‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 15 يناير 2011

الرواية تعزف لحن الوحدة الوطنية رغم المرارة

خالتى صفية والدير لبهاء طاهر تعرض العلاقة الحميمة بين المسلم والمسيحى

سامح سامي 

الشروق 14-1-2011

فى العدد الماضى ذكرنا أن دراسة الدكتورة نيفين مسعد تؤكد أن القبطى يظهر فى الأدب بغير ملامح خارجية تميزه. وتجلى ذلك فى روايات صنع الله إبراهيم ونعيم صبرى ويوسف إدريس وإدوار الخراط.

ومن هذا المنطلق نعرف أن الأدب ينقل الواقع أو لنقل ينقل وعينا عن الواقع أو كما يردد بهاء طاهر فجنين الخيال هو الواقع، لذلك ليس غريبا أن يصور الأدب الأقباط هكذا بدون أى ملامح تخصهم. فلنقرأ بالتفصيل كتاب أبوسيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، (مركز دراسات الوحدة العربية 1987)، لذلك تقوم الدراسة على فرضية أولى هى أن القبط كأقلية دينية لا يشكلون أقلية عرقية أو سلالية أو لغوية. وهو الأمر الذى ميز الشعب فى مصر بدرجة عالية من التماسك أو التكامل (الاندماج) الاجتماعى، وهو الأمر أيضا الذى تجلى وبوضوح شديد فى الأدب المصرى.

نستطيع أن ندرج ضمن الأدب الذى يمكن أن ينتمى إلى الأدب القبطى «المكتوب باللغة العربية» ــ أقصد الأدب الذى به صور مسيحية أو مكتوب للحديث عن الوحدة الوطنية ــ بعض الكتابات، التى انتشرت فى أوائل القرن العشرين أمثال قصائد عوض واصف، وإبراهيم حنين، وفيليب عطا لله، وتادرس وهبى، واسكندر قزمان، وفرنسيس العتر، وروفائيل نخلة، وقسطندى داود، ونصر لوزا الأسيوطى، وكذلك أشعار بيروم التونسى، وغيرهم.

وعن ذلك، يقول الدكتور نبيل راغب إنه فى الوقت نفسه كان كبار الشعراء المسلمين مثل أحمد شوقى وعبدالرحمن شكرى (رفيق درب العقاد والمازنى فى مدرسة الديوان) وأيضا محمود رمزى نظيم، يشاركون الشعراء الأقباط فى عزف سيمفونية الوحدة الوطنية الحضارية المبهرة فى أوركسترا واحد.
هذا من ناحية الشعر، الذى يستلزم أن نفرد له صفحات كثيرة، أما من ناحية الروايات التى عزفت لحن الوحدة الوطنية، فنجد رواية الأديب بهاء طاهر «خالتى صفية والدير»، والتى بدأها طاهر بفصل عن المقدس بشاى الخدوم الشهم الذى «كان أشهر أهل الدير فى القرية وإن لم يعرف وضعه بالضبط. فهو لم يكن مثل بقية الرهبان المختلين معظم الوقت فى حجرات العيادة الصغيرة، التى يسمونها «القلايات» أو بالصعيدية «الجلايات». كان يلبس مثلهم ذلك الرداء الأسود. ولكنه كان يضع على رأسه طاقية عادية بدلا من القلنسوة المقلوبة الحواف، فهل كان راهبا تحت الاختبار أو مجرد خادم للكنيسة أو مزارعا فى أرض الدير؟».

وبهذا المدخل يفتح القارئ عينه على مشاهد تعكس ترابطا قويا بين أهل القرية، فنجد شيخ أزهرى يصطحب ابنه إلى الدير، ليهنئ الرهبان بأعيادهم، وطفل مسلم يحمل الكعك إلى مسيحيين، وقبطى يرشد الفلاحين إلى كيفية الزراعة الصحيحة.

ولكن لا يجب الاعتقاد أن عالم رواية «خالتى صفية والدير» ورديا، فى محبة وسلام على طول الخط، إذ نجد حنين المسيحى الخائن الذى أراد تسليم «حربي» المسلم، ولكن المقدس بشاى تصدى له، فالمقدس بشاى حسب الرواية :»آخر من يتمنى الموت لأى إنسان».

والصداقة التى نشاهدها فى رواية «خالتى صفية والدير» نجدها أيضا فى معظم الروايات، فأجزم أن معظم الروايات، التى تتدخل ضمن هذه الدراسة بها، وبشكل مكثف، هذه الصداقات الحميمة، فهناك صداقة المقدس دميان والشيخ مجد الدين فى رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية» لإبراهيم عبدالمجيد، فالصداقة هى البنية المهيمنة فى هذه الرواية، وهناك صداقة حسن مفتاح وفؤاد منقريوس فى «عنقاء» الدكتور لويس عوض. وكذلك الصداقة التى تظهر بوضوح فى رواية خيرى شلبى «إسطاسية» بين المحامى المسلم، الذى يريد أن يدافع عن حق إسطاسية وابنها المقتول محفوظ. لكن وراء هذه الصداقة مرارة ووجع عبر عنهما شلبى فى روايته، من خلال تناول قصة أرملة المقدس جرجس غطاس، التى تعيش فى إحدى القرى النائية بكفر الشيخ، قُتل ولدها محفوظ الحلاق فاشتعلت نارها وأصبحت تخرج كل يوم مع الفجر تصرخ وتناديه: «يرتفع أوار النار، يعلو زئيرها وصريخها بشكل ينذر بخطر يحرق البلدان كلها. تتفرع ألسنة اللهب مع وهج الاستغاثة وجلجلة التكبيرات المؤكدة بأن الصلاة خير من النوم. عندئذ تكون إسطاسية قد دخلت فى صُلب النار، صارت لها عشرات الألسنة الحادة الملتهبة، وصارت هى قريبة من السماء، تتطاير منها العبارات الملتهبة المكلومة إلى الفضاء كذرات من المشاعر المنصهرة فى صدرها، صورا من الوجع الشعورى الأليم، بمرارة الفقد والحرمان تقول:فيك يا من قتلت ولدى».

وبعد قراءة «إسطاسية»، نكتشف أن الصراع فى الريف بين العائلات «ماكيت» لما يحدث فى مصر كلها، فهناك بالريف تشتعل الصراعات والحكايات بين «حمزة البراوى» راوى الحكاية وبطلها الذى درس الحقوق وفشل فى أن يصبح قاضيا لتاريخ عائلته فى القتل والإجرام، والعمدة «عواد البراوى» عم حمزة وشريك محفوظ القبطى فى ماكينة الطحين، ومن ناحية أخرى هناك الجزار «عبدالعظيم عتمان» المتهم بقتل حمزة، والذى كان يزفر من الغيظ، يكز على أسنانه هادرا فى كل مكان أمام كل الناس:
ــ «طيب يا عضمة زرقا! إن ما وريتك النجوم الضهر
ما أبقاش أنا! ودينى لأدفعك التمن غالى وأطلع
دين صليب أمك ببركة نبينا المصطفى! حاكسب فيك
ثواب إن شاء الله».

وكان ذلك كله بسبب ماكينة طحين التى نجحت فى التنكيل بعبدالعظيم عتمان، خفضت رزقه إلى الثلث. يُقتل محفوظ ابن إسطاسية دون أن نعرف من القاتل الحقيقى إذ برأت المحكمة المتهم عتمان من تهمة القتل. إسطاسية وغيرها من الروايات التى صدرت حديثا تكشف مدى ما وصل إليه المجتمع المصرى وتفككه، لنشهد تغييرا ملحوظا فى الروايات حول علاقة القبطى بالمسلم. المجتمع طفحت عليه الفتنة الطائفية، مع الخوف من ما هو قادم.
عالم الرهبان
وعالم الرهبان المبثوث فى رواية خالتى صفية والدير، تطرق إليه أيضا إدوار الخراط، لكن بتصور مختلف، ففى قصة الخراط «أبونا توما» المنشورة فى مجموعته القصصية «حيطان عالية»، وهى قصة يتضح فيها ملامح الشخصية المسيحية ــ خاصة فى مجتمع الرهبان ــ ولكن يخيل لى أن إدوار الخراط لا يقصد فقط كتابة قصة عن الرهبان بالدير، وإنما تكمن قصته فى طرح أسئلة حول المسيحية، فى جانبيها الفكرى والفلسفى، فهو لا يشرح حياة الرهبان بقدر ما يطرح أسئلة بخبث محمود.

يتخذ الخراط من صومعتين متى وتوما خلفية للقصة، وتدور القصة حول أبونا توما وأبونا متى فهما: (لا يفتأن يصليان، ويترنمان بكلمات الله وتسابيح الآباء والقديسين. كانا يذهبان فى الأعياد إلى كنيسة الدير، ثم يعودان محملين بزاد روحى من التقوى)، ويروى الخراط أن أبونا توما بعد أن يفرغ من قراءة الكتاب وأداء الصلوات والترنيم بالمزامير والتسابيح يبدأ فى نسخ الكتب المقدسة. أما أبونا متى فكان يجدل الخوص ليعود بها فى العيد التالى إلى الدير.

