخرى قد لا تتأثر بنية الدولة إذا استجابت الحكومة لطلب عمال معتصمين بزيادة رواتبهم أو إقالة رئيس الشركة بسبب أنه مكروه أو فاسد، لكن هناك خطورة حقيقية إذا كان المطلب دينيا ويمس أنصار الدين الآخر.

أكرر للمرة الثالثة، الحكومة أخطأت كثيرا عندما عينت عماد شحاتة محافظا لقنا لانها فكرت بنفس عقلية حكومات مبارك، ولذلك عليها الآن وبعد الانتهاء من إزالة آثار هذه المعركة أن تبدأ فى وضع تصور متكامل للتعامل مع الملف الطائفى وتضع خطوطا حمراء تبلغها لكافة الأطراف.

علينا ألا نتنازل عن الديمقراطية التى حصلنا عليها بعد الثورة، وألا نتازل عن حق التظاهر والاحتجاج ولكن علينا أن نفكر فى الأمر عشرات المرات إذا تعلق بمشاكل دينية وأن نتذكر إلى أين قادت الديمقراطية المنفلتة بلدا مثلا لبنان أو العراق فيما يتعلق بالموضوعات الطائفية؟.

الثلاثاء، 5 أبريل 2011

بـ صفاقة :المسرحية الهزلية للنظام السوري: كائنات فضائية تقتل المحتجين

خلف علي الخلف
27-3-2011
جدار الالكترونية
من يتابع تصريحات المسؤولين السوريين السوريين المساكين سوف يستنتج أن كائنات فضائية هبطت على سوريا عبر صحون طائرة وبدأت تقتل الناس عشوائيا..
وإذا كانت المسرحية الهزلية التي يروجها النظام وأعوانه لم تؤت ثمارها في درعا لأنها شبه متجانسة فقد زاد حماس الأبواق للغزو الفضائي عندما امتدت الاحتجاجات إلى اللاذقية.. فهناك حيث التخويف الذي يبثه النظام وأعلامه وأبواقه للناس يمكن أن يجعل الناس يصدقون المسرحية الهزلية التي تكررها الأنظمة لكن ليس بهذه الصفاقة التي يمارسها النظام الممانع.

لقد ظل النظام يعيرنا لسنوات طويلة بالأمن والأمان الذي تنعم به سوريا، مبررا قمعه لنا بأنه لا يريد الفوضى وكان يسمي كل ناشط يطالب بـ "نتفة" حرية بـ "مثيرو الفوضى"؛ وغنى على أسماعنا النشيد المكرر عن "أمن واستقرار البلاد".
واستطاع النظام عبر عقود أن يحصي أنفاس السوريين المعارضين له في البرازيل وفي الصين؛ واعتقل شبابا كتبوا تعليقات على مواقع أنترنت مقرها في تشيلي وتعقبهم بحرفية عالية.. وزج أناس في السجون لانهم قالوا "نص جملة" معارضة له في مقهى في ميانمار أو في شارع في ترينداد وتوباغو أو من تلفون عمومي في باريس...
ثم فجأة نكتشف أن البلد مستباحة من درعا على حدود الأردن إلى الساحل السوري؛ بالعصابات المسلحة التي تقتل المتظاهرين وتقتل رجال الأمن.. كما تقول السيدة بثينة شعبان التي قالت أنها لا تدري شيئا عن المعتقلين لكنها تعرف تماما مجرى التحقيقات مع العصابات المسلحة!.  
وستظهر العصابات المسلحة القادمة من الفضاء في أي مدينة أخرى تتسع فيها الاحتجاجات وستجوب هذه الكائنات الفضائية شوارع اي مدينة تحتج وتطالب بالحرية، وستطلق النار عشوائيا.. وسيخاف رجال الأمن ويغادرون أماكنهم لأنهم لا يستطيعون السيطرة عليهم على حد زعم السيدة نفسها. 

نحن أمام مسرحية لايمكن وصفها بأي نوع من أنواع الكوميديا المعروفة لذلك يمكن أن نطلق عليها "الكوميديا العمياء" كنوع جديد ابتكره النظام السوري وعليه أن يسجلها في دفاتر الملكية الفكرية الخاصة به، كي لا "يلطشها" منه أحد..
النظام يمنع الصحفيين من التغطية ويمنع دخولهم إلى أي مدينة تشهد احتجاجات ويطردهم ثم يردد جميع من يظهرون على الشاشات " اعطني دليلا ياسيدي.. اعطني دليلا.. على أن من يطلق النار هم من السلطات".
وكل الفيديوهات التي بثها المحتجون للجثث في الشوارع والجرحى، وكل مايقوله شهود العيان هو مجرد اختلاقات من مندسين لهجتهم ليست "حورانية" كما يقول متصلون من المخابرات مع وسائل إعلام النظام..
المسرحية سخيفة ولا يحتاج طفل لأي شرح ليعرف أن النظام عرف تماما أنه لا يمكن أن يسيطر على الاحتجاجات عندما تتسع حتى لو زج بكل فرق جيشه وحرسه الجمهوري فقرر أن يسلح عصابات ويطلق لها العنان لترويع الناس.، في نسخة معدلة وأكثر دموية لما فعلته الأنظمة الساقطة قبله.

علينا أن لا ننزلق إلى ما يريده النظام والبدء بترديد مسرحيته التافهة عن "الحرب الطائفية".. شعبنا أرقى من هذا النظام ومن كل مسرحياته الهزلية المنحطة ولن يسير إلى ماخطط له نظام القتل والمجازر..

إن تحصين الثورة السورية يتم بالنزول إلى الشوارع بالصدور العارية ومواجهة أكاذيب هذه النظام الذي لا يصدقها أحد.. النزول إلى الشارع من شعبنا هو الرد السلمي على البلطجة التي أطلق عنانها النظام لعصاباته المسلحة..
من العار على أي سوري الصمت وهو يرى الجثث في الشوارع وهو يرى القتل الممنهج لأهلنا في درعا وفي اللاذقية التي أضافها النظام كساحة جديدة لممارسة إجرامه.
شركاء الصمت على ما يجري؛ والذي يرددون أكاذيب النظام هم شركاء في الجريمة.

السعوديون إذا دخلوا قرية !

أسامة غريب
الدستور الأصلي
4-4-2011
العالم أصبح قرية صغيرة و كل شيء يحدث في أي مكان يصير تحت سمع و بصر العالم كله في نفس اللحظة.
لم يعد باستطاعة الطغاة أن ينفردوا بشعوبهم و يرتكبوا في حقهم المجازر في الخفاء من خلف ظهر العالم.
كل الناس تابعت أحداث الثورات في العالم العربي بالصوت والصورة علي الهواء مباشرة لحظة بلحظة.
هل المقولات السابقة صحيحة؟.

أعلم أيها القاريء الكريم أنك ستندفع قائلاً: نعم. ستقولها استناداً إلي أنك كنت علي اتصال مباشر بوقائع ما جري في تونس، و لأنك تابعت التظاهرات بالمدن المصرية، و شهدت بأم رأسك اعتداء قوات أمن حسني مبارك علي المتظاهرين بالقنابل و الرصاص، كما تابعت عدوان بلطجية مبارك علي نفس الثوار في موقعة الجحش و الجمل.

و لا شك أنك تابعت أيضاً المظاهرات في اليمن و رأيت الشهداء الذين غدر بهم علي عبد الله صالح، و تابعت الإرهابي الدولي معمر القذافي و هو يشن حرب إبادة ضد شعبه، و كذلك المظاهرات السورية و القتلي الذين سفك دمهم بالشوارع وحوش بشار الأسد.

أنا أعلم كل هذا، و مع ذلك فإنني لا أؤمن بصحة المقولات السابقة المتعلقة بالعالم الواحد و القرية الصغيرة إلي آخر هذا الهراء الكاذب...و إلا فقل لي:
هل علمت وسط كل هذه الأنباء أن عدواناً مسلحاً غاشماً قد قامت به المملكة العربية السعودية ضد شعب البحرين الآمن المسالم؟.
هل نمي إلي علمك أن الجيش السعودي قد أقدم علي غزو الجزيرة الصغيرة و ارتكب من المجازر بحق شعبها ما يشيب لهوله الغراب؟.
هل علمت أن الأشاوس السعودين قد روعوا الآمنين و دهموا المنازل و قتلوا الأطفال و هم نيام في أسرتهم أمام عائلاتهم؟.
هل نقلت لك قنوات التليفزيون صور جيش الإحتلال السعودي و هو يهدم البيوت علي رؤوس ساكنيها بالضبط كما يفعل الجيش الإسرائيلي في فلسطين المحتلة؟.
هل نقلت وكالات الأنباء صور الجنود السعوديين و هم يحتلون مستشفي السلمانية و يضربون الأطباء بكعوب البنادق و يطردون الممرضات و يمنعون المصابين من الوصول للمستشفي حتي لا يعرف العالم حجم الجريمة؟.