وأنا هنا لا أحاول حكى الحكى، تماشيا مع رأى الخراط، ولكننى هنا ــ فى وضع الخائن للنص ــ أقرب صورة الشخصية القبطية للقارئ فقط، وهذا لا يعنى ألا يقرأه، بل ذلك فى تقديرى، إضاءة للقارئ حتى يعايش النص، ويستمتع بلذة القراءة.

خلاصة القول إن القصة تطرح أسئلة صعبة الإجابة منها: (كان الراهب خائفا، وكانت الريح تزف أدرك انه يعانى تجربة ليست من الله. فمتى يهدأ قلبه ومتى يتقوى بالروح؟) (الرب نساه. ويسوع الذى عرف آلام المجدلية فرحمها وغفر لها، لم لا يصغى لندائه الآن؟ لم لا يسمع له وهو يقرع بابه بانسحاق؟.. كم مرة انشده التسابيح والأشعار فلماذا لا يراعى دموعه، الآن، ويطرد عنه الروح الشرير؟). (راجع صفحة 178 فى مجموعته حيطان عالية). ولمزيد من التفاصيل حول أعمال الخراط القبطية، اقرأ كتاب ماهر شفيق فريد «الإغارة على الحدود»، الصادر عن مركز الحضارة العربية.

عزازيل علامة فارقة
أما الرواية الأشهر لعالم الرهبان فهى «عزازيل» ليوسف زيدان، التى شهدت جدلا واسعا بين الكاتب والكنيسة القبطية بتهمة تشوية العقيدة المسيحية. وهى تحتاج إلى مساحة كبيرة لمناقشتها، بل تحتاج إلى دراسة منفصلة، إذ إنها علامة فارقة فى تاريخ الأدب الذى يتناول صورة القبطى أو المسيحية.
«عزازيل» هى رقوق ثلاثين لسيرة ذاتية للراهب المسيحى المصرى هيبا (الحائر دائما)، والذى عاش فى الفترة المضطربة من التاريخ المسيحى الكنسى فى أوائل القرن الخامس الميلادى، والتى تلتها إنقسامات هائلة بين الكنائس الكبرى، وذلك على خلفية الخلاف حول طبيعة المسيح.
كتب الراهب هيبا رقوقه مدفوعا بطلب من عزازيل أى «الشيطان» حيث كان يقول له: «أكتب يا هيبا، أريدك أن تكتب، اكتب كأنك تعترف، وأكملْ ما كنتَ تحكيه، كله..». وأيضا «يقول فى رده على استفسار هيبا: «نعم يا هيبا، عزازيل الذى يأتيك منك وفيك».
وتتناول كتب الراهب هيبا ما حدث له منذ خرج من أخميم فى صعيد مصر قاصدا مدينة الإسكندرية لكى يتبحر فى الطب واللاهوت. وهناك تعرض لإغواء أمرأة سكندرية وثنية (أوكتافيا) أحبته ثم طردته لما عرفت أنه راهب مسيحى. ثم خروجه هاربا من الأسكندرية بعد ثلاث سنوات بعد أن شهد بشاعة مقتل العالمة هيباتيا الوثنية على يد مسيحى الإسكندرية بتحريض من بابا الإسكندرية البابا كيرلس عمود الدين. ثم خروجه إلى فلسطين للبحث عن أصول الديانة واستقراره فى أورشليم (القدس) ولقائه بالقس نسطور الذى أحبه كثيرا وأرسله إلى دير هادئ بالقرب من أنطاكية. وفى ذلك الدير يزداد الصراع النفسى داخل نفس الراهب وشكوكه حول العقيدة، ويصاحب ذلك وقوعة فى الحب مع امرأة تدعى (مارتا)، وينهى الرواية بقرار أن يرحل من الدير وأن يتحرر من مخاوفه، ليصبح حرا. وعزازيل لا تتعرض لصورة القبطى فقط، بل هى أوسع وأشمل من ذلك، حيث تتناول تاريخ المسيحية فى الشرق، لتصبح رواية فكرية إذا جاز التعبير.

سير ذاتية

وهناك بعض السير الذاتية التى تدخل ضمن الأنواع الأدبية، منها أعمال الرسام رجائى ونيس فى سيرته الذاتية «خطوط الألم وألوان الابتسام»، يكتب عما يجيش داخله تجاه وطنه مصر»، حسب وصف الدكتور نبيل راغب فى كتاب «الوحدة الوطنية فى الأدب المصرى». ويشرح ونيس بقلمه بعض المتغيرات، التى طرأت على المجتمع المصرى كأنه يعيش فيه تماما، ويسأل عن سر الشرخ الكبير الذى أصاب هذا المجتمع المسالم والمتسامح والمتحاب، وعن سبب تراجع المرأة المصرية عن مشاركتها فى الحياة العامة، وهل يعود ذلك إلى الزحام أم إلى طبول الثورة الإيرانية. كما نجد أيضا الرسام جورج البهجورى قد سجل تجربته كفنان ــ وأديب ــ قبطى فى كتابين يمزجان بين فن الرواية وفن السيرة الذاتية، وهما «أيقونة فلتس»، و«من بهجورة إلى باريس».
أما الكاتب الكبير لويس عوض فله رواية واحدة هى «العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح» التى يرى فيها أن الشيوعية وحدها فيها الخلاص كما فى المسيحية الخلاص، ولعل ذلك ما جعل بعض النقاد الأقباط يرفضون الرواية ويحكمون أن تاريخ الرواية المصرية يتجاوزها فى أحايين كثيرة، بل تحيز أحدهم ضدها بشكل ملفت إلى النظر، يجعلنا نسأل: إلى أين يتجه النقد الأدبى فى مصر؟ هل يكتب الروائى ما يتوافق مع الناقد، أو حتى ما يتوافق مع التراث القبطى، أم أن الروائى حر ــ شديد الحرية فيما يكتب ــ لا يملى عليه أحد ما يكتب، وكيف يكتب خاصة إذا كان فى قامة مثل لويس عوض؟!.

المهم أن الرواية فى جزء منها تتبدى صداقة فؤاد منقريوس وحسن مفتاح الذى ود لو أنه تعلم كيف يتلو: «أبانا الذى فى السموات «إكراما لفؤاد منقريوس، فلعل السماء تقبل لغة النصارى عن أرواح النصارى ولغة المسلمين عن أرواح المسلمين. وتظهر فى الرواية حب وثقة حسن مفتاح فى منقريوس حين يقول: (إن فؤاد منقريوس اعرف الناس بمصلحة فؤاد منقريوس، فإذا كان فؤاد منقريوس قد خرق قوانين الطبيعة وآثر الموت على الحياة فلابد أن لديه من الأسباب ما يبرر ذلك).

ويكتب رءوف مسعد فى «مزاج التماسيح» عن القمص ملاك عبدالمسيح، وأخته تفيدة العانس المرتبطة بتقاليد بالية ومتخلفة غير إنسانية بل غير مسيحية، ويحكى بأسلوب تقريرى «صحفى» عن التعصب الدينى الناتج عن الجهل والذى حول الناس إلى ميليشيات: (فى المناطق التى استولت عليها الميليشيات المسيحية، التى اتخذت لنفسها أسماء الملثمون وفرسان الشهيد العظيم مارجرجس وجنود يهوه، كان القمع الباتر الحاسم العاجل لكل فكر أو حركة مختلفة يتم بنفس الطريقة التى يتم بها فى المناطق التى تقع تحت سيطرة الميليشيات المسلمة مثل الناجون من النار وحزب الله والتبليغ والدعوة)، بالإضافة إلى حديثه عن المظالم التى يتعرض لها القبطى فى عرض حال رقم واحد من قتل وحرق واضطهاد.
ويطرح مسعد فى مزاج التماسيح ــ وفى معظم كتاباته، خاصة بيضة النعامة ــ بأسلوب ساخر ضاحك مناظرات نقدية للأديان والطقوس الخاصة بتلك الأديان: (انظر إلى الأناجيل الأربعة، ألا يلفت نظرك رواياتها المختلفة لواقعة واحدة؟!).

وهناك مقال مهم للدكتور صبرى حافظ منشور بمجلة إبداع 1998، يعلق فيه على «بيضة النعامة» لرءوف مسعد، قائلا: «إن قضية الكنيسة التى تستلهم الرواية رمزها عنوان لها، تكشف لنا عن أهم سلبيات هذه الرواية. وهى فرض الوعى الخارجى المقحم على بنية باستطاعتها بدونه أن تعبر عنه بطريقة أكثر عمقا وتمكنا. الكاتب يريد أن يبلغ قارئه انشغاله بقضية الكنيسة المصرية ومستقبل الأقباط فى مصر، وهو انشغال بلوره نسيج التجربة نفسه بطريقة أكثر فنية وإقناعا. لذلك فإن الكنيسة المصرية التى ينتمى إليها الكاتب كان من الممكن لها أن تظل فاعلة بشكل أعمق فى النص لو لم يطف بها إلى سطح الأحداث فى الجزء الأخير، ويقحم قضيتها بشكل لا علاقة له ببنية النص «الشبقية»، كما أقحم عليه الكثير من التعليقات السياسية الساذجة فى بعض الأحيان».

رواية مسيحية خالصة
ومن الروايات التى تمتلئ بالصور القبطية، بل تتخذ من بداية العنوان وحتى نهاية الرواية الصور القبطية إطارا لها رواية «البشمورى» لسلوى بكر، فالبشمورية لهجة من اللهجات القبطية، تختزل فيها بكر، حسب رأى الناقد نبيل راغب، على لسان الأنبا يوساب تصور الأقباط لطبيعة العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والوطن المصرى فتقول: (إن الكنيسة هى الحافظة لمصر، فان ضاعت، ضاعت معها البلاد إلى الأبد). ولأنها كذلك، أى لأن الكنيسة الأرثوذكسية هى الحامية لمصر، فإن الأنبا يوساب لم يكن يقلقه انتشار الإسلام فى القرى والكفور. فرباط الود يجمع الأقباط مع المسلمين. أما صراعه الحقيقى كقبطى فكان مع الكنيسة الملكانية المهرطقة، التى اعتبر تحريفها للعقيدة الحقة نوعا من الهرطقة التى يجب أن يحاربها بكل طاقته.

وعلى العكس مما يشاع عن سلبية الأقباط فى الواقع، وابتعادهم عن السياسة، يظهروا فى البشمورى شخصيات مسيسة كالبطل «مينا بن بقيرة» القبطى الثائر الذى (افتتن زمنا بأقوال الكافر مانى عابد الشيطان.. ثم إن البشمورى عاد واهتدى إلى الدين الحق، بعد أن تعقل، واعترف بخطاياه على يد أبى بيعة بلدته النجوم). وتذكر بكر أنه قاد المقاومة المسلحة لبلدته (البشمورى) ضد غلو الولاة فى جباية الخراج، وكذلك يظهروا فى روايات نجيب محفوظ، خاصة علاقتهم بحزب الوفد.

ومن الروايات اللافتة للنظر رواية «قرية ظالمة» لمحمد كامل حسين، وهى رواية تعتمد على الأفكار المسيحية من حب وتسامح ونبذ الحروب، ونستطيع القول بأن الرواية لا تتجسد فيها ملامح الشخصية القبطية، لكنها رواية بها الكثير من كلمات المسيح، خاصة موعظته على الجبل. ونجد ذلك أيضا فى القصة القصيرة «أيوب» من مجموعة الشيطان يعظ للأديب نجيب محفوظ، فهى من وحى سفر أيوب فى العهد القديم بالكتاب المقدس. ولعلنا كلنا نعرف قصة أيوب. تروى قصة نجيب محفوظ عن رجل أعمال يتمتع، ويمتع أسرته، بالجاه والمال، أصابه مرض جعله قعيد الفراش، ويعانى من الإحباط والاكتئاب.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك أيضا رواية «أوراق زمردة أيوب» للروائى بدر الديب الذى عالج رؤيا مسيحية، بموهبة وبصيرة، وإن كان كما هو معروف ليس مسيحيا. وفى أحاديث كثيرة مع إدوار الخراط خلال إعداد هذه الدراسة أكد أهمية الديب، موضحا أن روايته كلها ــ فى تصور ممكن لها ــ تتخذ صيغة الاعتراف والحديث الحميم بل تكاد تكون بديلا لـ «الاعتراف» بمعناه، وبطقسه المسيحى، بل القبطى، ففيها الكثير من الإيحاءات المسيحية بداية من العناوين الداخلية: الوحدة الجديدة، والآنية المسروقة، وطقس الاعتراف، وآنية للهوان، وكل هذه العناوين ترمز إلى أمور مسيحية مذكورة فى العهد الجديد، بل فى الرواية الكثير من التوحد الشديد بين زمردة المسلمة والقديسة جميانة، أو دميانة. إذن زمردة قبطية على نحو عميق ودال، تموت فلا تترك ميراثا إلا مذكراتها التى أوصت أن تحرق بعد موتها، كما طلب كافكا من صديقه ماكس برود حرق كتبه.

قضية إسلام القبطى
كان عبدالحكيم قاسم واحد من أهم الروائيين الذين تعرضوا بجرأة إلى محاولات أسلمة الأقباط، من بعض المتعصبين، إذ رسم فى روايته القصيرة «المهدى» المنشورة فى كتاب «الهجرة إلى غير المألوف» بدار الفكر 1986، حكاية إعلان إسلام القبطى الفقير المعلم عوض الله صانع الشماسى فى القرى على أيدى شعبة الإخوان المسلمين فى قرية محلة الجياد بطنطا، ويجسد كيف يضغط القوى على الضعيف، وكيف لا يطيق طلعت وكيل الإخوان المسلمين والقائم بمعظم الأعمال وجود المخالف له، وهو المعلم عوض الله القبطى. ويصور قاسم فى روايته طلعت كالطائر الجارح الذى ينقض على فريسته، فهو قد دبر كل شىء، وأوجد للمعلم عوض الله مكانا ليبيت فيه، أطلق عليه المهدى ــ الاسم يحمل دلالة أن عوض «المسيحى» اهتدى إلى الله ــ وقدم له مصحفا، مشيرا إلى قراءة بعض الأجزاء منه وهى: (إذ قال لله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، قال سبحانك، ما يكون لى أنا أن أقول ما ليس لى بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك علام الغيوب، ما قلت لهم ألا ما أمرتنى به)، ولم يستطع المعلم عوض أن يقرأ أكثر فالقى برأسه على الحائط خلفه، وانهمرت دموعه وهو يتمتم (يا يسوع المسيح يا بن الله مجد اسمك). ولم يستطع عوض القبطى معارضة الإخوان المسلمين، ولكنه كان يصرخ فى داخله (أيها الآب، قد أتت الساعة، مجد ابنك وليمجدك ابنك).

وقبل أن يصل المهدى إلى المسجد ليشهر إسلامه، يترنح على الفرس وينكفئ على وجهه فاقدا الوعى تماما ويموت المهدى قبل أن ينطق الشهادتين، ثم تصلى زوجه «فلة» وتقول باسم الرب يسوع المسيح وترسم على صدرها علامة الصليب.

ورواية قاسم بها إيحاءات تصل إلى حد الوضوح بين السيد المسيح والمعلم عوض، فعندما يساق عوض يقول: (هوذا الساعة قد اقتربت، وابن الإنسان يسلم إلى الطغاة)، وعندما حرص الإخوان المسلمون على لف العمامة على رأس المعلم رن داخله صوت: (وضفر العسكر إكليل من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه ثوب أرجوان»، وأيضا يمتلئ رأس المعلم عوض بصخب المشهد الكنسى، وعلامات الحداد حين يمسك طلعت به: (ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع ومضوا به).

يبقى أن نشير إلى أن هناك روايات وقصصا قصيرة، تدخل ضمن الدراسة، لم نستطع عرضها هنا، منها «عمارة يعقوبيان»، و«شيكاجو» لعلاء الأسوانى، و«النبطى» ليوسف زيدان»، و«عيب إحنا فى كنيسة»، و«البتول» لروبير الفارس، و«منتهى» لهالة البدرى، و«النزول إلى البحر» لجميل عطية إبراهيم، و«بنت من شبرا» لفتحى غانم، وبعض أعمال يوسف الشارونى، وفوزية أسعد، وبعض الأعمال الشعرية مثل «الظل والصليب» لصلاح عبدالصبور.

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

2011 عام نجيب محفوظ


تحتفل مصر بمئوية نجيب محفوظ
على مدار العام 2011
عبر العشرات من الفعاليات والندوات ونأمل الإنتهاء من مركز نجيب محفوظ لعرض مقتنياته
واهمها مكتبته وصوره التي تشكل جزءا من تاريخ مصر 
...
 .