يا سادة..إن ما حدث في البحرين هو جريمة القرن الواحد و العشرين بامتياز، و لا أعتقد أن بقية القرن سوف تشهد جريمة إبادة مماثلة يتواطأ عليها العالم كما يحدث الآن بالنسبة للجريمة السعودية في البحرين.
فجأة تبخرت كاميرات التليفزيون و اختفي مراسلوا السي إن إن و البي بي سي و طبعاً العربية، و هي القنوات التي كانت تتابع دبة النملة في باقي البلاد العربية و تنقلها نقلاً مباشر.
حتي قناة الجزيرة التي اعتبرها العرب صديقة الثورات حملت عصاها هي الأخري و أدارت ظهرها لما يحدث في البحرين و رحلت عندما وجدت أن العدوان يخص آل سعود و ما دامت المذابح التي ترتكب بحق السكان تحمل الختم السعودي المقدس!.

نجحت المملكة العربية السعودية في إخراس العالم كله وجعلت منه شريكاً في الجريمة. بل إنها ما اكتفت بهذا و لكن راحت الأبواق الإعلامية التي تقتات علي المال السعودي تردد المزاعم التي اخترعوها في الرياض لتبرير العدوان و الإحتلال عندما وصفوا المتظاهرين السلميين البحرينيين من سنة و شيعة بأنهم عملاء لجهات خارجية!. و قد عملت هذه الأبواق علي نسبة الأحداث للشيعة فقط و ذلك ليسهل شيطنتهم و إقحام إيران في الأمر، و هو الأمر الذي يكذبه القبض علي ابراهيم الشريف رئيس جمعية وعد و هو سني و ليس شيعي ، فضلاً عن أن نسبة التظاهر السلمي و المطالبة بالحقوق للشيعة فقط تسحب عن سنة البحرين الوطنية و الكرامة و هو الأمر الكاذب جملة و تفصيلاً، فهم جميعاً لا ينفصلون عن الكتلة العربية التي تحركت طلباً للعدل و الحرية.

حجة مقيتة سخيفة مارسها بن علي و مبارك و القذافي و علي صالح و الأسد. كلهم اتهموا آخرين بإدارة مؤامرة!. لم يعترف أحد منهم بأن هناك شعب له مطالب يتعين مناقشتها. و الأغرب في حالة البحرين أن هذا الشعب ذا المطالب هو شعب دولة أخري و ليس الشعب السعودي، فكيف سمحت المملكة لنفسها أن تقتحم حدود دولة آمنة، و كيف بلغت الجرأة بجنودها و هم يعتلون ظهور الدبابات أن يلوحوا بأيديهم بعلامات النصر في أحد المشاهد القليلة التي تناولتها القنوات التليفزيونية قبل أن تغيب في الجب السحيق.

أي نصر هذا الذي يلوح به النشامي من جيش الإحتلال السعودي؟.
 هل هو النصر علي الأطفال و النساء؟. هل هو بسالة القوات في إطلاق الرصاص علي الشباب الأعزل؟. هل هو الإنتصار علي وسائل الإعلام و حملها بالترهيب و الترغيب علي ابتلاع الحذاء و الصمت علي أفاعيل جيش الإحتلال السعودي.

قد يسأل البعض: و من أين عرفت بكل هذا ما دامت قنوات التليفزيون لا تذيعه و الصحف لا تنقله؟
و الإجابة هي أنه بفضل اختراع الكاميرات الصغيرة و كاميرات الموبايلات أمكن للشباب البحريني ان يقوموا بتوثيق كل ما حدث لهم بالصوت و الصورة و أرسلوه إلي كل المواقع علي الإنترنت، كما أرسلوه إلي قنوات التليفزيون. و من المواقع و القنوات القليلة التي رضيت أن تتحدي النفوذ السعودي و تبث الصور و الأخبار عرفت حجم الجريمة التي يجهلها العالم الذي يزعمون أنه قد أصبح قرية صغيرة!.
إن ما يثير  الأسي و الحنق في الأمر أن الإحتلال السعودي لمملكة البحرين لا يفترق علي الإطلاق عن الإحتلال العراقي للكويت عام1990 لا في دمويته و لا في حجم الخراب الذي أحدثه في البيوت الآمنة و لا في حجم الترويع الذي أحدثه في النفوس.

و لا أدري كيف ينظر الناس باستنكار إلي ما يحدث في ليبيا من اعتداء كتائب القذافي المسلحة علي الشعب الليبي، و لا يرون أن الأمر نفسه يحدث في البحرين علي أيدي القوات السعودية التي جعلت الناس بعد الهجمات البربرية يترحمون علي هولاكو و جنكيزخان.

و من عجب أن نفس هذه القوات التي يزعمون أنها درع الجزيرة الذي يتحرك لصد العدوان عن الدول الخليجية لم تحرك ساكناً عندما اعتدي صدام حسين بجيشه علي الكويت..و لا نعرف أين كانت يومئذ؟.
ليس هذا فقط..بل إن نفس هذه القوات لم تظهر عندما اقتحم جيش صدام الحدود السعودية نفسها و دهس أراضيها و قام باحتلال منطقة الخفجي.

 يومها هرع حكام المملكة إلي الأمريكان يطلبون قدومهم لحمايتهم من جيش صدام؟.
 كذلك ما زال ماثل في الذاكرة الهزائم التي ألحقها الحوثيون اليمنيون بنفس هذا الجيش السعودي، و كان الحوثيون مسلحون ببنادق من القرن الثامن عشر!.

الأمر يعني بكل بساطة أن هذا الجيش السعودي الذي يتكلف تسليحه مئات المليارات و الذي لم يشارك في يوم من الأيام في أي من معارك العرب و المسلمين حتي أنه كان الجيش العربي الوحيد الذي لم يشارك معنا في حرب أكتوبر 73 و لو مشاركة رمزية!. هذا الجيش الذي لا يستطيع أن يصمد في مواجهة أي قوة مسلحة حتي بالحجارة... استطاع فقط أن يمارس الرجولة المهدرة علي شعب عربي مسالم أعزل اسمه: الشعب البحريني.

السبت، 2 أبريل 2011

محاولة لفلسفة ثورات 2011 العربية



طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 3319 - 2011 / 3 / 28يتضمن هذا المقال الترجمة العربية للكلمة التى ألقاها كاتب هذا المقال يوم الثلاثاء 15 مارس 2011 بمجلس النواب الإيطالي بروما وبدعوة من رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الإيطالي : =====================
عرف المسلمون إزدهاراً معرفياً وفكرياً (وثقافيا) كبيرا خلال القرون الأربعة التى تلت القرن السابع الميلادي . فخلال تلك الحقبة ترجمت مئات الكتب اليونانية القديمة سيما في مجال العلوم والمنطق والفلسفة . وكنتيجة لهذا الحراك المعرفي فقد حشدت المجتمعات الناطقة بالعربية بعشرات المدارس الفكرية والقراءات المختلفة للدين الاسلامي ، وبمحاذة ذلك زخماً من الحراك العلمي في مجالات شتى من مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات . إلا ان الحياة الفكرية كانت تشهد (على الدوام) صراعا بين تيار محافظ كان يعلي من قيمة النص ويجل فهم السلف بل يصبغ على هذا السلف قيمة كبرى (السلف الصالح !؟!) .وقد جسَّد هذا التيار الفقهاء السنيون الذين جاءوا من بعد أبي حنيفة النعمان مؤسس علم أصول الفقه السني ، وكان كل واحد من الفقهاء الكبار أشد محافظة من سلفه. فابن حنبل أشد محافظة من محمد ابن ادريس الشافعي ، والشافعي أشد محافظة من مالك . ومالك أشد محافظة من أبي حنيفة . أما المفكرون الذين أولوا عناية كبيرة للفلسفة والمنطق فقد كانوا أكثر تحرراً (عقلياً) . وكان من أعلامهم مفكرو المعتزلة وابن سينا والفارابي ثم قمة العقلانية في هذا الزمان ابن رشد الأندلسي . واذا كانت القرون الثلاثة من بداية القرن التاسع الميلادي قد شهدت أوار حرب (ضروس) بين مدرسة المحافظين ( أهل النص والنقل) وأصحاب العقول الأكثر تحرراً ( أهل المنطق والفلسفة والعقل ) ، فأن القرنين الحادي عشر والثاني عشر (الميلاديين) قد شهدا إنتصاراً شبه كلي للمحافظين . وتجسد هذا الإنتصار في ميل السلطة السياسية (ميلا شديدا) لجانب مدرسة المحافظين وما صاحب ذلك من هجوم شديد على مدرسة العقل والتي كانت بشكل من الأشكال مستمدة من روح الفلسفة اليونانية. وترجمت هذا الإنتصار الكامل (لأهل النقل على أهل العقل)عشرات الفتاوى التي كان جوهرها أن من تمنطق فقد تزندق . ولعل أهم فتاوى هذا الإتجاه العارم فتوى الشرذوري ( في القرن الثاني عشر الميلادي ) وهي الفتوى التي قامت بتحريم الإشتغال بالمنطق بل وبأن من يشتغل بالمنطق يستحوذ عليه الشيطان. في تلك الآونة بلغ إنتصار مدرسة النقل على مدرسة العقل ذروته في قيام فقهاء مسلمين بتكفير أعلام مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد ، وهو توجه شاركت فيه السلطة السياسية مشاركة عبرت عنها أمور كثيرة مثل مناصرة المعتصم العمياء للحنابلة وتمكينه لهم من خصومهم الحنابلة ، والذى وصل لحد ذبح الحنابلة للمعتزلة جهارا نهارا فى أزقة دمشق ، وواقعة إحراق مؤلفات ابن رشد في قرطبة بأمر وتحت نظر الحاكم !
ومع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي كانت مدرسة العقل قد تلقت ضربات قاتلة مما أدى إلى دخول المجتمعات الناطقة بالعربية للقرن السادس عشر وهي بلا عقل نقدي بشكل شبه مطلق وإكتفاء علماء هذه الشعوب بمهمة واحدة هي مهمة الشرح على المتون . وهي ما يمكن أن نصفه ببداية دخول هذه المجتمعات لقرون من السبات العقلي كان من المنطقي ان تقع أثنائها عملية إستعمار الأوروبيين لهذه المجتمعات الغارقة في السبات العقلي العميق.