سيد الرواية أثرى المكتبة العربية بأكثر من 50 كتاب بين روايات وقصص قصيرة ومسرحيات قصيرة وكتب متفردة فى نوعها مثل:اصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة
كما كتب العديد من سيناريوهات الأفلام المصرية 
فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى الأدب 1988
بخلاف الجوائز المصرية مثل جائزة الدولة وقلادة النيل أرفع وسام مصري

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

خصائص القصة القصيرة والرواية النوبية

(1من 3)

أحمد سوكارنو عبد الحافظ

الحوار المتمدن - العدد: 1836 - 2007 / 2 / 24

يعتبر ديوان الشاعر النوبى محمد عبد الرحيم إدريس علامة مهمة فى نشأة الأدب النوبى، ويتضمن هذا العمل عنوانا رمزيا (فى ظلال النخيل: 1948) حيث عبر الشاعر فى هذا الديوان عن آمال والآلام النوبيين، كما يتغنى بقيمة الثقافة والحضارة النوبية. بيد أن الرواية استطاعت أن تتبوأ مكانتها كديوان يعبر النوبيون من خلالها عن التجارب التى مروا بها خلال القرن المنصرم. وقد شهدت هذه الحقبة مولد الرواية النوبية عندما قام الروائى النوبى محمد خليل قاسم بإصدار روايته "الشمندورة" . وتقول فريدة النقاش فى تقديمها للرواية أن محمد خليل قاسم هو "واحد من أكبر الروائيين المصريين وأخطرهم أثرا"،ص24. وكان خليل قاسم قد كتب هذه الرواية وهو فى سجن الواحات حيث كان مسجونا سياسيا. وهذه الرواية تدور حول حياة النوبيين فى تلك الفترة التى شهدت التعلية الثانية للخزان (1933). وكان لهذا الخزان الذى شيد عام 1902 ثم تم تعليته عدة مرات أكبر الأثر فى غمر الأراضى النوبية مما أدى إلى تشريد الأهالى وأدى إلى انتشار الأمراض والمجاعات. وبالرغم من أن أحداث هذه الرواية تدور فى قرية محددة هى قرية قته إلا أنها ترمز إلى كل قرى النوبة التى واجهت نفس الشدائد وتعرضت لنفس الأهوال. واستطاع الروائى أن ينقل لنا من خلال هذه الأزمة كل عادات وتقاليد النوبة وماهية العلاقات بين أفرادها. وعلى حد قول الأستاذ محمد أمين العالم، فإن هذه الرواية يمكن تصنيفها على أنها رواية واقعية تستمد مادتها من واقع الحياة وذلك دون أن تفقد قيمتها الأدبية والفنية. إن كلمة الشمندورة ترمز إلى الحياة فى النوبة التى تتحرك حول نفسها دون أن تتقدم إلى الأمام. وهذه الأداة لا ترمز فقط إلى الهدوء والسكينة التى تتمتع بها النوبة بل تشير أيضا إلى صلابة وكبرياء أهلها. ونرى الشمندورة فى الرواية نجاهد وتناضل وتقاوم الأمواج العاتية التى تدفعها إلى قاع النهر:

..
وتميل الشمس لتغوص فى مياه النيل إلى الغرب عاكسة أشعتها الواهنة
على صفحة الشمندورة الحمراء التى تناضل فى الضحى، وتناضل فى
الظهيرة وعند الأصيل وعند السحر، لتنتعق وتجرى فى النيل كما تهوى،
دون تلك السلسلة اللعينة التى تشدها إلى القاع.. الشمندورة، ص104.

وهنالك روائيون آخرون من النوبة اختاروا أن يحذو حذو خليل قاسم ويتخذوا الرواية ديوانا لهم وسعوا من خلالها ليحفروا أسمائهم فى سماء الأدب ومنهم إبراهيم فهمى و إدريس على ويحيى مختار وحسن نور وحجاج أدول ومحمد وهبة. كتب إبراهيم فهمى عدة مجموعات من القصص القصيرة: القمر بوبا (1989) وبحر النيل (1990) والعشق أوله القرى (1992) ورمش الصبايا (1994). ويعبر إبراهيم فهمى عن عشقه لبلاد النوبة فى مجموعته القصصية (القمر البوبا) والتى تدور أحداثها فى القاهرة، فهو يبين لنا أن هذه المدينة التى تكتظ بالمغريات لم تستطع أن تنزع النوبة من قلوب أبنائها الذين يقيمون فى القاهرة. فالقمر بوبا (عبارة عن قلادة من الذهب) ترمز إلى الثقافة والتقاليد النوبية.

بدأ إدريس على فى كتاب القصة فى السبعينيات. وتعتبر رواية دنقلة (1992) من أشهر الروايات التى كتبها، وقد قدمها المؤلف على أنها "رواية نوبية". وهذه الرواية تدور أحداثها فى قرية "قرشة"، إحدى قرى النوبة. وقد أثارت الموضوعات التى تعرض لها فى هذه الرواية جدلا واسعا لما تحتويه الرواية من أسماء تتشابه وأسماء أشخاص حقيقيين فى القرية، والموضوع الرئيسى فى هذه الرواية يتناول أثر الهجرة على النساء فى قرى النوبة فالرجال يضطرون إلى العيش فى بلاد الغربة سنوات طويلة تاركين خلفهم الزوجات اللاتى يعانين من الوحدة والملل مما قد يؤدى إلى ارتكاب جريمة مزدوجة مثل الخيانة الزوجية والقتل، وقد ارتكبت حليمة هاتين الجريمتين فى الرواية عندما قامت بخيانة زوجها (عوض شلالى) مع أجير صعيدى وقتلت أم زوجها حوشية النور. أما مجموعته القصصية (وقائع غرق سفينة)1994 فهى تتضمن قصص قصيرة تدور أحداثها فى القاهرة: فهو يلقى الضوء على المعاناة التى يلاقيها النوبيون فى هذه المدينة حيث لا يجدون سوى مهن الطهى والخدمة. ونلاحظ أن الروائى لم يستخدم أسماء للإشارة إلى شخصيات هذه المجموعة القصصية، وهو بذلك يريد أن يرمز إلى كل أبناء النوبة 
.

وتعتبر رواية (النوبى) أحدث رواية لهذا الكاتب (2001م). وهذه الرواية تتناول قضية مهمة هى الهوية النوبية، فبالرغم من أن النوبيين يحملون دماء مختلطة فى عروقهم: عربية وإفريقية وتركية، إلا أن بعضهم يؤكدون صلتهم بعرقية معينة متجاهلين بذلك الانتماءات الأخرى: فالبعض يؤكد أنه ينتمى إلى العباسيين أو إلى الأنصار والبعض الآخر يتفاخر بدمائه التركية أو البوسنية. إن مقتل "كتبة تيما كوداى" فى الرواية يرمز إلى طمس الهوية الأفريقية فى كيان النوبيين، إذ أصبحوا يتشبثون بالهويات الأخرى. وينتقد إدريس على هذا الوضع من خلال أحد شخصياته—كتبة تيما كوداى—الذى يقول:

..
لكن أين جذوركم الفرعونية والنوبية؟
أين "رمسيس" و"نفرتارى" و"طهراقا" و"كاتشا"؟ قل لى..أين؟ أنتم
هنا تتفاخرون ببنى "الكنز" وهم هناك "مجراب" و"مرداب" و"كشاف".
لقد اختزلتم التاريخ فى العرب والأتراك والمماليك وتجاهلتم من سبقوهم.
(
النوبى، ص38)

كما إن إدريس على قى رواية (النوبى) يذكر النوبيين من خلال استخدام لغة شعرية فى السرد إلى تعدد العناصر المكونة للشخصية النوبية:

نعم جدى مات. لا كما يموت الناس والبعير إنما كالأشجار. وخلال الأيام
التى تلت موته، حاصرتنى عشرات الوجوه، "كتبة تيما كوداى" بجباله
ومزاعمه، "كنود" بصندوقه العجيب واسمه الأغرب، "رمسيس" بتماثيله
البديعة، "نجم الدين" وأولاده الذين زاحموا المكان، فلول المماليك وكشاف
(
الأتراك. (النوبى، ص 121).

هذه الأسماء جاءت فى الصفحات الأخيرة من الرواية. وهى أسماء لم تأت على لسان أحد الشخصيات بل تأتى فى سرد الرواية مما يعكس موقف الروائى تجاه هذه القضية. ومن الملاحظ أن كل أسم يرمز إلى هوية معينة، فكتبة وكنود يرمزان إلى الهوية الأفريقية والارتباط بسكان جبال النوبة، ورمسيس يرمز إلى الهوية الفرعونية، أما "نجم الدين" وأولاده فيرمزون إلى الهوية العربية.

وأصدر يحيى مختار فى عام 1992 رواية (ماء الحياة) والتى تدور أحداثها فى قرية الجنينة والشباك، حيث نجد "راجية هميد" التى تركها زوجها "إدريس ليرتمى فى أحضان امرأة فى مدن الشمال تعانى من الوحدة والحرمان، حتى تلقى حتفها غرقا فى مياه النهر. وترمز "راجية هميد" إلى النوبة التى هجرها أبناؤها ولاذوا بمدن الشمال طلبا للرزق، وتواجه النوبة نفس مصير "راجية هميد" حيث تركها أهلها تغرق وتغوص تحت مياه الخزان والسد العالى. وكتب يحيى مختار مجموعة قصصية أحرى هى كويلا (1997). والجدير بالذكر أن بعض قصص هذه المجموعة تدور فى قرية نوبية (ماء الحياة وجدة وندهة) والبعض الآخر فى شقة بالمدينة (الجدار الزجاجى والزمن النوبى) وهذه القصة (الجدار الزجاجى) تدور حول رفض عثمان حجية زواج فتياته من مصريين حتى يسنطيع المحافظة على الهوية النوبية.

حسن نور كتب رواية بين النهر والجبل (1991) والتى تدور أحداثها فى إحدى قرى الكنوز هى قرية قورتة إبان التهجير إلى الشمال فى جبل السلسلة، فهذه الرواية تثير عدة قضايا: (1) عادات النوبة التى تتعلق بضرورة زواج الفتى من فتاة القبيلة التى ينتمى إليها، وهذه العادة تؤدى إلى ضياع فرصة الزواج لفتيات بعض القبائل، وفى هذه الحالة قد تتزوج الفتاة من أحد الغرباء الذين يعملون فى القرية. (2) تتناول الرواية قضية مهمة تختص بردود أفعال أهالى القرية إزاء التهجير والعواقب التى قد تنجم عنها فى المستقبل. ولحسن نور رواية أخرى هى (دوامات الشمال) التى تدور أحداثها بين القاهرة فى الشمال وقرية تقع جنوب الشلال.

أما حجاج أدول فهو روائى وكاتب مسرحي، والجدير بالذكر أن حجاج أدول حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1990 عن مجموعته القصصية (ليالى المسك العتيقة (1989) والتى قام بإهدائها إلى عميد الأدب النوبى الحديث محمد خليل قاسم. ومن بين القصص القصيرة التى تتضمنها هذه المجموعة هى قصة "الرحيل إلى ناس النهر"، وهذه القصة تتناول تأثير النهر على حياة الناس فى إحدى قرى الفاديجا النوبية. فالنهر الذى يعشقة الأهالى ويهيمون به قد تسبب فى تشريدهم وأصبح مصدرا لتعاستهم وبؤسهم، فارتفاع منسوب النهر أدى إلى غمر أراضيهم ومنازلهم بمياه الفيضان مما اضطروا إلى النزوح إلى أعلى الجبل. ويرمز تعرض أشا أشرى للغرق فى مياه النيل إلى ذروة المعاناة فى قرى النوبة. ومن الروايات المهمة التى كتبها حجاج هى الكشر (1992) وتدور أحداثها فى قرية توماس حيث يتعرض الأهالى للفيضانات المتتالية التى تغمر أراضيهم وتهدد حياتهم بالخطر، فيضطرون إلى اللجوء إلى أعالى الجبل. وتبدأ أحداث القصة عندما شاهدت حميدة الطفلة كابوسا عرفت من خلاله أن قرية توماس معرضة للغرق، فاجتمع أهل القرية لمناقشة أفضل السبل لمجابهة الفيضان القادم، واتفق الأهالى على تنفيذ قرار أكاشة اوادة وهو ضرورة التضحية بفتاة بكر جميلة، ولم تنطبق هذه المواصفات إلا على شارى بنت سكينة. وفى النهاية يقرر سماسيب أن يقدم نفسه قربانا للقرى النوبية.

كتب محمد وهبة رواية "أوه مشا" (1997م)، وقد أشار المؤلف فى العنوان الثانوى لها أنها "رواية من الأدب النوبى". وهذه الرواية تدور حول وحش أو اماندجر أختطف بعض الماشية والفتيان فى نجع من نجوع قرية إبريم، وسرت شائعة فى القرية أن ناس النهر يطلبون جزيرة سروجى خالية من المخلوقات. لجأ الأهالى إلى إددو أو الرجل الكبير المشهور بحكمته وشخصيته القوية، أقترح الرجل أن يتم اختيار تسعة من أبناء القرية الأشداء من بينهم إبنه ماهر الذى أعطاه سيف أجداده العتيق، فأنطلق الفتيان إلى سروجى أرتى (جزيرة سروجى) للبحث عن الوحش الذى وصف بأنه "مثل قشرة صدفية باهتة البياض وذيل طويل وفم كبير كالكلابات". بيد أن الوحش استطاع أن يتخلص من معظم هؤلاء الشبان ولم يبق سوى ماهر الذى أستطاع فى النهاية أن يقتل الوحش ويخلص أهل القرية من أنيابه وأظافره القاتلة. ومن سخرية القدر أن يلقى ماهر حتفه بلدغة عقرب أثناء استعداده للزواج من محبوبته اونتى
.