وفي ذات الوقت الذي كان فيه المحافظون (النقليون) يرسخون إنتصارهم على أهل العقل والفكر المتحرر والتفلسف والتمنطق ، فقد كانت شعوب أوربا تشهد عملية (جدلية) مضادة ومعاكسة جوهرها تمكن أهل العقل الحر من إنهاء هيمنة وسيطرة المحافظين على مقادير المجتمعات الأوربية. وبإنتصار مدرسة العقل الحر في أوروبا كان من الطبيعي ان يؤدي المناخ العام المتحرر لنهضة علمية في مجالات شتى تؤدي لأمور مثل إكتشاف البارود والذي أدى لإنتصار الأوروبيين على غيرهم بما في ذلك الشعوب الناطقة باللغة العربية. وهو مايسر للأوروبيين أن يستعمروا الشعوب الناطقة بالعربية.
وهكذا فانه يمكننا القول بأن الأستعمار لم يكن بداية مشاكلنا وتخلفنا وتراجعنا ( كما يقرر كثيرون في واقعنا ) ، وإنما كان الإستعمار نتيجة طبيعية للعملية الجدلية التي كانت تقع عندنا ( أي عند الشعوب الناطقة بالعربية ) وعندهم ( أي عند الأوروبيين ) . وعليه ، فأن القول بأننا كنا متخلفين لأننا كنا مستعمرين ( بفتح الميم الثانية) وهو قول مضحود. فالصواب هو أننا صرنا مستعمرين ( بفتح الميم الثانية ) لأننا كنا متخلفين ، وقد كنا متخلفيين بسب إنتصار مدرسة المحافظين على مدرسة العقل والتفلسف والتمنطق في حياتنا المعرفية والعقلية ( والثقافية بالمصطلح المعاصر).

وبعد حقبة الإستعمار جاء الإستقلال . ولما كان الإستقلال لم يتحقق نتيجة لحراك معرفي وعقلي وثقافي وإنما لحراك سياسي ووطني ، فقد أعقب الاستقلال أَيلولة الأمور في المجتمعات الناطقة بالعربية إما لنظم ملكية قرو- سطية ( تعد إمتدادا لنظام القبلية العربية ) أو لجمهوريات سيطر فيها على مقاليد الحكم ضباط ربما يندر وجود نظير لهم في ضآلة وضحالة التعليم وإنعدام التكوين الثقافي ( وفي حالات غير قليلة: إتسامهم بفساد شخصي وعائلي غير مسبوق في التاريخ الأنساني).
وبعد نصف قرن ( تقريباً ) من إستقلال الشعوب الناطقة بالعربية جاءت المفاجأة الكبرى وهي إندلاع الثورة لتلك النظم التي آلت إليها مقاليد أمور المجتمعات الناطقة بالعربية في مرحلة ما بعد الاستقلال من جهة لم تكن تحطر على بال (أي) أحد . فالثورة التي توقع كثيرون ان تجئ إما من معدمي العشوئيات أو ممن سيطرت الأصولية الأسلامية على عقولهم ، فاجأت الدنيا كلها بمجيئها على يد أبناء وبنات الطبقة الوسطى من المتعلمين الذين أتاحت لهم تكنولوجيا العصر ( وبالتحديد : وسائط تكنولوجيا المعلومات والإتصالات ) ان يعرفوا معنى المواطنة وان يدركوا مسئوليات الحكام في المجتمعات المعاصرة.
وبينما يمكن القول بأن هناك خلاص (نظري) للنظم الملكية العربية يتمثل في تحولها بملكيات دستورية ، فان الجمهوريات العربية لا يوجد لها خلاص إلا بما عبر عنها الهتاف الجماهيري الرائع "الشعب يريد إسقاط النظام" . فقيادات الجمهوريات العربية (وبسبب النوعية بالغة الرداءة لحكامها وكلهم من الجهلة غير المتعلمين ومعدومي الثقافة، ناهيك عن اتسامهم جميعاً بفساد شخصي وعائلي لا مثيل له في تاريخ الإجرام ) هي قيادات غير قابلة للإصلاح على الإطلاق ومن المحتم أن تخلع (كما خلع التونسيون بن علي وكما خلع المصريون حسني مبارك)، ومن اللازم ان تحاكم وتحاسب تلك القيادات المخربة والفاسدة لتكون عبرة للحكام القادمين . ومن غرائب الأمور في المجتمعات العربية ان من كانوا يطلق عليهم شيوخ النفط إنما كانوا أكثر تعقلاً (نسبيا) فى سائر الأمور من عساكر النفط ( ليبيا والعراق والجزائر مثلاً ) والذين فاقت جرائمهم بوجه عام ولصوصيتهم بوجه خاص ما تعجز العقول عن تخيله.
ان ما حدث في تونس ومصر ثم ما يحدث الآن في العديد من البلدان الناطقة العربية لا يمكن فهمه بشكل صحيح الا من خلال تلك النظرة التاريخية - الجدلية التي وصفتها فى هذا المقال للحالة العقلية للمجتمعات الناطقة بالعربية خلال القرون الأربعة عشر الماضية.

السبت، 19 مارس 2011

البعد الإفتراضي في ثورتي مصر وتونس أبرز المرأة «سايبرأكتفست»