الجمعة، 19 نوفمبر 2010

حوار حول إسطاسية


القاهرة - رشا عبدالوهاب
"إسطاسية" أحدث الأعمال الإبداعية للكاتب الكبير خيري شلبي.
حمل شلبي هذه الرواية في رأسه منذ طفولته لأكثر من 65 عاما، ملامح شخصية لامرأة مصرية قبطية يقتل ابنها الوحيد، لتحول إسطاسية الثكلى حياة أهالي قريتها الى جحيم مقيم، وحداد يومي لا ينقطع على مدى سنوات الى أن يقتص لها العدل الإلهي من قتلة ابنها.
تجربة جديدة وحلم قديم لصاحب"الوتد" لكتابة تراجيديا مصرية غنائية وللكتابة عن الريف حيث الصفاء الكامل.
يصف شلبي تجربة حياته بـ"المروعة" لأنها أعطته القدرة على معرفة أنواع المشاعر وأنواع الناس وأصبحت معرفة ذات مصداقية لأنها وليدة المعاناة والمكابدة. يعيش الحياة بقلبه دائما ولا يخفي مشاعره لكن ذاكرة الوعي تدّخر المرئيات والمسموعات التي يتأثر بها. ويستعد لإصدار كتاب جديد بعنوان "كلام في الكتابة" يتناول تجربته في الحرفة وأساس الذاكرة البصرية التي تكونت لديه والتي تعتبر رأس مال الأديب.
وفي هذا الحوار يتحدث صاحب "موال البيات والنوم" عن روايته الجديدة وعن ثنائية الريف والمدينة وعن أعماله الإبداعية.
[
ما هي حكاية رواية "إسطاسية"؟ ولماذا اخترت هذا الاسم الغامض ليكون عنوانا لأحدث أعمالك الأدبية؟
-
كان لدى أقباط قريتي في كفر الشيخ أسماء لها فتنة وكنت أحبها جدا لغرابتها وإيقاعها الموسيقي ولاختلافها عن الأسماء التقليدية الكثيرة التي نتداولها كمسلمين ومنها اسم إسطاسية. جذبني الاسم وجذبتني الشخصية فهي باقية في رأسي منذ الطفولة تنمو الى أن طرأ مقتل شاب قبطي يشبه ابن إسطاسية ووجدت أن إسطاسية تحمل الملامح المصرية الأصيلة للمرأة المصرية القوية. الاسم في رأسي منذ أكثر من 65 عاما. كنت قد سمعته في قريتنا في أيام الطفولة وهي قبطية. والقبط في بلدتنا كانوا نسبة كبيرة نسبيا لأنهم أصحاب البلد في الأصل والمسلمون وافدون عليهم وأصبحوا أغلبية لكن الأغلبية المسلمة في القرية وقريتنا على سبيل المثال كانوا مربوطين بالقبط برباط عاطفي وثيق جدا على اعتبار أن السيدة مريم وابنها السيد المسيح من نجوم الإسلام وبالتالي فالدين المسيحي كانت مصر من أوائل الدول التي احتضنته غير أن السيدة مريم في رحلتها للخلاص جاءت الى مصر. بعدما كتبت الرواية سأل شاب صحفي في جريدة الشروق عن معنى اسم إسطاسية، أنا لم أسأل لأنه لم يكن يعنيني معنى الاسم بقدر ما يعنيني الاسم نفسه بغموضه الساحر. ويمكن لو كنت قد عرفت معناه ربما كان قد بطل سحره لكن عرفت أن الاسم معناه طالبة العدالة دهشت أن يكون فعلا الإلهام بهذه الشفافية بدون وعي معرفي بحقائق الأشياء.
تصنيف
[
كيف تصنف هذه الرواية في مسيرتك الروائية؟
-
لا أريد أن أبدو معجبا بما أكتبه، لكن رواية "إسطاسية" أنا سعيد لأني كتبتها لأني كنت أريد أن أكتب منذ زمن بعيد تراجيديا مصرية غنائية. فظهرت شخصية إسطاسية المرأة الثكلى التي قتل ابنها ولم تستطع العدالة الأرضية أن تجلب لها حقها وتم الإفراج عن المتهمين لعدم كفاية الأدلة فلجأت الى القضاء الأعلى وإلى السماء. ونجحت في إقامة حداد دائم في قريتها وفي القرى المجاورة لمدة ست سنوات أصبح الناس محاصرين بصوتها بما فيه من حزن والتياع، متأثرين الى حد كبير ووصل الأمر الى قناعتهم، بأن إذا كان تأثرهم بلغ هذا الحد، فما بال السماء وهي منبع العدالة، والتي لابد أن تستجيب لهذه المرأة الثكلى ولهذا الدعاء المتواصل كل يوم. وأصبحت القرية تعيش في حالة توتر، وتكاد تعرف الجاني لكنها تعرفه بشكل غامض ينقصه التحديد وتريد أن تتحدد الأمور وأن ينتهي البلد من حالة الذنب التي تعيش فيه كلها وأن تأخذ العدالة مجراها وأن تصمت هذه السيدة التي يشبه ندبها صوت الضمير والإلحاح الذي يضرب في قلوب الناس ليلَ نهار، كأنه يتوعدهم بالأذى إذا لم يشاركوا في البحث عن قاتل ابنها. لا أعرف إذا كنت قد وفقت في كتابة الرواية كما كنت أرجو لها أم لا، ولكن نفاد الطبعة الثانية في بحر شهرين لدرجة أنني الآن أبحث عن نسخة وحيدة في أي مكتبة لي أنا شخصيا كي أجلدها واحتفظ بها فلا أجد. هذا دليل على أن الرواية بها بعض التوفيق.
المرأة
[
المرأة في رواياتك دائما ما تبدو شخصية قوية مثل إسطاسية وفاطمة تعلبة في رواية "الوتد"؟
-
إذا كانت الدول أو الملل الأخرى تعامل المرأة باعتبارها كائناً حيوانياً أو كائناً من الدرجة الثانية أو بمعنى أصح كائن لا درجة له، كان المصريون لديهم المرأة ملكة مثل حتسشبوت ولو لم تكن ملكة يكون لها تأثير قوي في السياسة. وهناك نماذج من المصريات القديمات مثل كيلوباترا، الى آخره. المرأة في مصر قوية ومحترمة ومقدرة وتكاد تكون مقدسة. إيز "إيزيس النطق اليوناني للكلمة" التي تعتبر روح مصر الأصلية، الأسطورة الخاصة بها عبقرية، زوجها أوزير إله الخير والنماء تحبه الناس فأخوه "ست" إله الشر غار منه وكان يريد أن يمارس حكمه الشرير دون أن يعترضه أحد، فاعتقل أوزير وقتله وقطع جثته ووزعها في أماكن متفرقة بعيدة عن بعضها، فظلت إيز تبكي الى أن تكوّن من دمعها نهر النيل. طبعا كل شيء جف بعد مقتل أوزير وجف الزرع والضرع والنبات والمياه. فقامت إيز بجمع الأشلاء ودفنتها، وتعاطفا معها جاء فيضان النيل ليعود النماء مرة أخرى. حتى الآن يمكن القول إن محنة مصر أنها مبعثرة الأشلاء بأشكال متعددة وخلاصها في روح إيزيس أن يكون هناك قضية كبيرة عامة تجمع الأشلاء المصرية على حاجة واحدة وهدف واحد وعلى قضية واحدة فتتقدم البلاد. ملامح الشخصية المصرية كما قرأتها في التاريخ وكما رأيتها في الواقع مجسدة في القبطيات على وجه التحديد، وصلابة النفس في مواجهة أي مشاكل أو صعاب الحياة كل هذا اجتمع في شخصية إسطاسية.
[
لماذا تلجأ دائما الى استخدام الفن والغناء الشعبي وكذلك بعض العادات المصرية القديمة مثل الندب خاصة في هذه الرواية؟
-
الندب موهبة مصرية خالصة متصلة وأساسها النزعة الحضارية المصرية، لأن الحضارة المصرية قامت على قهر الموت. فالمصري يرى أن ليس معقولا أن يكون الموت نهاية كل شيء ولابد من وجود حياة أخرى بعد الموت، وتصوّر هذه الحياة، ومن الجدير بها، وكيف يصل إليها، وصور الحساب أيضا. ولأنه كان خائفا من أن يزيل الموت كل هذه الحضارة وكل هذه الأشياء قرر أن يتحدى الموت بالبقاء. فبنى الأهرامات وسجل التواريخ والأحداث والوقائع بالنقوش على جدران المعابد، وخلّد ذكر الموتى في أناشيد شعبية يسهل حفظها كما خلّد الوقائع الحربية أيضا بالشعر. ومن هذه الخصيصة فن العديد أو فن العدودة لأن المقصود من العدودة أن المعددة أو من يسمونها الندّابة وأميل الى الاسم الأول لأن الندّابة اسم به استعلاء غير واعٍ والمقصود منه المعددة التي تعدد مناقب المتوفى وخصاله الحميدة وأخلاقياته العظيمة.
الفتنة
[
في إسطاسية تناولت قضية شديدة التعقيد والحساسية وهي الفتنة الطائفية، لماذا؟
-
لم أقصد ذلك، لكن القضية هي هذه وكذلك فرضها الواقع. الظروف التي تحدث الآن ليست وليدة الحاضر لكن لها جذور طويلة. هناك بالفعل فتنة طائفية موجودة خاصة بعد ثورة 1919 ونجاح مصر في أن تكون كتلة واحدة. الاحتلال الإنجليزي بدأ يدخل في نسيج العلاقة. ويمكن لورانس داريل في رباعيات الإسكندرية أشار الى ذلك بشكل صريح خصوصا أنه كان يعمل في جهاز المخابرات الإنجليزية في ذلك الوقت. فكان الاحتلال الإنجليزي يبث الفرقة بين المسلمين والمسيحيين عملا بنظرية "فرّق تسد" التي يعيش عليها الاحتلال في كل مكان. فرّقوا المسلمين والمسيحيين وكانوا يسعون بالوقيعة بين الطرفين. يتسلطون على مشايخ المسلمين المتخلفين ثقافيا الذين تخرجوا من معهد ديني بابتدائي واكتفوا بذلك ولبسوا العمامة والجبة وملابس المشايخ الكبار وأصبح يحق لهم أن يخطبوا في المساجد ويعظوا الناس وهكذا. التقط الاحتلال مثل هذه الفئة التي ليس لديها بُعدٌ فكري أو ثقافي والغارقة في التعاليم الدينية فقط التي تعرفها وأوهمهم أن هناك حركة تبشير وأن المسيحيين يخرّبون الإسلام من الداخل ويلفون من جهة أخرى على المسيحيين ويقولون لهم إنكم مضطهدون وليس لديكم مناصب وأن المسلمين يسعون للقضاء عليكم وللإبادة الجماعية الى آخره. فعلا أوجدوا فتنة بواسطة الطوائف المتخلفة من الطرفين الذين يتصلون بالجمهور الديني سواء في المسجد أو الكنيسة، ومثل هؤلاء لديهم تأثير شعبي قوي أقوى من الأئمة الكبار الذين يؤثرون في النخبة فقط والنخب تظل طوال عمرها نخب تستعلي على العامة فلا يبقي للعامة سوى أنصاف وأرباع المتعلمين. وبعد الثورة استيقظت الفتنة ثم نامت وتظل تنام وتستيقظ.
 
*جزء من حوار لجريدة المستقبل اللبنانية-لقراءة بقية الحوار:
المستقبل - الاثنين 26 نيسان 2010 - العدد 3635 - ثقافة و فنون - صفحة 20

* دخلت الرواية مؤخرا القائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية.