  •  
  • فاديا فهد
  • الحياة اللندنية 18مارس
  • فاجأتني الشبكة العنكبوتية، بمساحاتها الواسعة والحرّة المخصّصة للنساء العربيات وقضاياهنّ وآرائهنّ. ولنقل انها أحرجتني: فما قرأته وشاهدته وسمعته عن المرأة العربية على الإنترنت، تميّز بحرية تعبير أنثوية لم نعتدها في الإعلام العربي التقليدي الذي ما زال يتعامل بتحفّظ مع الكثير من المواضيع الرئيسة المتعلّقة بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، ويضرب أخماساً بأسداس قبل نشر أو بثّ أيّ تحقيق أو مقابلة حقوقية نسائية قد تثير حساسية السلطات على أنواعها. فلقضايا النساء حساسياتها المتجذّرة في ذكورية السياسة والمجتمع و «الإستبلشمنت»، وبالتالي هي تخضع للرقابة نفسها التي تخضع لها القضايا السياسية والإجتماعية والإقتصادية والدينية وغيرها من التابوهات الممنوع تقليب أوراقها. فلا بدّ من أن نسجّل لنساء الـ «ويب» حضورهنّ الحرّ القويّ وجرأتهنّ في التعبير، وهي جرأة نفتقر إليها نحن صحافيات الواقع والورق اللواتي قتلت فينا الرقابة ما قتلت، حتى صارت كلّ منّا كاتبة ورقيبة في الوقت عينه، بعلم منها، أو بغير علم.
ناشطات في الفضاء الرقمي
مع الإنترنت، يختلف الوضع. فهنا لا قوانين تحدّد مشاركة المرأة، ولا كوتا نسائية ولا إجحاف. وقد ساوى الفضاء الإلكتروني بين رجل وامرأة في التعبير والمشاركة، فوجدت النساء فيه متنفّس حرية وفرصة لتحقيق ذواتهنّ. فكانت مدوّنات ومشاركات أنثوية على «فايسبوك» و «تويتر»، ومواقع متخصصة بقضايا النساء، منها راديو «بنات وبس» الذي أسسته الشابة أماني تونسي (25 ربيعاً)، تحت صدمة ما وصفته بـ «سوء معاملة المرأة في مجتمعاتنا العربية»، وحرصت على أن تكون العاملات فيه فقط من النساء.
وجاءت الثورات العربية الأخيرة في مصر وتونس كي تُبرز مناضلات ناشطات على الإنترنت («سايبرأكتفست» Cyber activist) يدعين الى الإنتفاضة على الواقع والمشاركة الفاعلة في الثورة، مسجلات اندفاعاً كبيراً يفوق حماسة الرجال أنفسهم. وسطعت أسماء عديد من الناشطات مثل الشابة المصرية أسماء محفوظ (25 سنة)، قائدة الثورة المصرية كما يطلق عليها، التي كانت دعت في تسجيل على الـ «يوتيوب» الى المشاركة في تظاهرة «25 يناير» ردّاً على مقتل الشاب السكندري خالد سعيد على يد رجال من الشرطة المصرية. وسجّلت فيديو أكدت فيه انها «ليست خائفة وستشارك في التظاهرة رغم الترهيب الأمني». ثم عادت وجدّدت دعوتها الى الثورة والتظاهر مرة أخرى بالصوت والصورة، بعد سقوط النظام وتأخّر رئيس الحكومة المصرية السابق أحمد شفيق في اتخاذ الخطوات المطلوبة للتغيير.
دفعت فاطمة رياحي المعروفة على الشبكة بـ «فاطمة أرابيكا»، السجن ثمن اعتراضها على نتائج انتخابات 2009 التونسية، ولم تستسلم.
وقادت الأستاذة الجامعية التونسية لينا بن مهنّي حملة واسعة ضد نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، فتمّت ملاحقتها ومُنعت من السفر، لكن هذا لم يثنها عن القضية. وكشفت هويتها في مقابلة مع محطة «فرانس 24» الفضائية، معتبرة ان الإختباء لم يعد ينفع، فهي مراقبة وملاحقة من الأجهزة الأمنية. وما زالت مهنّي تناضل من أجل الحريات، حتى بعد سقوط نظام بن علي، وتجمع التواقيع على عريضة ترفض الرقابة على الإنترنت والصحافة.
ويبقى السؤال: هل أثمر نضال هؤلاء الثائرات مزيداً من الحرية لبنات جنسهنّ؟
تشعر النساء المصريات بأنهنّ مبعدات عن بناء مصر الجديدة، خصوصاً ان اللجنة الوطنية المكلّفة وضع دستور جديد كلّها من الرجال، والحكومة الإنتقالية كما المجتمع الدولي لم يلاحظا نضالهنّ الطويل. وقد نظّمن في يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار (مارس) «مليونية نسائية» تطالب بمشاركة المرأة في صوغ مستقبل مصر الدستوري والقانوني والسياسي.
وتشكو التونسيات من المشاركة الخجولة للمرأة في الحكومة الإنتقالية الجديدة، هي التي نالت حصّتها ضرباً وإهانة وعنفاً في الشارع خلال التظاهرات الأخيرة. وتعتبر هؤلاء انه إذا كان بناء الجمهورية التونسية الديموقراطية الحرّة بدأ فعلاً، فيجب ألا يتمّ والنساء مغيّبات ومهمّشات، بل بمشاركة النساء ومعيّتهنّ، حتى بلوغ المساواة الحقيقية والشاملة وتحقيق العدالة الإجتماعية. وأضعف الإيمان أن تكافأ المرأة على نضالها الطويل، بحضور فاعل في الوزارات واللجان المخططة لبناء نظام جديد، لتكون لها مساهماتها في هذا المجال. فالديموقراطية التي يتطلّع إليها شبان وشابات اليوم والتي من أجلها قامت الثورة، هي التي لا تفرق بين امرأة ورجل، ولا بين غنيّ وفقير ولا بين مسؤول ومواطن أعزل. إنها الديموقراطية التي يقف مواطنوها، كلّ مواطنيها من دون استثناء، سواسية في الحقوق والواجبات أمام القانون.
الدعوة الى المساواة والإحترام كانت في صلب إطلاق يوم المرأة العالمي، ولا تزال، بعد مرور قرن كامل. هنا الوقت لم يشفِ، فكم مئة عام تحتاج المرأة في بلادنا بعد، كي تحقّق المساواة مع الرجل؟

شعوب تقول: نعم ولا ..

سليمان تقي الدين
السفير اللبنانية 19 مارس
تفاوض الدول على دم الشعوب. بعد شهر من جنون الزعيم الليبي يقرّر مجلس الأمن الدولي حظر العمليات الجوية. الشعب منهك ومثخن بالجراح والنظام مثقل بالجرائم وبفقدان الشرعية. هكذا يسهل التدخل الدولي لإيجاد حل يلائم مصالح المتهافتين على ليبيا.
في البحرين المهمة أسهل بوجود وكيل إقليمي يحشد قوات عسكرية في وجه شعب لا يملك إلا الهتاف والرايات. المذبحة هنا عربية خالصة. التحرر العربي يُنحر بأيدٍ عربية، والتاريخ يسجل أن النظام الخليجي يدافع عن ثقافة القرون الوسطى. أنظمة عائلية وراثية تحتكر الثروة وتتعاون على إنشاء قوة قمع وردع ضد كل حراك في سبيل الحرية والكرامة. إذا كان لهذا الحراك بعض الملامح المذهبية فالقسوة في تدميره تحظى بدعم الثقافة المضادة السائدة ومؤسساتها المذهبية التابعة للسلطة. يسهل على الطغيان هنا اتهام «الأقلية» بارتباطها بالخارج. يقف الغرب متفرجاً ليس فقط على قمع التغيير نحو الديموقراطية والحداثة، بل على عنصرية الطرف «الأكثري» الذي يتعامل مع التمايز المذهبي (الثقافي) بالإلغاء.
فكرة المساواة بين البشر، التي هي الأساس في كل التقدم التاريخي، يشوّهها الغرب قبل أن يشوّه الديموقراطية، ويساهم في تصنيف شعوب المنطقة كجماعات ما قبل الشعوب. ينافق الغرب في تعاطيه مع المسألة الديموقراطية، وهو يفضل في كل الأحوال بقاء الاستبداد كحليف استراتيجي له لأنه ركيزة التبعية.
لا شيء يستحق أن نسميه «ثورة مضادة». عائلة حاكمة في البحرين أو ليبيا تستدعي المرتزقة للدفاع عن حكمها أو تستجلب التدخل الخارجي، هذه ظاهرة «حرب مضادة». التدخل الأجنبي هو شكل من أشكال الإدارة الاستعمارية التي تحرّك أداة القمع
العسكرية تجاه ثقافة التحرّر الجديدة التي اجتاحت مزاج شعوب المنطقة كلها.
كل ما يجري الآن في طول المنطقة وعرضها يؤكّد على أن قهر «الأقليات» أو تحكيم الأقليات الأخرى هو أحد تجليات أزمة المشروع العربي الذي اشتغل الغرب على استثماره. حين قرّر الغرب أن يخضع المنطقة مجدداً لسلطته المباشرة واستنفد إمكانات بعض الأنظمة أطلق العنان لدعم حراك الأقليات. وحين صارت أقلية هنا أو هناك عبئاً على مشروعه استدعى لها نظرية الأمن العربي وزاوج بين العروبة وبين الهوية الدينية والمذهبية.
البيئات التي تنكّرت للعروبة طويلاً ترفع رايتها اليوم تجاه هذه أو تلك من الفئات التي تتمرّد على نظام التخاذل والاستبداد. لكن ما يحصل أكبر بكثير من معركة سياسية تنجح هنا وتفشل هناك. ثورة العرب من أجل الحرية تجذرت في وجدان الشعوب. لا يملك القمع في أي مكان أن يغيّر اقتناع الشباب العربي برفض حال التخلّف. يمكن للمناورات السياسية وللضغوط الاقتصادية ولسلطة الإعلام أن تحاصر التداعيات الواسعة لكنها لا تمنعها. كسر الفلسطينيون لعبة الانقسام السياسي وعبروا إلى مطلب الوحدة فوق سلطتي غزة والضفة. لا يستطيع النظام الرسمي العربي أن يعلن وقوفه إلى جانب رؤساء تعرّوا من كل شرعية. مشروع الفتن المذهبية لا يجد أرضاً خصبة لأن الانتفاضات في الشارع أظهرت صورة شعوب لا جماعات دينية أو مذهبية أو إثنية. لا مذهبية في مصر وتونس وليبيا ولا حتى في اليمن. لا قبلية ناشطة في ليبيا برغم الاستنفار الحاد لها. أما لبنان فلكل مذهب سلطته وقوته، ولا شرعية للتحريض على الهيمنة بمنطق النظام الطائفي الجامد الذي يرسم حصص المجموعات ويحفظها. هكذا يتعرّى منطق الفتنة أمام نهضة الشعوب بكل مكوّناتها من أجل مطالب تتعلق بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان. من يحاول تغيير النظام الرسمي العربي ليس فئة أو جماعة حتى بالمفهوم السياسي الحزبي أو الفئوي. تكاد التيارات السياسية تذوب في بحر الجمهور الواسع الذي يدق أبواب التغيير. في الدولة التي تعيش أقسى أشكال احتجاز الحرية وتتحرّك جيوشها لقمع انتفاضة البحرين يخرج من صلبها أحرار يطالبون بالتغيير.
ليس أهل «القطيف» والمنطقة الشرقية من المملكة السعودية، المسماة دولة على اسم أسرتها الحاكمة، من ينتفضون وحدهم، بل أهل الرأي من نخبتها وبعض أفراد العائلة الحاكمة يعترفون أن النظام أصبح خارج التاريخ. ليس الغرب من يحرّك الثورة ولا إيران أو تركيا أو روسيا، وليست الأفكار الهدّامة المستوردة.
مصر أعطت نموذجاً باهراً لائتلاف مكوّناتها السياسية والثقافية في معركة التغيير. الإسلاميون والقوميون واليساريون والليبراليون العلمانيون تصرّفوا على أنهم مروحة واحدة تنفتح على أفق واحد هو سلطة الشعب وإرادته وحريته وكرامة بلاده وعزتها وتقدمها وحقوق مجتمعها. نقلق للدم الغزير الذي سال ويسيل بعناد الحاكم المستبد، لكننا لا نقلق على مستقبل العرب الذين توحدهم كشعوب هذه اليقظة على الحرية.
لا نستسهل مواجهة بهذا الحجم التاريخي يتربص بها أكثر من طرف في الداخل والخارج. تحوير الصراع واستدعاء التدخل الدولي والنزاعات الإقليمية وسلطة المال المدّخر والسلاح المجهّز وثقافة الظلام والتحريض والتشويه واللعب على التعارضات واستحضار التاريخ بفصوله السوداء، كلها عناصر مستنفرة اليوم لوأد هذه النهضة. لكن اللغة الجديدة التي يحكيها الشباب العربي ويقف عندها ويدفع حياته ثمناً لها، لغة نعم ولا، لغة الشروط والمطالب، لغة الحق في الاختيار والقبول والرفض على كل المستويات، لم تعد قابلة للإلغاء.

الأحد، 13 مارس 2011

الدير والتمساحية

عماد الدين حسين 
الشروق 13مارس 
«الدير المحرق» هو آخر وأهم مكان وصلت إليه العائلة المقدسة ــ «السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام» ــ فى رحلة الفرار من بطش الحاكم الرومانى هيرودس.

عاشت مريم ونبى الله عيسى فى هذا المكان الذى كان يسمى وقتها «جبل قسقام» ستة أشهر وعشرة أيام حتى أطلق عليه البعض «بيت لحم الثانى».

القرية التى يقع فيها الدير لها اسمان الآن هما رزقة الدير أو الزرابى، وتقع على بعد نحو 12 كيلو مترا غرب مركز القوصية فى محافظة أسيوط وغالبية سكانها مسيحيون..

خلف الدير مباشرة تقع مقابر مسلمى قرية التمساحية التى تبعد سبعة كيلو مترات عن الدير شرقا.

بعد صلاة الجمعة الماضى سرت شائعة حقيرة تقول إن أهل التمساحية ينوون بناء مسجد فى مدخل مقابرهم خلف الدير، فتجمع بعض المسيحيين للتعبير عن احتجاجهم، وفى نفس التوقيت كان هناك شخص مجهول وصل إلى التمساحية لإخبار سكانها أن أهل الدير يقومون بهدم مقابرهم.

وكما هو متوقع تجمع معظم شباب القرية وقرروا التوجه إلى الدير.. وفى منتصف المسافة قابلهم احد اعيان قريتهم وأخبرهم أنه لا صحة لهدم المقابر وأعادهم للقرية.

احد هؤلاء الناس ذهب إلى الدير فوجد قوة كبيرة من قوات الأمن جاءت خوفا من تحول هذه الشرارة إلى حريق.

هذا الرجل قال لقائد القوة الأمنية ولبعض سكان الدير: «هل بناء الجامع يتم فى لمح البصر.. ألا يحتاج إلى ترخيص وإلى حفر وأساسات ومواد بناء ومتسع من الوقت». المستعمون اكتشفوا أن المنطق سليم، وأنهم كادوا يرتكبون جريمة فى حق أنفسهم.

ما الذى أوصلنا إلى هذه الحالة؟!.

أعرف القريتين جيدا.. فأنا ولدت وعشت فى التمساحية وأهلى لايزالون هناك وأزورهم بانتظام، كما أننى درست المرحلة الإعدادية بالكامل فى مدرسة الدير المحرق.

فى هذه الأيام الجميلة «1976 1979»، كما نذهب إلى سوق الدير يوم الأحد، وننتظر بفارغ الصبر مولد السيدة العذراء فى شهر يونيو لنلعب ونتسوق، لم نكن نعرف الفرق بين المسلم والمسيحى، وبعض زملائى المسيحيين منذ هذا الزمن لا يزالون من أعز الأصدقاء.

لم يعد سرا أن فلول النظام الساقط يلعبون بورقة الفتنة الطائفية.. أشعلوها فى صول بأطفيح وكادوا يفعلون فى المقطم، ويحاولون استنساخها فى معظم قرى الصعيد حيث الاحتكاك بين المسلمين والمسيحيين.

المشهد فى هذه القرى، ليس مطمئنا، فالنظام الديكتاتورى استثمر 30 عاما هى كل عمره فى إيجاد مناخ من الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين، كى يسهل له السيطرة على الاثنين معا.

فى قرى كثيرة بالصعيد رياح الثورة لم تهب بالقدر الكافى، والتحالف المرعب من فاسدى المحليات ورجال الدين وأجهزة الأمن لايزال قويا، ويلعب بمهارة على المناطق الرخوة فى الجسد الوطنى.

كنت أتحدث مع الباحث المتميز سليمان شفيق ورأيه أنه بدلا من كثرة ترديد مصطلح الثورة المضادة وهى موجودة وليس اختراعا فعلى المثقفين وأنصار الثورة أن يحصنوا الناس فى هذه القرى البعيدة، عليهم أن يعيدوا تأهيلهم إذا لزم الأمر.. حتى لا يتحولوا إلى جنود حقيقيين فى الثورة المضادة، أو حتى ناخبين يعيدون كل رموز الماضى إلى السلطة عبر صناديق الانتخاب.

الثورة نجحت نعم.. لكن طريق البناء طويل.. ويحتاج لمزيد من الصبر والحكمة.. واليقظة
.

مصر التى نحبها.. ويحاولون تدميرها

المستشار محمود الخضيرى يكتب لـ (الشروق)الأحد 13 مارس 

من يعيش فى ميدان التحرير وفى مصر الثائرة لا يمكن أن يخطر على باله أن هناك فرقا بين مصرى وآخر ولا بين دين ودين، تلاحم لم تشهد مصر مثله فى تاريخها الطويل مع تقديرنا الشديد لما حدث فى ثورة 1919م، الكل كان يشعر بشعور واحد هو الخطر المحدق بمصر من النظام السابق ورموزه التى تعيث فى الأرض فسادا، نجح الشعب فى مدة قصيرة فى خلع رأس النظام وظن البعض أنه بذلك قد قضى على النظام لأنه كما يقولون النظام كان كالثعبان والثعبان يموت من رأسه وما دمنا قد قطعنا رأس الثعبان أى النظام فقد قضينا عليه، ولكن يبدو أن هذا القول لم يكن صحيحا، فإن جسد الثعبان أو النظام كان أخطر من رأسه وأن القضاء عليه سيكون أشد صعوبة من القضاء على رأسه لأنه نظام تغلغل فى كل مؤسسات الدولة وتشعبت جذوره فى الأرض حيث امتدت فيها إلى أعماق بعيدة ستأخذ وقتا طويلا حتى يتم اقتلاعها، وآخر هذه الجذور يتمثل فى ثلاثة أمور أولها الأجهزة الأمنية التى أعطاها النظام السابق من الميزات المادية والسلطات على الشعب حتى ظنت أنها من فصيل آخر غير الشعب وصارت تتيه عليه فخرا وكبرياء حتى تعالت على النظام نفسه كما فعل صلاح نصر رئيس المخابرات العامة فى عهد الرئيس عبد الناصر الذى كان يفاخر بأنه هو الرئيس الحقيقى لمصر حتى تمكن عبدالناصر نفسه من الإطاحة به رغم أنه من المفروض أنه رجله الأول، تضخمت الأجهزة الأمنية وتعالت وأصبحت المتحكمة فى كل شىء حتى حياة الناس الخاصة وصار وزير الداخلية يفاخر بالتجسس على الناس ويجد من أعوان النظام من يعينه على ذلك خوفا وطمعا، جهاز هذا شأنه وتلك مهمته هل يتوقع أن يسلم سلاحه بسهولة رغم رحيل رأس النظام، إنه كان يقول لنفسه نحن الحكام الفعليون لهذا البلد ورحيل رأس النظام لا يمنعنا من البقاء ومحاولة استرداد سطوتنا ونفوذنا لأن القوة بيدنا والسلطة لنا والمستندات بأيدينا، إننا أصحاب الباع الأول فى رسم الخطط والمؤامرات، ونملك القوة على تنفيذها بما تحت أيدينا من قوات وجواسيس وعملاء، هكذا فكرت الأجهزة الأمنية وعلى رأسها بالتأكيد جهاز أمن الدولة، فكان انسحاب رجال الأمن من عملهم وترك البلاد فى فراغ أمنى كان كفيل بالقضاء على الثورة وإجهاضها لأن شعور الناس بعدم الأمن والأمان يضاهى شعورهم بالجوع والعطش، ولكن قدر الله لهذه الخطة أن تفشل وأن يتكاتف الناس لحماية ممتلكاتهم العامة والخاصة وأن تمر هذه الفترة بسلام على مصر وعلى الثورة، لم ييأس شياطين الأمن من إفشال الثورة والانقضاض عليها فكان الاستعانة بالبلطجية وأعوانهم بضرب الثوار والقضاء على الثورة ولكن كان الثوار وكانت الثورة أقوى من أن يقضى عليها عصابة من اللصوص وقطاع الطرق وهم على كثرتهم قلة إلى جوار الشعب كله المتعطش للحرية والديمقراطية المستعد للتضحية من أجلها بكل غال ورخيص وفدائها بحياته ودمه، وفشلت هذه الخطة بدورها، فكانت محاولته الأخيرة بضرب الوحدة الوطنية التى رأى فيها الخطر الأكبر على النظام البائد الذى كان يقوم على نظرية فرق تسد فكان ضرب جميع النقابات والتجمعات وعلى رأس كل ذلك الوحدة الوطنية، لو أن المسلمين كان فى تخطيطهم الاعتداء على الكنائس لما سلمت كنيسة واحدة من الاعتداء فى أوقات الفراغ الأمنى، ولو أن فى مخطط الثوار الاعتداء على المساجد لما بقى مسجد سليما فى وقت الفراغ الأمنى، ولكن شاء الله ألا يمس مسجد ولا كنيسة، ولا حتى معبد يهودى فى هذه الفترة الحساسة من تاريخ مصر، وكان هذا دليل دامغ على أن أحداث الفتنة الطائفية من تفجير للكنائس والمساجد وقتل بعض الأفراد من المسلمين أو المسيحيين هو عمل مدبر من أعوان النظام السابق من مباحث أمن الدولة والحزب الوطنى والمستفيدين من النظام الذين أعياهم القضاء على الثورة بالأساليب السابقة فلجأوا إلى هذا الأسلوب الخسيس المكشوف، هل يتصور أحد أن أعضاء الحزب الوطنى الذى كان يصول ويجول فى مصر بطولها وعرضها يأمر وينهى يمكن أن يرى رموزه داخل السجن ومقاره تلتهمها النار ومستنداته ملقاة فى الطرقات تحترق بما جاء بها. وسكت؟ هل من المتصور أن أى من المستفيدين من النظام يمكن أن يروا مصالحهم تهدد وأموالهم التى جمعوها من حرام يتم الاستيلاء عليها وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين، ويستسلمون بسهولة، إن من توقع ذلك إما أن يكون طيبا أكثر من اللازم أو غير عالم ببواطن الأمور، من الطبيعى أن يحاول هؤلاء العملاء الدفاع عن أنفسهم وعن أموالهم بالقضاء على الثورة والثوار أو على الأقل وضع العراقيل أمامها وإثارة المتاعب لها وللشعب حتى يتعب الشعب ويقول إن الثورة لم تجلب له إلا التعب ويحاول التخلص منها، ولكن هيهات هيهات فإن الشعب الذى عاش ثلاثين عاما فى ظل القهر والظلم والبطش والطغيان لا يمكن أن يفكر فى الخلاص من ثورته التى رفعت رأسه أمام شعوب العالم وجعلت المصرى سيعتز بمصريته كما لم يسبق له الاعتزاز بها فى أى وقت مضى.

إثارة المتاعب للثورة عمل يقوم به أعداؤها من بعض الأجهزة الأمنية التى كانت تعيش فى الماضى معيشة الأثرياء مالا وعزا وسلطة وجاها حتى صارت موضع حسد زملائها من رجال الأمن أنفسهم، إثارة المتاعب للثورة عمل يقوم به الحزب الوطنى نوابه فى المجلس المنحل الذين لم يتمتعوا بالعضوية أكثر من شهر رغم إنفاقهم الملايين من أجل الحصول عليها أملا فى تعويضها من إستغلال النفوذ والرشوة والفساد، هؤلاء النواب هل يمكن أن يستسلموا ببساطة لهذه الخسارة التى لحقت بهم ولا يحاولون تعويضها عن طريق شراء الأصوات فى انتخابات مجلس الشعب القادم وينقضون على الثورة بطريقة ديمقراطية. إن هناك اقتراحا أجد أنه جدير بالدراسة يقول إن تأمين الثورة يوجب أن يحرم أعضاء مجلس الشعب المنحل من الترشح فى أول مجلس شعب قادم تجنبا لمحاولتهم القفز على الثورة وإجهاضها من داخلها وهو ما حدث بعد ثورة يوليو 1952م وهو إجراء مؤقت يقصد به تأمين الثورة من أعدائها حتى تستقر الأوضاع.

أعداء الثورة لم يستسلموا بسهولة لأن ضياع السلطان والمجد والمال لا ينسى ببساطة، ويظل يلح على صاحبه ويدفعه إلى الانتقام متى وجد لذلك سبيلا، وآخر محاولتهم هى إثارة الفتنة الطائفية وهى من أخطر الأمور على الثورة لأنها يمكن أن تؤدى إلى حرب أهلية ــ لا قدر الله ــ وإن كنت أعتقد أن مصر غير مهيأة لذلك لأن فيها من العقلاء والحكماء ما يمكنهم إخماد الفتنة فى مهدها.

لم أكن أتصور أن من بين الاخوة المسيحيين من يمكن أن ينجر إلى هذا المنزلق الصعب ويسير فى هذه التظاهرة التى ترفع الصليب دون أن يكون إلى جواره الهلال رمزا للوحدة الوطنية، ولم أكن أتصور بعد 25 يناير أن هناك من يفكر فى مصلحته الخاصة مجردة عن مصلحة الوطن بصفة عامة، إن من يعيش فى ميدان التحرير ويشاهد مظاهر الوحدة والتلاحم ويد المسيحى تعالج وتحمى المسلم ويد المسلم تحنو على أخيه المسيحى وتحميه لا يمكن أن يفكر أن هناك أى أمر يفرقهم، إن من قام بتدمير الكنيسة ليس مسلما ولا وطنيا بل هو خائن لدينه ووطنه، إن من يرفع شعارا فئويا هذه الأيام ليس مخلصا لمصر مهما كانت حاجته ومهما كان الظلم الواقع عليه.

مصر لنا جميعا وهى أم لنا، والأم لا تستغنى عن أحد أبنائها حتى ولو كان عاقا بها، فيجب علينا أن نتنبه للخطر المحدق بنا، وأن لا نستمع إلى الشائعات التى يحاولون بثها بيننا، وأن نحمى بلدنا من كل ما يراد بها، وأن يكون همنا الأول فى هذه المرحلة أن نبنى بلدنا حتى تكون وطن لنا جميعا يحمينا، وندافع عنه جميعا بكل قوتنا.

الثلاثاء، 8 مارس 2011

جمهورية ميدان التحرير

هذا بيان بدون توقيع تم توزيعه فى ميدان التحرير 25 فبراير 
 
جمهورية ميدان التحرير
أنا واحد من اللي عاشوا فى الميدان ده اسبوعين قبل الزحمة ، ومش عاجبني الخناقة حوالين شكل الدولة اللي عايزين مصر تتحول ليها ..الميدان ده عشت فيه فعلا دولة الاحلام اللي عايز مصر كلها تبقى زيه ..زي جمهورية ميدان التحرير..
فى الميدان ده أن شفت واحدة بشعر طويل وبتشرب سيجارة وجنبها واحد ملتحي بيصلي لا هوه شايفها منحلة ولا هيه شايفاه متشدد متخلف
ماحدش حكم على التاني بشكله وبس
فى الميدان ده فى موقعة الجمل ، شوفت منقبة بتربط رجل واحد متعور وهو واقف قدامها مش لابس بنطلون ، لا هيه قالت دي عورة ولا هوه نظر لها على إنها أنثي وبس ، محدش بص لحكاية راجل وست ولا عمل لها أي إعتبار .
فى الميدان ده شفت واحد كان بيتوضأ واللي بتصب له المية كانت مسيحية ، لا هيه شافت نفسها بتشارك فى حاجة غير عقيدتها ولا هوه شافها بتنقض الوضوء
شفت مسيحيين رغم إن الكنيسة قالت لهم متنزلوش ، شفت سلفيين رغم إن مشايخهم قالوا لهم متنزلوش ، الازهر كمان قال متنزلوش ، شفت بهائيين رغم إن دينهم بيمنعهم من المشاركة فى السياسة خالص ، شفت ملحدين مالهمش دين خالص ..الكل كان مصري وبس وأي حاجة غير الإنتماء لمصر كان بيختفي جوه الميدان ..الكل طلع يقول"لأ" لحاجات كتير مقيدانا وبتحكم قرارتنا مش النظام وبس.
الوضع جوه جمهورية ميدان التحرير كان فيه كل حاجة ، كان فيه سلم وحرب ، كان فيه صلاة وإنشاد وكان فيه غنا ورقص وكان فيه كمان ضحك وتنطيط ..كان فيه حياة ..
نسبة الجريمة فى جمهورية ميدان التحرير كانت صفر ..مفيش حالة تحرش جنسي واحدة ، مفيش حالة سرقة واحدة ..لو حاجة ضاعت منك زعق بس تلاقي الكل بيدور تحته ويبجيهالك
أنا راجل بسيط ، عمري ما اهتميت بالمسميات ولا الشكليات ومش بيهمني اسم ولا شكل النظام اللي عايزينه ..أنا بس باقول إني لما باصرخ " مدنية مدنية " كان فى دماغي نموذج حقيقي صنعناه وعايز مصر كلها تنبقى عليه
نموذج جمهورية ميدان التحرير.

إلى مسيحيي مصر




الرسام :كارلوس لاتوف *

 
بقلم :عمرو حمزاوي 
الشروق 8 مارس 2011

هذه دعوة للمصريات المسيحيات والمصريين المسيحيين للمشاركة بفاعلية ودون خوف فى صناعة مستقبل مصر، دولة ومجتمعا وحياة سياسية. شاركت الملايين فى الثورة العظيمة وشارك بها المصريون المسيحيون منذ اللحظة الأولى شأنهم فى ذلك شأن المسلمين. واليوم، ونحن نجتهد لدفع مصر نحو مسار تحول ديمقراطى آمن، يتعين على المواطنين جميعا المشاركة والعمل بطرق مختلفة كى نضمن أن تكون مصر الديمقراطية والعادلة ديمقراطية وعادلة لكل مواطنيها.

أكتب هذا بعد نقاشات عميقة مع مصريين مسيحيين خلقت لدىّ انطباعا مؤداه أن القلق من اللحظة الراهنة ربما كان أقوى تأثيرا عليهم إذا ما قورن بالتفاؤل الشعبى العام بالجديد القادم. ووراء ذلك مخاوف مشروعة لا بد من تناولها وتفكيكها للحيلولة دون أن يؤدى قلق المصريين المسيحيين إلى انسحابهم من الحياة العامة والسياسية وعودة السلبية، التى صبغت مواقف الكثير منهم خلال السنوات الماضية.

هناك الخوف المشروع من إمكانية أن تسيطر على الحياة السياسية والعامة فى مصر توجهات وفصائل إسلامية تقصى فى أسوأ الأحوال وتهمش فى أحسنها المسيحيين وتعاملهم باسم ديكتاتورية الأغلبية كمواطنين درجة ثانية. هناك أيضا الخوف من أن يتم، فى لحظة السيولة الراهنة بكل تحدياتها، تجاهل المظالم التى تعرض وما زال يتعرض لها المصريون المسيحيون إن فى ما خص الحريات الدينية أو تمثيلهم والتعبير عن مطالبهم ومصالحهم على نحو متوازن فى الحياة العامة والمؤسسات الرسمية أو تعامل الدولة باستهتار شديد مع أعمال العنف الطائفى التى ارتكبت بحقهم خلال السنوات الماضية.

هذه المخاوف مشروعة، وأشعر شخصيا بمدى وطأتها على المصريين المسيحيين. إلا أن التعاطى معها بصيغة «الابتعاد والانسحاب أفضل» المعهودة سيكون خطأ كارثيا علينا ألا نسمح به. مصر وطن المسيحيين كالمسلمين، وأزعم أن هناك أغلبية واضحة تؤمن بمواطنية الحقوق المتساوية وعازمة على إنهاء المظالم الدينية والاجتماعية والسياسية، التى يعانى منها المسيحيون والحيلولة دون ديكتاتورية الأغلبية. مثل هذه الحالة المجتمعية الرائعة، التى دللت عليها الثورة العظيمة تمكن المصريين المسيحيين من المشاركة بفاعلية ودون تحفظات وبصياغات مختلفة فى الحياة السياسية والعامة.

لنا جميعا مطالب عامة تتعلق بصناعة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وضمان الحريات، وللمصريين المسيحيين مطلبية خاصة ترتبط بمظالمهم. دعونا نلتزم بالمطلبية العامة ونتضامن مع المواطنات المسيحيات والمواطنين المسيحيين فى مطلبيتهم الخاصة بصورة علنية وجريئة. لا أقبل كمواطن أن تتعرض الكنائس أو المؤسسات الدينية المسيحية، وبغض النظر عن الأسباب والخلفيات، لأى اعتداءات. لا أقبل أيضا كمواطن أن يستمر الانتقاص من الحريات الدينية للمسيحيين أو أن يتم التعاطى مع حقهم فى ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وفى أمان تام بالصيغ التسويفية المعهودة. لا أقبل كمواطن أن يجرم فى النقاش العام الاحتجاج الجماعى والعلنى من مسيحيين على خلفية المظالم، التى يعانون منها. وفى نفس الوقت لا أقبل كمواطن أن ينزع بعض المسيحين للانسحاب من الحياة العامة والسياسية لخوفهم من لحظة السيولة الراهنة، كما لا أقبل أن تذهب طاقة التغيير والمشاركة لدى بعضهم باتجاه تكوين أحزاب دينية تتبنى قضاياهم فقط.

فالمساواة الكاملة بين المواطنية والمشاركة الشعبية المتخطية للحواجز الدينية هما مدخلان رئيسيان لصناعة مصر الديمقراطية والعادلة.

الاثنين، 7 مارس 2011

استراتيجية الانتقال فى لحظات الحيرة الثورية

عبده برماوي
 
لقد فشلوا فى قتل ثورتنا بقوتهم، لكنهم قد ينجحوا - لا قدر الله - بالحيلة وبث الخوف وعدم الثقة فى النفوس. ولا مخرج من هذه الورطة سوى باستراتيجية واضحة للانتقال الثورى، تكون فيها الغايات أكثر وضوحا فى توجيهها للسلوك من الرغبات فى الانتقام التى باتت تسيطر على عقول البعض من الثوار. ودون النزوع لتبرير الأخطاء، اردد ما يعرفه القاصى والدانى من أن الفساد فى العقود الطوال التى حكم فيها مبارك قد بلغ مستويات غير مسبوقه،  حتى تلوث به الكثيرون. أى أننا اليوم نقف أمام قطاع عريض من الناس اقتربوا من دوائر القرار والإدارة خلال عصر مبارك، وكانوا جزء من شبكة عريضة استخدمتها عصابة الحكم لتسهيل نهشها لموارد البلاد. كانت "سياسة تعميم الفساد" فى دوائر السلطة والحكم والقرار هى السبيل المعتمد والقانون المهيمن لنظام مبارك الذى ضمن وصول الجزء الأكبر من نواتج الفساد لهذه العصابة . وهذا القطاع العريض من المصريين المتعاونين كانوا على شقين، فيهم الطامعين فى التحصيل السهل لفتات فساد الكبار ممن يخدمونهم، واستمرأوا إياه باعتباره القانون الواضح لتوزيع الثروة فى البلاد، وفيهم المضطرين المغلوبين ممن يعملون فى مؤسسات يعلمون يقينا أن وجودهم في مستوياتها العليا متوقف على ابداء ولاء واضح لمبارك، وقبول بقانونه. هذا القطاع العريض ممن تلوثوا، يضعنا أمام تحدى آنى يجب النظر فيه بحكمة. 

المتحمسين يرون مدخل التطهير الكامل والشامل والآنى حلاً ثورياً، وهو فهم ملتبس للثورة فى ظنى ومدخل - رغم إثارته الثورية وتوقع سرعة انجازه لهدف ابعاد عناصر الفساد- ينطوى فى ظنى على مخاطر تهدد اكتمال الثورة ذاتها.

نعم وبحسم أقول التطهير مهم، لكن وبحسم أيضا أقول أن التطهير عملية دقيقة، تعوزها استراتيجية اخرى غير المتبعة حاليا من الهجوم على القيادات، والتجريس بالشبهة، وبلا دليل قاطع، وممارسة العنف ضد كل من يقف فى مستويات قيادية، والسعى لابعادهم. هذه استراتيجية عاطفية نزقة لا تصلح لاحداث التغيير الثورى، وتتجاهل ضرورة استعادة هيبة القانون وحكمه، كهدف من اهداف الثورة، يمايزها عما كان يجرى فى عصر مبارك. ويتجاهل هذا المدخل أيضاً ما اسلفت فى ذكره من حقائق ممارسة الفساد فى عصر مبارك، الذى كان يجرى عبر شبكات، وليس عبر فرد واحد، أو قلة معدودة. ولو سلمنا بحقيقة ضخامة عدد الموروطين فى هذا التنظيم الشبكى للفساد، فهل نقبل باتساع رقعة المواجهة مع من نحسبهم فاسدين فى كل مؤسسة. بهذا نضع أنفسنا أمام ما يشبه حرب باردة داخلية فى كل المؤسسات، مواجهات وبث لعدم الثقة ستعرقلها وربما تدمرها. وليس من الحكمة فى شئ أن نهدم المؤسسات وعلينا أن نفهم سنن التطهير والإصلاح ما بعد الثورة.

أكرر أنه لابد كهدف عام أن نعيد بناء المؤسسات بفرض نظم للرقابة ومكافحة الفساد، واعمال ادوات الرقابة الشعبية. وهذا هدف لا خلاف عليه. لكن لا تكفى استراتيجية الاحتجاج، ولا الاحالة للنيابة العامة لتنفيذه. إن قتل وحش الفساد، ومحو جرثومته، وايجاد ضمانات لعدم عودة الفساد باسماء ووجوه اخرى، يقتضى منا وضع عملية متكاملة - إن فهمنا الطابع الشبكى للفساد والآثار التى تولدت عن قوانين تعميم الفساد فى عصر مبارك - لتفكيك البنية التحتية للفساد، واعتماد آلية ثلاثية لكشف الحقيقة ورد الحقوق والتسامح.

لابد من استهداف رؤوس الفساد الكبيرة بالعقاب، بحسم وسرعة، باعتبارهم مسؤولون مباشرة عن تركيب وادارة وتحصيل عوائد شبكات الفساد. أما فى المستويات الأدنى (الشبكية) لابد من استراتيجية أكثر تعقداً، قوامها الفرز، ورد الحقوق والتوبة والعفو، بحيث يستفيد منها هذا القطاع الأعرض ممن مالئوا آليات الفساد فى العهد السابق، مضطرين او طامعين. وهذا النهج التصالحى من نتاجه التخلص من العناصر الابرز فى ممارسة الفساد، وإعادة تحصين من تلوثوا باثار فسادهم، واستعادة مفهوم حكم القانون داخل المؤسسات وتقوية بنائه. . 

هذا المدخل لا يحافظ فقط على القوى البشرية القيادية للمؤسسات، بل يتيح أيضاَ فرصاً للتوبة والتحول الإيجابى، وهى نافذة لا يجب على ثورة قوية غلقها، اغترارا بأوهام الطهر الثورى وقوة الجماهير. ولعل التوعية فى هذا الأمر من الأهمية والضرورة، انطلاقاً من أن الحفاظ على المؤسسات فى مرحلة تحول يجب أى رغبة - قد تثير عواطف الجماهير - فى الانتقام، ولابد من الابتعاد عنه لصالح مفهوم الاصلاح واعادة الدفة المؤسسية وتوجيهها الوجهة الثورية الصحيحة

لن يمكننا إعادة الثقة فى المؤسسات وطى صفحة عصر مبارك بغير هذه الروح، وفهم أولوية وجود منظومة بها توافق على الأهداف الثورية لانجاز التغيير الذى نتوخاه. أخشى اننا فى حمى الهدم لنظام مبارك، نهدر بأيدينا اللبنات الجيدة ذاتها التى يمكننا أن ندمجها فى البناء الجديد. ودعونى أقولها بصراحة، إن كل قول بأننا يجب أن نبدأ "على نظيف" هو قول مثالى وغير واقعى، ومن مخاطره مد أمد التغيير بما يوقعنا فى حالة من الملل وفقدان الناس لإيمانهم بضرورة الثورة. إن إدارة التغيير الانتقالى فن ينجح فيه من يتمتعون بحساسية الحركة، وبفهم متعمق لسيكولوجية الناس فى لحظة العبور نحو الجديد. لابد من تمتعنا بهذه القدرة على التواصل مع الناس والحفاظ على معدل الايمان الثورى عند معدلاته حتى لا تجهض الثورة من داخلها.

مثال تطبيقى مهم

ودعونا نناقش هنا مثالاً واضحاً وحاراً ربما يستجلى الفكرة ويرشد لآلية مقترحة.

لا يمكننا انكار ان التحدى الأكبر الآن هو استعادة مؤسسات القانون لتكون سنداً للثورة، وأمامنا هنا جهاز الشرطة، وما يمثله قعوده وخوفه، وتملك الشعور بعدم الثقة فى الذات وفى الجماهير من الكثيرين من أفراده من تحدى سيكون من نواتجه فقدان الأمن فى كل مكان.

وهو جهاز نعلم يقينا أن بداخله عناصر أدارت آلية القهر والفساد فى هذا البلد ولا مناص من استئصال شأفتها وتطهير المؤسسة الشرطية منها. وهذا لن يتم باحتجاجات وممارسة العداء مع أفراد الشرطة، ممن نحتاج لجهد الشرفاء منهم الآن لتقليل هواجس الخوف وعدم الشعور بالأمان فى هذا البلد.

ولا يخفى على أعمى، أن عناصر الفساد (وهم منطلقين فى حالة سعار يحاربون معركتهم الأخيرة وهم يرون ركام ما نهبوه يضيع من بين أيديهم) يراهنون الآن على تمرد شرطى كبير لصالحهم، يظنونه يعيد إليهم المجد التالد، منطلقين من إيمان بأن أحلام الحرية التى يحملها الثوار ستسقط حتما تحت واقع الخوف والافتقاد للأمان. وخير سبيل لمواجهة هذه الأوهام التى تغذيهم، أن نستعيد سريعا المؤسسة الشرطية، ونقول لهم أنها لن تكون خصما من الثورة، بل هى جزء من حماتها، مثلها مثل الجيش، وتحدى الزمن هنا عامل حاسم، ولابد ألا نتباطأ

الباب الذى اقترحه هنا هنا لاحداث هذا التوازن بين الرغبة فى تطهير جهاز الشرطة، واستعادة دوره المؤسسى، هو قيام المجلس العسكرى سريعا بتشكيل لجنة/لجان للحقيقة والمصالحة فى هذه المؤسسة (تضم قيادات شرطية نزيهة حالية وسابقة، وحقوقيون، وقضاة متفرغون وممثلين لشباب الثوار، ومتخصصون). لجان يمنحها المجتمع ثقته، ويبعدها عن التأثر بموجات الرأى العام غير المستقرة، وتكون مهمتها هى فرز الوثائق التى تكشف حجم الفساد والممارسات الاجرامية للنظام السابق، وتحدد من هم الموروطين فيها مباشرة، وتستبعد من لم يكن لهم يد فى حدوثها او اجبروا على الانخراط فيها تحت وطأة الطابع القهرى والاستبدادى لبناء هذه المؤسسة، وتعيد إليهم الثقة.

وهى فى أعمالها تضرب إطارا من السرية على مداولاتها ثم تفضه وتكشفه فور تمام التحقيق وثبوت الادانة بحق المتورطين. ويوازى عملها عملية بناء مؤسسى قوية، على مستوى البنية والهياكل وقواعد العمل المهنية، وتفعيل الالزام القانونى، والتخطيط الجيد، وإعادة التأهيل للافراد، وتقييمهم وفق معايير مهنية تستلهم قيم الثورة وحكم القانون، وبهذا تلم شتات المؤسسة، ونزرع الثقة الشعبية فيها مرة أخرى عبر برامج تواصل بين المجتمع والشرطة، تقوم على التعاون فى استعادة النظام وهيبة القانون فى الشوارع، والأحياء والمؤسسات، لصالح المواطن، وللقضاء على فلول البلطجية والمجرمين والخارجين على القانون ممن ترعرعوا فى عهد النظام السابق

..............................
عود على بدء

ما أثارنى لكتابة هذا المقال هو ما أشارت إليه وثائق أمن الدولة المنشورة بوضوح من تركيبة شبكية معقدة للفساد، وكيف تبنى نظام مبارك عبر أجهزة القهر والتحكم آليات قسرية لمراقبة المجتمع، والتأثير فى القرار ، واعتماده لآليات استبعاد واق...صاء عنيفة لغير المتعاونين. هل علينا الظن بإن كثيرين ممن نعتبرهم فاسدين، فى حكم المضطر، ولم يكونوا إلا ممالئين أو صامتين، فى صورة من صور القهر، توازى فى نواتجها القهر المباشر. كان هناك مستويات القرار مقهورون يا سادة. ولا يجب الاستمرار فى قهرهم، وباب التسامح معهم، وسياسة "عفا الله عما سلف" قد يكون من نواتجها أن نكسب زخما من البشر الجيدين - ممن لهم اخطاء يريدون التطهر منها - يرفدون المد الثورى المبتغى. ألستم معى فى انه من الخطأ غلق الأبواب أمام استعادة الكثيرين لدوائر التطهر الوطنى

أعلم ان هذا الطرح ينطوى على احتمال تسرب عناصر فاسدة دون محاكمة، واعلم فى الوقت ذاته ان نزعة الانتقام الواسعة قد تؤدى لأخذ أبرياء كثيرين بالشبهة. ولابد من ايجاد توازن بين هذا الاحتمال، وذاك. وليكن هادينا هو مصلحة مؤسساتنا وعافيتها. والتعامل لتنظيف هذه المؤسسات من الفساد عامل حسمه القوى هو أن نخلق داخل كل مؤسسة فصيل ثورى، مؤمن بالثورة، وقادر على الزام قيادات المؤسسات بمبادئها واهدافها. وهذا الامر ينطبق على الجيش وعلى القضاء وعلى الشرطة وعلى الاحزاب .. يدعم ذلك خط ثان من الرقابة الشعبية للثوار، التى يمكن تحويلها لمؤسسات مدنية (مثل مجالس الحكماء، وغيرها) للتأكد من صحة حركة المؤسسات..
 عبده برماوي
المصدر:  الفيس بوك