الأحد، 7 نوفمبر 2010

أقباط ومسلمون فى " حارة النصارى" لأسعد رمسيس

رؤية نقدية : اخلاص عطاالله
 مدخل :
 " انا و الأخر " علاقة جدلية فى كل زمان ومكان .. فالأخر هو الذى يختلف معى فى الدين أو الجنس أو اللغة .. وكلما تطورت البشرية وتقدمت المجتمعات ترسخت فلسفة قبول الأخر .. هذة الفلسفة التى عرفتها مصر وتمثلت فى:  أولاً : التعايش الذى يجمع الأقباط والمسلمين ( ومن قبل عاش بيننا اليهود وأيضا الذين لم يغادروا مصر إلا مع ثورة 23 يوليو 1952 ,إن هذا التعايش الذى يجمع أبناء الوطن الواحد لهو أعظم شاهد على هذة الفلسفة , فما من أحزان أو افراح نعيشها معاً تحت الشمس إلا ولمسنا الحب والمؤازرة .
ثانياً : حدث أن زرت بانوراما حرب اكتوبر المجيد عام 1973 , وكم كانت سعادتى عندما وقعت عيناى على اسماء الشهداء مصتفة على أساس الرتب والدرجات الوظيفية التى كانوا عليها وقت الاستشهاد , وليس على اساس من المسلم ومن المسيحى , فإختلطت أسماؤهم معاً كما سبق وإمتزجت دماؤهم الغالية لتروى شجرة الحرية وترى مصر الذى إحتضنهم جميعاً ...
ثالثاً : تناول الأدب لشخصية القبطى , وقد تمثل هذا التناول ( على سبيل المثال لا الحصر ) فى :
( 1 ) ثلاثية نجيب محفوظ  فنرى المشهد التاريخى الإنسانى لثورة 1919 فى " بين القصرين " ووقوف  أبناء مصر فى مواجهة الآخر القادم من خارج الوطن للاستيلاء علية .
( 2 ) فى رواية " عصفور من الشرق " نرى توفيق الحكيم يبلغ بة التأثر أيما تاثر عند دخولة إحدى كنائس فرنسا وحضورة صلاة الجناز ( أى صلاة الموتى قبل مراسم الدفن ) فيقول ما فحواة :" لقد شعرت إننى أحيا فى السماء أثناء الصلاة وكأننى لم اعد على الأرض" 
( 3 ) ومن منا يسى " بنت من شبرا " والتى أبدعها فتحى غانم
( 4 ) وفى رواية " خالتى صفية والدير " التى جعل فيها بهاء طاهر الدير بطلاً وطرفاً فى الصراع الدرامى الذى تنهض علية الرواية حيث يحتمى فية البطل " حربى " بعد أن أصبح دمة مطلوباً من صفية أرملة البك المتهم هو بقتلة , ويظل هناك الى أن يموت موتاً طبيعياً بعد أن أمضى زمناً هادئاً سالماً ...
( 5 ) أيضا قدمت سلوى بكر فى روايتها " البشمورى " نموذجا من رهبان أخميم فى السنة السادسة للشهداء
ويعوزنا الوقت لتناول وعرض هذة الاعمال الإبداعية وغيرها لكنة يمكن الخروج بنتيجة مفادها أن المسلم والمسيحى يمثلان وجهين لعلمة واحدة هى وطننا الغالى مصر .
حارة النصارى : 
وها نحن أمام عمل روائى جديد " حارة النصارى " لينضم لسلسة الأعمال الإبداعية التى تناولت العلاقة بين المسلم والمسيحى تتجسد لنا هذة العلاقة الوطيدة منذ بداية العمل وحتى آخرة من خلال ثلاثة أصدقاء , أثنان من المسلمين " إيهاب وإسماعيل " والثالث مسيحى
" إسحق " يقطنون حى الأزبكية – ذلك الحى القديم الذى يستطرد الكاتب فى وصفة ص 30
( أ ) سور الأزبكية بما يحوية من روايات أرسين لوبين وشرلوك هولمز وأجاثا كريستى ومجلات سمير وميكى والسندباد .
( ب ) شارع " كلوت بك " الذى يعرف بشارع الكنيسة المرقسية ( 1 ) , المبنى العتيق للبطريركية المرقسية , يعلو بوابتها الحديدية الضخمة صليب , تحتة نقشت آية من الإنجيل
( رأس الحكمة مخافة اللة )
( ج ) وامام البطريركية بكلوت بك المحلات المتخصصة فى بيع وتصنيع ملابس القساوسة والشمامسة السوداء والبيضاء وشموع وبخور الكنائس
( د ) وايضا نرى صيدلية الدكتور بولس وحارة النصارى موضوع الرواية ويقول المؤلف : " كان شارع القبيلة الضيق يربط شارعى الجمهورية وكلوت بك مشهورا فى المنطقة بإسم
" حارة النصارى " على جانبية تقبع دكاكين البقالة والجزارة والخضروات .
وكل صباح يكتظ الشارع بالعربات الخشبية لباعة الخضار والفاكهة وقففهم المملوءة بالجبنة القريش والفطير المشلتت والعيش الفلاحى والزبد البلدى والفاكهة والخضار .. " ص 117
يشهد هذا الحى العلاقة الوطيدة بين الثلاثة : إيهاب وإسماعيل و إسحاق منذ الميلاد مرورا بالطفولة والصبا والشباب بكل ما حملتة هذة السنون من آمال وآلام وأخطاء وذكريات
" المدرسة والجامعة ومدرجاتها والإمتحانات وسهر الليالى "
إنها الحياة ..
***
( 1 ) وقد سميت هذة الكنيسة بالبطريركية أو الكنيسة المرقسية لانها كانت مقرأ للكرسى البابوى نسبة الى القديس مارمرقس الذى بشر بالمسيحية فى مصر , ثم انتقل الكرسى البابوى الى كنيسة الأنبا رويس بالعباسية منذ أن إعتلاة قداسة البابا شنودة الثالث بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية    
نلمس هذة الحياة المشتركة من عدة مظاهر :
أولاً : تعالت قهقهات وضحكات إيهاب و إسماعيل و إسحق و إختلط صياحهم بأغنية لمطرب شعبى تنبعث من الكاسيت .
حزم إيهاب وسطة بإيشارب جدتة , وراح يرقص وينثنى ويتمايل , وإلتف زميلاة يصفقان ويطبلان على طلبة كان يمتلكها إيهاب , وصاح إسماعيل ايوة يا ست ... كمان
تجمع الجيران على ضجيجهم وسألوا عن السبب ... نجحنا فى الثانوية العامة
وراح إيهاب يوزع زجاجات المرطبات على الحاضرين , وحمل صينية مليئة بالزجاجات لأهل فتاتة فى المنزل المقابل ص 51 
ثانياً : بعد إنتهاء المباراة تجمع إيهاب وإسحق وإسماعيلا فى شقة بالدور الأرضى بشارع المهدى يمتلكها والد إسحق ويستعملها كمخزن لمحلاتة لقربها من شارع نجيب الريحانى وراحوا يدخنون السجائر وتعالت ضحكاتهم وصياحهم ص 53 , 54
ثالثاً : كان إسماعيل وإيهاب يزعقان على إسحق أسفل منزلة فى حارة النصارى لكى ينزل , ليذهبوا الى المدرسة فى الفجالة , وأيام السهر حتى الصباح للمذاكرة فى الشهور الأخيرة قبل الإمتحانات , وعندما جذب إسماعيل بقلع ذراع إسحق وهما يمشيان فى الشارع كادت تدهسة عربة نقل مسرعة . وصوانى الكنافة والقطايف التى يهديها إيهاب وإسماعيل فى شهر رمضان وحلاوة المولد النبوى الشريف , وفى عيد الميلاد المجيد وعيد القيامة يهدى إليهما إسحق الكعك والبسكويت والغرّيبة والبيتى فور ص 103
رابعاً : ثم تأتى اللحظة الحاسمة لأختبار هذة الصداقة , حينما تحير إسماعيل فى أمر عملة والبحث عن وظيفة مناسبة مما اضطرة أن يفكر فى مشروع تجارى يحلم بة : عربة خشبية لبيع الكشرى والمكرونة يركنها فى أحد الشوارع المزدحمة بالمارة , ويحسب تكاليف صناعتها والكميات التى يحتاجها من الأرز والمكرونة والعدس والطماطم والاطباق والملاعق ويقدر ربحة اليومى والشهرى والسنوى , هنا وفى ركن جانبى بقهوة أبناء اسوان تحت بواكى شارع كلوت بك مال إسماعيل على إسحق وهمس لة بخجل : أنا حعمل مشروع صغير, عربية كشرى ومكرونة , بس محتاج ألف جنية للعربية وشراء البضاعة والمكرونة والعدس ... سلفة يعنى
يرد اسحق : عيب يا إسماعيل دة احنا إخوات ومتربيين مع بعض ويضيف : نص ساعة وحكون عندك .. إستنانى اوعى تمشى ..
خرج إسحق من القهوة مسرعاً ص 102 , 103
وتقرأ فى الصفحات التالية : عن تجربة إسماعيل فى تجارة الكشرى التى أحرز فيها نجاحاً كبيراً وجنى الخير الكثير من العربة التى كتب عليها لافتة بلاستيك بالحروف البارزة :
" كشرى المهندس " تلك العربة الخشبية التى صنعها واشترى كل متطلبات الكشرى من المال الذى وفرة لة صديق عمرة القبطى إسحق
خامساً : لم يقف الأمر عند هذا الحد , إذ تبددت فرحة إسماعيل عندما أنقضت علية عربة البلدية وحاصرة جنودها من كل اتجاة وحملوا عربتة الى صندوق سيارة البلدية الكبيرة .. فى هذة الساعة إنتابتة مشاعر اليأس وصارح اسحق قائلا: " أنا زهقت وبفكر اسيب البلد وأهج .. واطلع برة زى ما انت عايز تعمل .. عندك حق , هنا قبض إسحق على ساعد إسماعيل : قوم معايا , وذهبا الى شارع نجيب الريحانى حيث يمتلك صبحى والد إسحق محلاً لتجارة الأدوات الكهربائية والعدد والمحولات
قص إسحق على والدة معاناة إسماعيل وانهيار مشروعة الصغير فما كان من صبحى إلا أن يقول : دة انت يا اسماعيل زى اسحق ابنى .. ومعزتك من معزتة .. انتم متربيين مع بعض والعشرة ما تهونش إلا على ولاد الحرام وأخرج صبحى من درج مكتبة عقد إيجار : شوف يا ابنى يا اسماعيل .. حديلك محل فى عمارتى الجديدة فى حارة النصارى .. انت عايز محل كام متر ؟
بس دة كتير قوى .. وانا معييش الايجار ولا خلو ولا مقدم ايجار
ابتسم المعلم صبحى , وطلب لاسماعيل واسحق شاياً , وحرر عقد ايجار لاسماعيل وسلمة لة, شعر اسماعيل إنة فى حلم جميل , وكتب صبحى إيصالات الايجار لسنة كاملة , الوصولات دى بتاعة السنة الاولى .. هدية الافتتاح لابنى اسماعيل ..
لم يستطيع اسماعيل الكلام , قيدت الفرحة لسانة ص 114 : 117
البعد الروحى :
تسيطر على الكاتب منذ البداية النزعة الدينية :
أولاً : نجدة يصف المبنى العتيق للبطريركية المرقسية , كان يعلو بوابتها الحديدية الضخمة صليب , تحتة نفشت آية من الانجيل ( راس الحكمة مخافة اللة ) ص 30
ثانيا : ابراهيم والد ايهاب والذى يملك بازارا فى ميدان التحرير يعرض فية صينية فضية مزينة بنقوش عربية مكتوب عليها بالخط الكوفى الآية القرآنية : " ولتجدنا أقربهم بمودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصّرى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون "
( سورة المائدة – من الآية 82 )
ولما أبدى احد الاجانب إعجابة بهذة الصينية أشار لايهاب أن يبيعها لة ص 59
ثالثاً : نقرأ ايضا أن عبد اللة والد اسماعيل يجلس على الكنبة المغطاة بالكريتون الأخضر , بشعرة الابيض يرتدى جلباباً ابيض زاهيا , يغطى جسدة النحيف , وبيدة مسبحة كهرمانية , وبخشوع يتلو آيات من القران الكريم " ومن يتق اللة يجعل لة مخرجاً ويرزقة من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على اللة فهو حسبة " صدق اللة العظيم
ثم نرجس والدة اسماعيل التى تتمنى من قلبها زيارة الحج وتطلعها بشوق الى صورة الكعبة المشرفة القطيفة المعلقة على الحائط , المزخرفة بنقوش عربية ص 74 , 75
رابعاً : فإذا ما جئنا الى محل صبحى والد اسحق نرى على الحائط فوق رأسة معلقة صورة للعذراء مريم بوجهها الملائكى محتضنة الطفل يسوع , وبجوارها آية من الانجيل مكتوبة بخط نسخ فى إطار زجاجى ( أحبوا اعداءكم .. باركوا لاعنيكم احسنوا الى مبغضيكم " ( مت 5 ) , وعلى الحائط المقابل لوحة فى إطار ذهبى مكتوب عليها ( اللة محبة ) ص 78 , 79
إضاءات :
اولاً : أبرز المؤلف علاقة صداقة متينة بين ثلاثة مع أختلاف عقائدهم فى زمن أصبحت فية العلاقات مضطربة لاتحكمها فى الكثير من الاحيان سوى المصلحة , وفى هذا تفاؤل كبير يصورة الكاتب للقارئ وما أحوجنا الى هذا التفاؤل وهذة الأرض الصلبة لعلاقاتنا مع بعضنا البعض ..
ثانياً : علاقة أخرى تبدو فيها الثقة والتفاؤل بوضوح وذلك عندما يطلق ابراهيم والد ايهاب زوجتة كريمة ( أسم على مسماة حقيقية ) دون سبب واحد إلا لكونة يحب أمراة اخرى سميرة ويضحى من أجلها ليس بزوجة فقط بل بحرمانة من ولدة ايهاب الذى تركة وغدا يعيش بمنزل جدتة , كما ضحى بأموال كثيرة , ولما جاءت لحظة الاختيار تبدل الامر , فها هى سميرة زوجتة الجديدة الجميلة تتخلى عنة , عندما تلفة جدران السجن ص 84 , 94 , 95 هذا السجن الذى اعصرة ليوفر لها الثروة فوقع فى خطئ جسيم ألا وهو صفقة لتهريب الأثار المصرية خارج البلاد للخواجة برتى مقابل ( 3 ) ملايين دولار ... فى ذات الوقت الذى ترفض فية كريمة كل عروض الزواج وظلت على عهدها معة , لذلك لم يكن غريباً أن ابراهيم فوجئ بزيارة كريمة لة فى السجن , تهلل فرحاً .. قف أمامها خجلاً .. سألها بحرج وهو ينظر الى خاتم ذهبى فى اصبعها بيدها اليسرى .. انتى اتجوزتى يا كريمة ؟ انهمرت الدموع من عينها وغمرت وجهها وارتفع أنينها , وخلعت الخاتم الذهبى من أصبعها وقدمتة لابراهيم قلبة بين اصابعة , وجد اسمة محفورا فى ذهبة ص 126
ثالثاً : ايضا لأشد ما كانت سعادتى عندما قرأت تفاصيل علاقة كريمة بحماتها .. تلك العلاقة التى ظلت طيبة حتى بعد طلاق زوجة الابن , حتى أن الحماة نفسها توبخ ولدها على هذا الفعل : " ربنا قوى على الظالم المفترى .. كريمة تتحط على الجرح يطيب .. وسالت الدموع من عينها فمسحتها بطرف طرحتها السوداء وهى تتنهد .
رابعاً : استخدم  المؤلف مقاطع من الأدب الفرعونى فى مواضع معينة ص 10 , 36 , 71, من ذلك : ما تقرأة كريمة زوجة ابراهيم بعد طلاقها من أشعار فرعونية مكتوبة على ورقة بردى :
ضاع ضاع ضاع حبيبى منى
إنة يمر ببيتى ولا يدير رأسة
إننى ازين نفسى فى عناية ولكنة لايرانى
إنة لا يحبنى ... ليت الإلة أماتنى
أيها الالة ... ايها الالة ... ايها الالة
أى  أمون يا عظيم القوة
صلواتى .. أتذهب كلها من غير طائل
إننى أتقدم اليك بكل ما يسر
استمع الى عويلى وأعد لى حبيبى
أى مزج الفروعونى والقبطى والاسلامى فى بوتقة واحدة , فمصر وعاء جامع لهذا وذاك .
 خامساً : المؤلف مولع بشرح تفاصيل المكان , فلم يقتصر على حارة النصارى وكلوت بك , بل نجدة يصف موقع محل بازار الشرق فى ميدان التحرير – ذلك المحل الذى ورثة ابراهيم بعد وفاة أبية , فأمامة فى الجهة المقابلة من الشارع يقبع المتحف المصرى وفندق النيل هليتون .
 يكتظ ميدان التحرير بالبازارات وشركات السياحة والطيران لقربة من المتحف المصرى والسفارات الاجنبية فى الاحياء القريبة : جاردن سيتى والزمالك ووسط البلد ومقار البنوك الرئيسية والفنادق السياحية الخمس نجوم كالنيل هيلتون وهلنان شيبرد والمريديان وسميراميس وانتركونتنينتال وكليوباترا بالاس وفنادق الدرجة الاولى والثانية التى ينزل بها السياح والاجانب متوسطو الحال فى شوارع قصر النيل وطلعت حرب والبستان وشريف وعدلى ومحمود بسيونى ص 13 , 14
وفى موضع آخر يصف شارع نجيب الريحانى الذى يشتهر بالمحلات التجارية المتخصصة فى بيع قطع غيار الغسالات والبوتاجازات والثلاجات والمواتير الكهربائية والعدد اليدوية والشانيورات ص 77 , وهناك ايضا حارة البحر المشهورة بمحلات تجارة جملة الحلويات والبقالة والخردوات
ويقول ايضا : " الغريب عن حى الأزبيكية لايظن أن خلف الشوارع الواسعة لنجيب الريحانى وكلوت بك والكنيسة المرقسية تقع هذة البيوت الصغيرة القديمة والحارات والأزقة الضيقة : عطفة حوش القطرى ودرب المبلات وحارة القسيس والعزباوية ودرب الجنينة ص 45
وهكذا اهتم بالمناطق القديمة والشعبية وحوارى مصر كما فعل أستاذنا الراحل الكبير نجيب محفوظ
ولكن مع هذا وذاك عندى على المؤلف ملحوظة مهمة ألا وهى : لماذا هذا الافراط فى استخدام اللغة العامية على الرغم من موهبتة وقدرتة فيما يبدو على ايجاد قاموس لغوى يتمتع بالفصحى المبسطة وليس المقعرة.
س.س أكتوبر 2010
http://www.wataninet.com/ArticleDetailsEX.aspx?A=327عن: