‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوار. إظهار كافة الرسائل

السبت، 15 أكتوبر 2011

السينما والفتنة..زواج على ورقة طلاق


كتب- أحمد النجار وحسن أبو العلا:
المصري اليوم 14أكتوبر 2011
على مدار 100 عام وأكثر لم تتوقف السينما طويلاً أمام ملف العلاقات بين المسلمين والأقباط وما يتخللها من احتقان حتى قد يصل إلى حد الفتنة الطائفية، أفلام قليلة تناولت القضية بصورة سطحية ولم تطرحها بعمق يتناسب مع أهميتها، باعتبارها قضية وطن بأكمله بمسلميه ومسيحييه خاصة بعد الأحداث التى عاشها المصريون ليلة الأحد الدامى فى ماسبيرو، وسبقتها العام الحالى أحداث أخرى فى إمبابة وأطفيح، إضافة إلى أحداث عنف قديمة وهو ما يدق ناقوس خطر يجب على المبدعين الالتفات إليه.
«المصرى اليوم» تفتح هذا الملف الشائك الذى ابتعد عنه السينمائيون دون أسباب مقنعة وحتى بعض الأعمال التى تعرضت لهذه القضية المهمة كانت أشبه بزواج على ورقة طلاق فلم تتسم بالعمق والتحليل الذى يليق بها، وترصد فى الوقت نفسه أهم الأعمال التى حاولت السباحة ضد التيار والاقتراب من حقل الألغام.
العلاقة بين المسلمين والأقباط على الشاشة: الشعب يريد إسقاط «التابوهات»
تناول علاقة المسلم بالمسيحى على الشاشة الفضية أشبه بالمشى على الأشواك، لذلك يؤثر صناع السينما السلامة والابتعاد عن المشاكل، لكن فى ظل الأحداث الأخيرة تصبح السينما بقوة تأثيرها أداة مهمة فى إزالة أى احتقان أو رواسب بين الطرفين. ويحمل السينمائيون الرقابة مسؤولية غياب الأفلام التى تتناول مشاكل الاحتقان الطائفى وعلاقة المسلم بالمسيحى بعيداً عن الشعارات مؤكدين أن المرحلة المقبلة، وخاصة بعد ثورة 25 يناير، يجب أن تشهد قدراً أكبر من الحريات والتحدث فى المسكوت عنه.
يقول السيناريست بشير الديك: ربما تكون هناك محاولات من جانب بعض صناع السينما لتقديم أفلام عن علاقة المسلمين بالمسيحيين لكن الرقابة ترفض مثل هذه الموضوعات، ففى عهد النظام السابق كان هناك الكثير من المسكوت عنه وقضايا عديدة ممنوع الكلام فيها خاصة التى تتعلق بالدين أو السياسة، لدرجة أن المؤلفين أنفسهم أصبحت بداخلهم رقابة أكثر قسوة من رقابة وزارة الثقافة لأنه ليس من المنطقى أن يكتب المؤلف فيلما وهو يعلم أنه لن يرى النور.
ويشير «الديك» إلى ضرورة التخلص من تلك الممنوعات لأنه من المفترض أننا نعيش فى عصر الحريات، موضحا أن نظام مبارك كان يشغل الناس عن قضاياهم الحقيقية باختراع موضوع الفتنة الطائفية.
ويضيف الديك: عندما تنتهى الفترة الانتقالية ويتم انتخاب رئيس جديد ومجلسى الشعب والشورى ويصبح لدينا ديمقراطية حقيقية بالتأكيد سنطالب بإلغاء كل «التابوهات» ووقتها لابد أن نناقش فكرة فهمنا للدين ونصحح بعض الأفكار المتخلفة لأننا نحتاج هذا لأن الدين من دعائم حياتنا، ولابد أن نناقش قضاياه بحرية.
ويقول المخرج منير راضى: العلاقة بين المسلمين والأقباط قضية شائكة سواء فى الواقع أو على شاشة السينما، وأصعب فيلم قدمته فى حياتى هو «فيلم هندى» فرغم أنه يبدو بسيطا إلا أنه كان صعباً فى التناول لأننى كنت أعمل على «شعرة» وأى خلل كان سيؤدى إلى مشكلة، حيث حاولت جاهدا أن يكون هناك توازن بين شخصيتى المسلم والمسيحى، وأذكر أن الدكتور مدكور ثابت، رئيس الرقابة وقتها، أرسل رقباء لدور العرض ليتعرفوا على ردود أفعال الجمهور وتأثير الفيلم عليهم.
ويؤكد «راضى» أنه من الصعب حاليا تقديم فيلم عن علاقة المسلم بالمسيحى لأنها منطقة خطر، وتلك النوعية من الأفلام ليست تجارية، مشيراً إلى أن المنتجين دائما يبحثون عن الأعمال التى تحقق لهم الربح السريع.
ويضيف راضى: للأسف المشكلة أصبحت مزمنة، وهذا عكس الواقع المصرى، فأنا تربيت مع الأقباط فى مدرسة الفرير بالمحلة، وكانت ملحقة بكنيسة، وكل أصحابى مسيحيون، والحل لهذه المشكلة هو أن يكون لدينا تعليم يغرس فى نفوس الطلاب قيم التسامح وقبول الآخر لأنه فى الماضى لم يكن أحد يفكر أن هذا مسلم وذاك مسيحى.
ويقول السيناريست فايز غالى: هذه الأفلام مرتبطة بوجود منتج يتحمس لها، ولى تجربة مريرة فى هذا الموضوع حيث كتبت منذ حوالى 5 سنوات فيلماً بعنوان «الفاتورة»، وكنت أنوى إخراجه أيضا وهو يطرح فكرة أن كلنا نعيش فى هذا الوطن وندفع نفس الفاتورة، لذلك يجب ألا يكون هناك أى تمييز، فالمسلم يركب نفس الأتوبيس الذى يركبه المسيحى، فما الذى يعطى أى طرف الحق لكى يتفوق على الآخر، لكن فشلت كل محاولاتى فى تنفيذ الفيلم، فمرة يتحجج المنتجون بأن البطل والبطلة مسيحيان، ومرة لأننى سأقوم بالإخراج.
ويشير «غالى» إلى أن هناك حساسية مفرطة فى التعامل مع الموضوعات التى تطرح شخصيات مسيحية، مثلما حدث فى فيلم «بحب السيما»، الذى اعتبره البعض اتهاماً للمسيحيين بالتعصب رغم أن نموذج الأب المتزمت قد ينطبق على الجميع، موضحا أن المجتمع لم يعتد تقديم مشاكل الأقباط على الشاشة، لذلك ينادى بعض المسيحيين بعدم التعرض لمشاكلهم بحجة «سيبونا فى حالنا». ويضيف غالى: للآسف أى عمل يتعرض لموضوع له علاقة بالإسلام يطلبون عرضه على الأزهر، والموضوع الذى يعرض للمسيحية يعرض على الكنيسة.
وينفى المخرج محمد كامل القليوبى عن السينما تهمة تجاهل قضية العلاقة بين المسلمين والأقباط مؤكدا أن الرقابة تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية غياب هذه النوعية عن دور العرض لأنه سبق أن طرح مشكلة الفتنة الطائفية فى فيلم «ثلاثة على الطريق»، وصور بعض المشاهد الحقيقية بشكل سرى، لكن الرقابة حذفت كل هذه المشاهد وظل الفيلم يعرض مبتورا ومشوها لمدة 18 عاما، وكانت قناة الحياة أول من يعرضه كاملا بالصدفة فى الواحدة بعد منتصف ليلة 25 يناير الماضى.
ويقول القليوبى: العلاقة بين المسلمين والمسيحيين تناولتها أفلام كثيرة مثل «حسن ومرقص»، لكن فى الفترة الماضية كان يتم إشعال الفتن والوقوف ضد أى معالجة سينمائية لها، خاصة أن هناك تمويلاً وهابياً فى السينما، ورأس المال له دور فى عدم التعرض لهذه الموضوعات.
ويتفق المنتج محمد العدل مع القليوبى فى عدم تجاهل السينما العلاقة بين المسلمين والأقباط، ويقول: بعض الأفلام التى قمنا بإنتاجها تعرضت لذلك بشكل غير مباشر مثل فيلم «أمريكا شيكابيكا»، فعماد رشاد كان مسيحيا ولم يكتشف من كانوا معه ديانته إلا عند وفاة أحمد عقل، وفى فيلم «همام فى أمستردام» كان مشهد صليب أحمد السقا رائعاً، وكذلك فى فيلم «مافيا» كان أحمد رزق يقدم شخصية الشاب المسيحى خفيف الظل لكننى أرفض مناقشة القضية بشكل مباشر مثلما حدث فى «فيلم هندى»، فهو لم يعجبنى لأن هذه النوعية تجعلنى أقارن طوال الوقت بين المسلم والمسيحى. ويضيف العدل: السينما لم تتغيب عن القضايا الموجودة فى الشارع لكننى أرفض المباشرة لأنها تضر أكثر ما تفيد، فأنا أرفض فكرة عنصرى الأمة، فالأقباط جزء من نسيج الوطن، ولا أستطيع أن أفصلهم عن الوطن، وأقول «تعالوا نشوف بيعملوا إيه».
السينما تختزل العلاقات بين المسلمين والأقباط فى قصص حب فاشلة
فى دراسة أعدها الدكتور ناجى فوزى، عميد المعهد العالى للنقد الفنى، حملت عنوان «المصريون الأقباط على شاشة السينما» تناول ناجى فيها قضية الزواج المختلط، بدءا من فيلم «ليلة القدر» 1952 وصولا إلى فيلم «حسن ومرقص» 2008، يقول فوزى: يقدم «حسين صدقى» فى «ليلة القدر» قضية زواج مختلفى الديانتين من خلال مسألتين مرفوضتين من الناحية المبدئية، ومن شأنهما التأثير على «سلامة البيئة الوطنية» للمجتمع المصرى، أولاهما المقارنة بين الأديان بصفة عامة، لأن مثل هذه المقارنة مجالها البحث العلمى المعتمد على أصول المعرفة، والثانية أن المقارنة (المرفوضة من حيث المبدأ) تأتى مغلوطة عن عمد.
ويشير فوزى إلى أنه عندما عُرض هذا الفيلم، اعترض عليه عدد غير قليل من المسيحيين والمسلمين من ذوى الثقافات العالية، فضلاً عن الاعتراض الرسمى من المؤسسات الدينية المسيحية فى مصر.
ويضيف فوزى فى دراسته: بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 طالب «حسين صدقى» بإعادة عرض الفيلم، فتم له ما أراد، إلا أن نفس النخبة من المثقفين المصريين عارضوا هذا التصرف من جديد، بنفس وجهة النظر السابقة، فأمر اللواء «محمد نجيب»، رئيس الجمهورية وقتها، برفع الفيلم من جميع دور العرض، ومع ذلك وبعد تنحية «نجيب»، وبمناسبة عقد المؤتمر الإسلامى العالمى (1954) قام «حسين صدقى» بتغيير اسم الفيلم من «ليلة القدر» إلى «الشيخ حسن»، وأضاف 7 دقائق أخرى ثم طلب التصريح بعرضه، وكان أنور السادات الوسيط فى تحقيق هذا الطلب، فتم التصريح بعرض الفيلم باسمه الجديد فى الرابع من أكتوبر 1954، لتعود نفس النخبة من المصريين المثقفين، ومعهم المركز الكاثوليكى المصرى للسينما، للاعتراض على عرض الفيلم للمرة الثالثة، ولأن جمال عبد الناصر خشى أن يؤثر استمرار عرض الفيلم على شعبيته بين المسيحيين، فأمر برفعه للمرة الثالثة.
بعد تجربة «ليلة القدر» توالت الأفلام التى تتناول الزواج المختلط ومنها كما يقول ناجى فوزى : «فاطمة وماريكا وراشيل» (إخراج: حلمى رفلة 1949) وهو فيلم هزلى غنائى، ولم تتعرض السينما المصرية لاحقاً لمثل هذه العلاقة إلا فى فيلم «لقاء هناك» (إخراج: أحمد ضياء الدين 1976) المأخوذ عن رواية لثروت أباظة، حيث يتضح لجميع شخصيات الفيلم أن اختلاف العقيدة بين الشاب المسلم «عباس» (نور الشريف) والفتاة المسيحية «إيفون» (سهير رمزى) يحول بين زواجهما، لينتهى الأمر بزواج «عباس» من ابنة عمه التى تحبه، ودخول «إيفون» الدير وانتظام حياتها بسلك الرهبنة.
ويرصد ناجى فوزى فيلما اخر هو «كلام فى الممنوع» (إخراج: عمر عبدالعزيز، عام 2000) وفيه تظهر امرأة مسلمة طيبة القلب (ماجدة زكى) تأمل فى الزواج من «الشيخ بخيت» (ماجد المصرى) الرجل الطيب المحبوب، الذى يتضح فى النهاية أنه طبيب مسيحى، هارب من تنفيذ حكم بالإعدام، فتقر المرأة باستحالة مثل هذا الزواج.
ويختتم ناجى فوزى رصده لهذه القضية بفيلم «حسن ومرقص» (إخراج: رامى إمام، عام 2008) موضحا أنه يقدم حالة مركبة للعلاقة المختلطة، فهناك شابان يتحابان، وكل منهما يظن أن الآخر على ديانته، الشاب المسيحى يظن أن الفتاة مسيحية، بينما يدعى هو أنه مسلم لأسباب أمنية، وفى المقابل تظن الفتاة المسلمة أن حبيبها الشاب مسلم، بينما تدعى هى أنها مسيحية لأسباب أمنية كذلك، وعندما تتضح حقيقة كل منهما فى مواجهة الآخر فإن الأمور تتبدل، لتتحول المحبة بينهما إلى عداء سافر، ثم إلى إقرار صامت باستحالة الجمع بينهما بالزواج.
وفى كتابه «صورة الأديان فى السينما المصرية» الصادر عن المركز القومى للسينما عام 1997 يقول الناقد محمود قاسم: إن السينما أظهرت هذا الموضوع من عدة زوايا، الأولى تتحدث عن قصص حب يائسة بين المسلمين والمسيحيين، كأن تحب فتاة مسيحية شابا مسلما، وتصبح الديانة عائقاً ضد زواجهما، والثانية تتمثل فى تصوير قصص الحب التى نراها فى الأفلام بين المسيحيين أنفسهم، مثلما حدث فى أفلام مثل «البوسطجى» و«شفيقة القبطية» و«ضحك ولعب وجد وحب» و«الناصر صلاح الدين» و«الراهبة». وفى هذه الحالات، فإن الدين لا يبدو بارزاً قدر الطائفية، فلا يمثل الدين أى عائق فى اقتران الحبيبين.
6 أفلام من «كادر» الوحدة الوطنية
1..لقاء هناك
■ القصة: «عباس» شاب مسلم، يرى أن الدين يقيد الحريات.
يحب جارته المسيحية «إيفون»، لكن اختلاف العقيدة يحول دون زواجهما، ويطرده الأب من المنزل، يعود ويتزوج من ابنة عمه، وعند ولادتها تعانى آلاماً شديدة، فيلجأ إلى الله.
■ الأبطال: سهير رمزى ونور الشريف.
إنتاج 1976
2..الإرهابى
■ القصة: «على» ينضم لإحدى الجماعات المتطرفة، وأثناء هروبه تصدمه فتاة بسيارتها وتستضيفه فى بيتها للعلاج. يتعرف على أسرتها المسلمة الطيبة والمنفتحة التى دفعته لأن يعيد تفكيره فيما يفعله.
■ الأبطال: عادل إمام وشيرين وصلاح ذو الفقار.
إنتاج 1994
3..التحويلة
■ القصة: «عمر» ضابط شرطة يرتبط بالعامل الفقير «حلمى». أثناء ترحيل مجموعة من المعتقلين يهرب أحدهم، فيضع الضابط المكلف بالعملية «حلمى» بدلاً منه. وأثناء محاولة «عمر» إنقاذ حلمى المسيحى، يقتلان معًا.
■ الأبطال: فاروق الفيشاوى ونجاح الموجى وأحمد عبدالعزيز.
إنتاج 1996
4..كلام فى الممنوع
■ القصة: ينتقل الضابط «حسام» لوحدة تنفيذ الأحكام، يعلم بقضية هروب الدكتور رياض بعد الحكم عليه بالإعدام بتهمة قتل خفير مصنع الأدوية واغتصابه زوجته. يضع خطته للبحث والقبض على الطبيب الهارب، فيكتشف أن وراء الجريمة مافيا للاتجار فى المخدرات.
■ الأبطال: نور الشريف وماجد المصرى وماجدة زكى.
إنتاج 2000
5..فيلم هندى
■ القصة: صديقان، أحدهما مسلم والآخر مسيحى تواجههما أزمة السكن والتى تدفعهما إلى الإقامة بمسكن أحدهما بحى شبرا. تقع مفارقات كوميدية كثيرة عندما تقوم خطيبة كل منهما بالبحث عن شقة للزواج‏، ويحدث صراع بين الفتاتين للحصول على شقة بعينها.
■ الأبطال: أحمد آدم وصلاح عبدالله ومنة شلبى ورشا مهدى.
إنتاج 2007
6..حسن ومرقص
■ القصة: «بولس» رجل دين مسيحى يحارب المتطرفين المسيحيين فيتم تهديده بالقتل. يهربه الأمن تحت اسم «الشيخ حسن العطار». أما الشيخ محمود تبلغه الجماعة المتطرفة التى كان ينتمى لها شقيقه قبل وفاته بأنه وقع عليه الاختيار ليكون أميراً للجماعة، فيهربه الأمن تحت اسم «مرقص عبدالشهيد».
■ الأبطال: عادل إمام وعمر الشريف 
إنتاج 2008.

السبت، 18 يونيو 2011

صنع الله ابراهيم‏:‏ متفائل بالثورة رغم الهموم الثقيلة

حوار‏:‏ أسامة الرحيمي
الأهرام 13-6-2011
بات من رموز الاتساق‏,‏ الموجع للذمم الواسعة‏!‏ فلم يمنعه شئ من منازلة دولة مبارك الفاسدة بمفرده‏,‏ وهدم حظيرة المثقفين بثقة‏,‏ دفاعا عن قيم نسيها الآخرون وسط تكالبهم علي المنافع‏!
  فلا يشغله سوي أدبه, الذي يتوفر عليه بلا كلل من دون اعتبار لمكابدات التوثيق التي يلاقيها عند الكتابة
ومواقفه المتوافقة مع إبداعه, وقناعاته الفكرية الثابتة, مع طيبته الصافية, ولطف اشتهر به, يمنح من يعرفه فرصة لتأمل المبدأية باعتبارها قيمة يجب إنقاذها قبل أن تذورها الرياح, وتنسرب من بين أصابع الناس إلي البدد
في روايته الجديدة الجليد يعود إلي الطرق علي حديد القضايا البارد مستهولا مفارقة التطبيق للنظرية مستنكرا فجاجة التناقض الإنساني الذي يتنازع الناس وسط بحثهم عن السعادة والتحقق
وشأن كل رواياته اثارت غبارا نقديا في الاجواء واختلافا في التلقي والتفسير, لكن الجلوس اليه, والنقاش معه, يؤكدان لي عادة ان تباين وجهات النظر ثراء للفن, وان الاتساق الانساني مرتقي صعب لايعتليه غير الصادقين وهدف عصي لايدركه إلا ندرة مثل صنع الله ابراهيم!!
> ألا تبدو روايتك الأخيرة الجليد خارج زمانها الصحيح؟ ألم يكن وقتها مثلا عقب تفكك الكتلة الاشتراكية, فهي الآن بمثابة تأمل متأخر لأسباب فشل التجربة.
أوافق علي كلامك هذا, والحقيقة أن سبب كتابة هذه الرواية انني في العام الماضي شعرت بإحباط شديد, ووجدت بالمصادفة في أوراقي بعض ملاحظات عن الفترة التي قضيتها في موسكو اوائل السبعينيات وادركت انها تصلح رواية, وان تجربة الحياة اليومية وقتها هناك جديرة بالقراءة مرة اخري فتلك المشاكل التي رصدتها كانت ارهاصات الانهيار الذي حدث لاحقا.
> شعرت أن الجليد المقصود داخل نفوس البشر, الذين جمد النظام مشاعرهم وأحلامهم, واطفأ الحياة في أنظارهم, وليس الجليد الخارجي سوي انعكاس للهوان الانساني؟
هذا صحيح, فتلك الفترة اشتهرت في تاريخ الاشتراكية والاتحاد السوفييتي بفترة الجمود. والجليد له دلالات عديدة, فهو يكون طبقة بيضاء جميلة وناصعة لكنه يتراكم فوق النفايات, وعندما يذوب تنكشف النفايات مرة اخري, اضافة لاحساس الاغتراب الذي يحسه من يبتعدون عن بلادهم لفترات طويلة, الذي يشبه الجليد بشكل ما.
> قياسا علي أعمالك السابقة هل تعتبر الجليد إضافة جديدة, أم أنها مجرد جري في المحل من دون تقدم للأمام؟
لا اعرف كيف اجيب عن هذا السؤال, هذا يقوله النقاد, لكني في الحقيقة حاولت ان ارجع لاسلوب اكثر بساطة مما استخدمته في اعمالي الاخيرة, يعتمد علي الحركة.
> المدة الطويلة التي تفصلنا عن عام27 و37, لابد اسقطت كثيرا من التفاصيل ما يعني أن المخيلة لم تعتمد علي ملاحظاتك فقط؟
طبعا.. تدخلت وغيرت وبذلت جهدا كبيرا, واشتغلت علي التفاصيل كثيرا.
> من خلال الرواية بدت التجربة الاشتراكية صاخبة, وشعاراتها جوفاء, خالية من الحرية والعدالة الاجتماعية, لذا كان سقوطها سهلا, فهل تظن للاشتراكية مستقبلا جديدا؟
بشكل عام هذا صحيح, التجربة كانت هكذا, فأمور مثل التنظيم الاجتماعي, والحزب الواحد, وطبيعة السلطة, خلقت ركودا ومشاكل معقدة, والاقتصاد لم يكن يتطور بدرجة كافية, وكل هذه العوامل ساهمت في انهيار الاتحاد السوفييتي, لكن كانت هناك اشياء ايجابية كتيرة مثل العمل المضمون وعدم وجود بطالة, وان كانت هناك بطالة مقنعة, لكني لم ار شحاذا في الشارع, والرعاية المطلقة للاطفال, ومدارس المتفوقين, والنظام التعليمي كان متفوقا جدا, ونظام النقل والمواصلات كان منتظما, والنظام الصحي كان اساسه سليما رغم الصعوبات, لكن كانت هناك حاجات انسانية طبيعية كرغبة الناس في امتلاك سيارة مثلا, لكن ظلت لديهم افضلية لاشياء علي حساب اشياء, وايضا السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي كانت ممتازة ومسئولة عن التوازن في العالم ومواجهة مستمرة للامبريالية, ومساعدة الدول النامية, اما عن مستقبل الاشتراكية فهناك تيارات اشتراكية حول العالم, تطالب بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية, وتعدد الاحزاب, وستستفيد من التجارب السابقة, سلبا وايجابا, لان العالم ادرك وحشية النظام الرأسمالي, وعجزه عن تحقيق السعادة, فلم يفعل سوي تعظيم الرغبة في الشراء لدي الشعوب الفقيرة لتراكم الشركات العالمية المليارات, وتختفي الصناعات الوطنية لحساب تلك الشركات.
> السياسة واضحة في كل اعمالك منذ تلك الرائحة الي الجليد ألا تحن لكتابة عمل بلا سياسة؟
هل تقدر علي العيش من غير سياسة, اهتمام الناس العادي بالشأن العام سياسة وانا لا اتصور اي عمل ادبي خاليا من السياسة او الجنس, فاذا كتبت عن اي انسان, اتناول وضعه الطبقي, وافكاره وانتماءاته وغير ذلك وكلها متداخلة في السياسة.
> رأي البعض ان الجليد رواية تفاصيل لا احداث, لكني توقفت أمام قضية مهمة فيها, هي التناقض بين النظرية الاشتراكية والتطبيق, وهو ما أدي لفشل التجربة, وكذا استوقفني التناقض داخل الشخص الواحد؟
هذا صحيح تماما.. وإن كانت احداث الرواية لاتشير الي ذلك التناقض بشكل صريح, لكن كل التفاصيل تؤكده, فالعلاقات بين الناس والسلطة في ظل ذلك النظام لم تكن صحيحة, ولا بين بعضهم البعض, ولا داخل الشخص الواحد, فرغم اهمية النظرية, حدث خلل في تطبيقها علي الارض.
> الجنس في الرواية بدأ محاولات مستميتة لاستعادة التوازن الانساني والتحقق والارتباط بنبض الحياة, لكنه لم يحقق ذلك في أية علاقة, فكلها تقريبا محطمة وغير مكتملة, لماذا بتقديرك؟
بشكل عام اعتقد ان هذا ينطبق علي الوضع الانساني كله, في اي مكان او زمان عوامل كثيرة تمنع التحقق في الجنس, ووعي الانسان بجسمه, لذلك ينتشر البورنو في المجتمعات المشوهة, تجسيدا لعجز الانسان عن بلوغ سويته, وفي بلدنا السعداء في حياتهم الجنسية قليلون جدا, وبالنسبة لاي كاتب لابد ان يعبر بصدق عن هذا العالم, وعندنا محاولات إيروتيكية بسيطة, مثل نجيب محفوظ في روايته السراب, وتوفيق الحكيم في المفكرة الحمراء تقريبا, لكن إحسان عبد القدوس في أدبه كان حين يصل الي المشهد الجنسي يضع نقطا, بالرغم من ان التعبير البليغ عن الحالات الانسانية يتحدد في تلك اللحظات.
> نجمة أغسطس عن السد العالي, وبيروت بيروت عن الحرب الأهلية اللبنانية, ووردة عن حرب ظفار في عمان, وأمريكانلي عن امريكا, والجليد عن موسكو, وكلها اعمال تحتاج لجهود توثيقية شاقة, أليس هذا مرهقا جدا؟
طبعا شاقة جدا.. انا بشتغل في رواية جديدة تعباني قوي.. المجهود التوثيقي رهيب.. خلاص تعبت.
> كيف يمكن اختزال مدينة معقدة بضخامة موسكو, حاضرة دولة عظمي الي هذا الحيز الضيق, وهذه الانكسارات الصغيرة, ألم يكن ممكنا توسيع المشهد بشكل ما؟
ليست هناك رواية يمكنها ان تحيط احاطة كاملة بكل شئ, وانا كنت مهتما بتقديم العالم الجنسي لشخصيات الرواية لاظهر تلك التناقضات التي تحدثنا عنها.
> الحلم الاشتراكي تشظي في الرواية واستحال الي مجموعة نزوات ومتاعب ومطالب صغيرة, مثل العثور علي الطماطم او اللحم, هل يعقل ان تتدني الاحلام الي هذا الحد؟
هذا كلام رومانسي, لكن الامور فعلا كانت تصل الي حد الفرح بوجود طماطم في المحلات العامة, نتيجة لمشكلة التطبيق والتخطيط الخاطئ, فتصميم الحذاء الجديد عندهم كان يستغرق خمس سنوات الي ان ينفذ, طبعا كان الحلم الاشتراكي كبيرا, لكنه اصطدم بعقبات, مثل تركيزهم علي صناعة السلاح التي تطورت جدا, علي حساب بقية الاشياء, لذا فشلت بين رجل الشارع والدولة.
> الآخر الغربي استعلائي لأسباب تبدو منطقية بدرجة ما وإن رفضناها, لكن ما سر استعلاء الآخر الروسي الذي كان يقاسمنا الحلم والقهر الذي عانيناه معا, فكيف يستعلي مقموع علي مقموع؟
هذا شئ طبيعي في المجتمعات الانسانية التي تستضيف وافدين لاول مرة, وانا هناك ذهبت ذات مرة مع صديق سوداني الي مكان في غابة, ورأتنا سيدة عجوزة وذعرت لرؤية الصديق الاسود ورسمت الصليب كأنها رأت الشيطان.
> يصعب ان أحاورك من دون التحدث عن ثورة يناير, فكيف رأيت خروج ملايين المصريين إلي الشارع, بعد طول الإحباط وفقدان الثقة في تحرك الناس؟ وكيف تري مستقبل الثورة المصرية؟
كنت يائسا جدا, وفوجئت بخروج الشعب, وسعدت جدا, وانا افضل استخدام كلمة انتفاضة ثورية بدلا من ثورة, فهي تخلصت فقط من عدة رموز مفضوحة ولم تحقق اكثر من ذلك.
> يبدو أنك متشائم رغم فرحك؟
بشكل عام عندي تفاؤل بالثورة لكن مازال هناك هموم ثقيلة يجب ان تنجز وهناك تباطؤ وتجاهل والاصوات الرجعية شئ مرعب, وكلام السلفيين غير ممكن.
> هل فقدت ثقتك في الشعب الذي خرج الي الميادين؟
ثقتي مشروطة بان يستمر التظاهر السلمي والنشاط السياسي الفاعل والإصرار علي الحريات.

الثلاثاء، 26 أبريل 2011

أمين معلوف في قراءته للربيع العربي:كنا فى غيبوبة واستفقنا

حوار مع : عبد الإله الصالحي
فرانس 24 عربي
5-4-2011
سؤال: ما هو تعليقك على الحراك الذي تشهده المجتمعات العربية، والتي بدأت شرارته في تونس، ثم انتقلت إلى مصر، والآن في ليبيا واليمن والبحرين وسوريا؟ طبعاً هناك اختلاف في الأحداث في هذه البلدان. ما هو تقييمك الأولي لهذا الحراك غير المسبوق في التاريخ العربي الحديث ؟
أعتقد أن ما يجري منذ مطلع هذه السنة، ربما هو أهم ما حصل في العالم العربي منذ قرون. هذه النهضة الجديدة، نهضة الحريات، المطالبة بالديمقراطية، الجرأة على التحرك، هذا ما كنّا ننتظره منذ صبانا. ولم نكن في الحقيقة نتوقع ونأمل أن يحصل كما هو الآن. ربما جاء مفاجأة، لكنها مفاجأة سارة. صحيح أن هناك معاناة وضحايا بالمئات وربما بالآلاف، لكنها في الوقت نفسه ولادة عالم عربي جديد له مكانته في العالم، وسيكون له دوره بين أمم العالم. كنا في غيبوبة واستفقنا. أنا لا أوافق الذين يتخوّفون مما سيحصل. شعوري أن ما حصل هو أمر مهم جداً وإيجابي للغاية. بدأ العالم العربي عطاءه للإنسانية، ربما أكثر مما أعطينا خلال القرون الخمسة الأخيرة. بدأ عصر جديد هذا العام في سنة 2011، بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. إنها بداية جديدة ولكنها بداية.
ما حصل في الأشهر الأخيرة هو بدايات في عدة دول. وما سيحصل ربما سيكون أعظم. الذي بدأ ستكون له نتائج لعقودٍ مقبلة في العالم العربي وفي العالم ككل. سيغيّر العلاقة بين العالم العربي وأوروبا وبين العالم العربي وإفريقيا. سيغير النظرة إلى العالم العربي ليس فقط من قِبل الغرب، ولكن أيضاً من قِبَل العرب أنفسهم. كنا في علاقة سيئة مع أنفسنا. كانت نظرتنا إلى أنفسنا نظرة عدم ثقة. كانت أحياناً نظرة ازدراء بالذات، ونظرة كره لها. وهذا بدأ يتغير.

سؤال: هناك حادثة طريفة روتها إحدى الصحف الأمريكية إبان أحداث واعتصامات "ميدان التحرير" بالقاهرة. كان هناك راكب مصري في إحدى الطائرات وحين اكتشف الركاب بأنه مصري صفقوا له طويلا. انتقلنا فجأة من صورة العربي الإرهابي، العربي الذي يخيف، إلى العربي الذي يثير الإعجاب؟
بالفعل ما قام به التونسيون والمصريون وما قام به اليمنيون وما يحصل الآن في اليمن شيء رائع. كنت أشاهد أمس مظاهرة في صنعاء وكان هناك مغني متواجد يغني للمتظاهرين وكانت ردود الفعل رائعة كذلك. اليمن بلد فيه عشرات الملايين من قطع السلاح والمتظاهرون فيه لم يطلقوا رصاصة واحدة. كان أحدهم يقول: "أنا في بيتي الكثير من السلاح ككل اليمنيين لكن حين أجيء إلى الساحة العامة أجيء بلا سلاح، أجيء كمواطن يطالب بالديمقراطية" وهذا أمر رائع.

سؤال : أنت تستلهم التاريخ كثيرا في كتاباتك. منذ ثورة غاندي نسى العالم بأن هناك طريقة مثالية لتغيير الأوضاع وهي النضال السلمي وكأن العالم يكتشف الآن بأنه بإمكان الشعوب أن تتحد وتخرج لتسقط الأنظمة بدون رصاصة واحدة؟
 أعتقد أن ما يحصل الآن هو بالفعل حقبة جديدة من التاريخ سيكون فيها النضال السلمي نضالا أساسيا. وربما يرتبط ذلك بوسائل الإعلام الجديدة مما يغني عن استخدام السلاح هو سلاح الإنترنت وسلاح الهاتف المحمول وسلاح "اليوتيوب". ويجعل للتظاهر مردود معنوي يُغني عن القنابل والرصاص. ما يحصل في العالم العربي هو علاقة جديدة بين المواطن والسياسة، علاقة تُغني عن العنف وتجعل العنف امرأ نتخطاه تاريخيا. نحن قادرون على الاستغناء عن السلاح وهذا ما أعطاه العربي اليوم للبشرية.

سؤال : كما قلت قبل قليل، استلهمت كثيرا التاريخ في كتبك، هل اللحظات الراهنة وهذا الحراك غير المسبوق والعجيب قد يلهمك في كتاب مستقبلي؟
بالتأكيد الرغبة في كتابة شيء عن ما يحدث الآن هي رغبة قوية. لا أعرف بالتحديد بأي شكل سيكون. هل سيكون على شكل روائي أو على شكل سرد تاريخي أو تحليلي؟ لا أعرف حتى الآن ولكن المؤكد أن أي كاتب يشعر بالرغبة في الاستلهام مما يحدث الآن في العالم العربي.

سؤال : هل تشعر بالفخر والاعتزاز عندما ترى هؤلاء الشبان والشابات في عمر الزهور يخرجون ويتحدون الاستبداد ويكسرون حاجز الخوف الذي تملّك، الأجيال السابقة، آباءهم وأجدادهم؟
يمكن أن أقول لك إنني لم اشعر بالفخر والاعتزاز مرة في حياتي كما شعرت منذ بداية هذه السنة.

الأحد، 20 مارس 2011

زين العابدين فؤاد: ستسقط أشكال كثيرة من الابتذال والسطحية


حوار مع:اسكندر حبش
السفير اللبنانية1مارس
أحيا الشاعر المصري زين العابدين فؤاد، في الثامنة من مساء أمس في مسرح بيروت، أمسية شعرية، قرأ فيها العديد من قصائده القديمة كما الجديدة، والتي دارت غالبيتها حول الثورة المصرية الجديدة. وبمناسبة وجوده في بيروت، كان هذا اللقاء.

لا بدّ للحدث المصري أن يفرض نفسه على بداية هذا اللقاء، كيف عشت وتعيش الذي حدث؟
^ إنه حلم 100 عام، منذ ثورة 19 وحتى الآن. تاريخ ميدان التحرير الذي سمي للمرة الأولى بهذا الاسم في مارس 1919 حين خرجت النساء في أول تظاهرة مع الثورة وارتبط تحرر المرأة بالمكان فسمي ميدان التحرير. هذا الميدان شهد تظاهرات عدة منذ ذلك العام، ثم كانت جنازة الشهيد العظيم عبد الحكم الجراحي في نوفمبر 1935 وغيرها الكثير من التظاهرات والاحتجاجات. إنها ثورة شعب. حيث اختلط صناع الأحلام وكان اللقاء في الميدان كنموذج تكرر في بقية المدن.
المدهش والجميل هو المشهد الحضاري في الميدان، حاولوا طويلا أن يزرعوا على سبيل المثال الفتنة الطائفية أو الاحتقان الطائفي الذي تكرس في كنيسة الإسكندرية. لم يحدث أي احتكاك من أي نوع، سقطت كل الأقنعة الطائفية في شوارع الثورة المصرية. انسحب البوليس، لم يكن هناك حارس واحد على كنيسة واحدة، ولم تضرب أي كنيسة حتى بحجر.
تقول إنها ثورة شعب، لا ثورة شباب، لِمَ؟
^ المفجر هو الشباب لكن الذي أعطى الزخم والذي حولها من مجرد اعتصام إلى ثورة هو الشعب المصري. إذا نظرت إلى الصور الآتية من هناك تجد فلاحين وعمالا ومواطنين من الصعيد، نساء منقبات ومحجبات، فتيات جامعيات سافرات، رجال دين مسيحيين ومسلمين، كل طوائف الشعب كانت ممثلة. إطلاق تسمية ثورة الشباب عليها كانت محاولة لعزلها وضربها. على سبيل المثال، عندما تحدث مبارك وقال إنه يتبنى مطالب الشباب، نسي تماما أن المطلب الأول للثورة أصبح سقوط النظام لا التغيير. لقد تفجرت كل الطاقات الإبداعية للشعب المصري، تعبيرا وتنظيما وتكافؤا، كل الطاقات توهجت في هذه الثورة.
الطائفية
كيف تفسر أن النظام كان يلجأ إلى زرع الكابوس الطائفي في مصر؟
^ صناعة الفتنة الطائفية بدأت في عهد السادات، وكلما مرّ بأزمة كبرى، يلبس الوطن ثوبا طائفيا ويتخذ اجراءات متنوعة، على سبيل المثال، بعد كمب ديفيد مباشرة، ظهرت مسائل الفتنة الطائفية في مصر، صنعها النظام واستخدمها. وعندما اعتقل السادات في 5 سبتمبر 1981 كل معارضي كمب ديفيد قال إنه يتخذ اجراءات احترازية ضد الفتنة الطائفية وغلفها بعزل البابا وحبس عدد من الرموز الدينية وأحدهم بالمناسبة الشيخ المحلاوي، وهذا الشيخ كان خطيبا لمسجد القائد إبراهيم في الإسكندرية ثم اعتقل في 1981 وعزل تماما عن المسجد حتى قيام الثورة وكان خطيب الإسكندرية الأول. وكان ميدان التحرير في الإسكندرية هو ساحة مسجد القائد ابراهيم. ثم جاء مبارك واستثمر هذا الموضوع. تفجير كنيسة القديسين هو تغطية على جريمة تزوير الانتخابات الأخيرة الفاضحة. النظام دائما يتخذ المسألة هذه كمبرر لممارسة القمع ولتغطية عوراته المختلفة.
كيف ترى إلى المستقبل؟ هل ستعيد الثورة مصر إلى قلب العالم العربي؟ أسأل ذلك وفي بالي فكرة أنه لم تكن هناك من شعارات واضحة حول فلسطين مثلا، وإن كانت هناك فهي لم تخرج في وسائل الإعلام.
^ وصفت التظاهرات مبارك بأنه عميل صهيوني وأن الإشارة الواضحة «تعمل أرنب تعمل ديب/ انت مكانك تل أبيب»، ربطت بينه وبين النظام والصهيوينة مباشرة. إسقاط النظام يعني اسقاط كل ما يمثله هذا النظام. سأقول لك شعارات الثورة: «يا مبارك يا عميل، بعت بلدنا لإسرائيل/ يا مبارك يا عميل، بعت الغاز وباقي النيل». ألا يدل ذلك على التوجه. إذا لم تكن هذه الشعارات واضحة فأنا أحتفظ بها مصورة ومسجلة صوتا وصورة على الفيديو. التركيز كان إسقاط النظام أولا وكانت الحماسة واضحة تجاه ربطه ربط النظام بإسرائيل. عندما طرح اسم عمر سليمان كان الشعار «لا مبارك ولا سليمان، دول عملاء الأميركان». شعارات الناس كانت واضحة جدا. وهذا هو السبب الحقيقي في أن نتنياهو كان شديد الحرص على استمرار مبارك أو سليمان في وضع المسؤولية. فبالتالي الأمر واضح.
الفن والأدب
برأيك كيف ستؤثر الثورة في الخطاب الفني والأدبي؟
^ روح جديدة، إحساس مختلف بالانتماء لدى المواطن العادي فما بالك بالخطاب الفني والأدبي، ستسقط أشكال كثيرة من الابتذال والسطحية، ربما نمر بمرحلة من خطاب الصوت العالي، أي الفن الأقل، ثم بالتأكيد سوف تزدهر كل الفنون والآداب مع إعادة تصحيح التعليم والتربية. لأن فساد التعليم لعب دورا مخربا طوال السنوات الماضية، حتى الصوت العالي، عندما قدم فريق اسكندريلا عرضه الأخير كان الغناء مختلفا، فمثلا كانت بعض الأغاني تتضمن شعارات على النحو التالي: الشعب يريد الورد في البساتين، الورد يريد الشعب في الميادين». وكانت تلقى في أثناء الغناء هذه الشعارات واستقبلت بشكل غير عادي. حلمي كشاعر أن أقرأ أمام جمهور كبير، أو أن يغني أحدهم أغنية لي أمام جمهور واسع. قد قرأت شعري وغنى الجمهور مع حازم شاهين في أغنيتي ولحن الشيخ «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر» أمام ربع مليون مواطن في ميدان التحرير.
كيف تفسر هذه الذاكرة التي ما زالت موجودة في حين أننا اعتقدنا أنها انتهت بفعل عوامل كثيرة؟
^ هذا ما تراه في الإعلام الرسمي المزيف لكل شيء في الحياة والأخبار والفن والثقافة، في كل شيء. لكن جيوب المقاومة كانت موجودة وبأشكال متعددة لم يتوقف صناع الحلم لحظة عند بذر بذور أحلامهم في التربة المصرية. مجرد أن يسقط الإعلام الرسمي بكل ما يحمله من سواد، فسيسقط معه وجه النظام القبيح تعبيرا وفنا مبتذلا متكلفا ومصنوعا. كانت ابداعات الشعب المصري غناء وشعارات وتمثيلا في الميادين مذهلة. هناك على سبيل المثال المواطن المنوفي يأتي إلى ميدان التحرير ويحمل لافتة يقول فيها إنه من المنوفية – وهي محافظة مبارك والسادات - ليضيف «يا ناس أنا منوفي وجيت أصلح نفسي ومبارك خلعتو. هذا التسجيل كان يوم 1 فبراير. يا ناس قولولي ربنا يقبل توبتي؟ فأجيبه إذا حضرت سبع مرات إلى ميدان التحرير تقبل توبتك.
عندما يطرح في الصحف أن ثروة مبارك وأسرته 70 مليار دولار، تنطلق الأغنية «كان طيار وبقى عندو 70 مليار». لم يتوقف الإبداع لحظة. هل رأيت الأطفال يقودون التظاهرات في التحرير وغيرها من الأماكن؟ هل رأيت حس الفصاحة في الشعارات أن يكتب ارحل بالمقلوب ربما يفهم مبارك؟ هل رأيت شعارات يحمل ترجمة فورية ارحل يعني امشي، يعني ما بيفهمشي. هذا عصر جديد، الطاقات تفجرت بسبب الإحساس العميق بأننا نملك هذا الوطن. هذا وطننا لن يأخذه أحد منا مرة أخرى. هذا هو إحساس كل من نزل إلى الشارع وهذا هو الضمان الحقيقي لاستمرار الثورة. أنا أراهن على الناس. أفنيت عمري أراهن على الناس وقد آن الوقت كي اكسب رهاني. لست وحدي، لكن صناع الأحلام من سيد درويش وحتى آخر شهيد.
تمتد الثورات الشعبية اليوم إلى مختلف العواصم العربية؟ أي حلم لدى زين العابدين فؤاد بهذا الوطن العربي؟
^ أن يبدع كل شعب شكله الخاص بالثورة وأن يعرف كيف يصل بها على نهاياتها. لا يمكن نقل نموذج ما. فالنموذج المصري مثلا اختلف تماما عن النموذج التونسي العظيم، وبين هلالين، كنت سعيدا جدا حين استخدم أصدقائي في تونس أغنيتي «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر» وحولوها إلى «مين اللي يقدر ساعة يحبس بلدي». الحلم أن تتغير الخارطة العربية من ناحية حقوق الناس وحماية الناس وحقوقها المختلفة وأن يصبح الوطن العربي وطنا ديموقراطيا حقيقيا وعندها سيكف الغرب عن ادعاء أن إسرائيل هي واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط ويرى عندها وجهها القبيح ككيان عنصري.
جديدك اليوم بعد هذه المرحلة التاريخية. هل من أشياء في الأفق؟
^ بالتأكيد لكنها تحتاج إلى وقت للنضج. بالطبع يمكن استخدام قصائد وأغان كتبت من قبل وهذا ما يحدث الآن، إذ هناك العديد من أصدقائي الفنانين يلحنون عددا من قصائدي القديمة لكن أن تنتج فنا يعبر عن هذه المرحلة من الإبداع الجماعي والشعبي المتوهج، بالتأكيد أنت تحتاج إلى كثير من الوقت.

الثلاثاء، 8 مارس 2011

جون برادلي:نظام مبارك كان يغذي الفتنة الطائفية

الكاتب البريطانى جون برادلى: تنبأت بالثورة المصرية وجمال نجل الرئيس السابق عجل بنهاية والده.. ونظام مبارك كان يغذى الفتنة الطائفية

 حاورته :هدى زكريا 
اليوم السابع 8 مارس 2011
قال الكاتب البريطانى والمحلل السياسى جون برادلى، إن نظام الرئيس السابق حسنى مبارك كان يغذى الفتنة بين المسلمين والأقباط، مشيرا إلى أن الطرفين كانا يعيشان فى سلام لولا سماح النظام بنشر الفكر الوهابى المتطرف القادم من المملكة العربية السعودية.

وأضاف صاحب كتاب "مصر على حافة ثورة" الممنوع من النشر فى مصر: جمال مبارك السبب الرئيسى وراء تفجير ثورة 25 يناير نتيجة شعور الشعب المصرى بإمكانية انتقال السلطة إليه يوما ما.

وأكد برادلى، على أنه لولا تدخل المنظمات الدولية ووسائل الإعلام الغربية للضغط على الرئيس السابق حسنى مبارك للتنحى، لأباد شعبه بالكامل من أجل البقاء فى السلطة أطول فترة ممكنة.

ويشرح برادلى، تفاصيل ما حدث معه عندما حاول طرح كتابه فى الأسواق المصرية، حيث يرسم السيناريو المتوقع حدوثه فى الدول العربية التى تشهد موجة عارمة من المظاهرات المطالبة بإسقاط الأنظمة الحاكمة، محللا موقف أمريكا وإسرائيل تجاه ما يحدث.. فإلى الحوار:

كيف تنبأت بثورة 25 يناير فى كتابك "مصر على حافة ثورة" وما المؤشرات التى ساهمت فى تنبؤك هذا؟
قضيت فترة طويلة فى مصر بحكم عملى كخبير ومحلل سياسى، ولكن الغريب فى الأمر أننى لم أقض دقيقة واحدة مع الصحفيين الغربيين والخبراء الآخرين، بل على العكس فضلت العيش فى أحد الأحياء الشعبية الفقيرة وتركت زملائى وقررت التقرب من الطبقات الشعبية على مختلف مستوياتها الاجتماعية والثقافية، عندئذ وجدت الفساد يتسرب إلى حياة المواطن المصرى يوميا من كل اتجاه، وشاهدت الرعب والوحشية المتزايدة التى يتبعها النظام الأمنى فى التعامل مع المواطنين وأحسست شعورهم بالغضب بسبب الفجوة الهائلة والمتنامية بين أغنياء هذا الشعب وفقرائه.

وللأسف لم يحاول النظام يوما إصلاح كل هذا، بل زاد من غطرسته ومعاملته القاسية وجشعه، حيث تأكدت أن مبارك بالفعل عجز عن إجراء أى إصلاح ديمقراطى للبلد، واتضح لى أنه يسعى إلى تسليم السلطة لنجله جمال مبارك، وكنت على يقين بأن الشعب لن يقبل هذا، وعندما كتبت عملى "مصر من الداخل .. أرض الفراعنة على حافة ثورة"، عام 2008 كنت على يقين أن هناك شيئا ما سيحدث ويغير الأوضاع تماما.

وأكرر مرة أخرى أننى لست نبيا أتوقع الشىء قبل حدوثه، ولكنه كان شعورا طبيعيا، وصرحت قبل ذلك لإحدى الصحف اليومية المصرية بأن الشعب المصرى لن يقبل بالاستمرار فى سرقة كرامته قبل كل شىء وسيقوم بثورة لاستعادتها مهما كلفه الأمر.

وما الذى حدث عندما حاولت طرح كتابك فى الأسواق المصرية؟ وبما تفسر ذلك؟
اشترت الجامعة الأمريكية بالقاهرة توكيل بيع 50 نسخة من كتابى من ناشرى بنيويورك، وسعدت كثيرا بذلك، ولكننى فوجئت بعدها بأيام قليلة بالناشر يبلغنى أن وزير الإعلام السابق قرر إلغاء التعاقد، ولم يكتف بذلك بل قام بإرسال معاونيه لاقتحام المكتبة ومصادرة عدد قليل جدا من النسخ التى كانت موجودة بالفعل فى المكتبة، وهذا ما أثار غضب العديد من وسائل الإعلام الغربية وبعض الصحف المصرية المعارضة والمستقلة الذين خصصوا صفحات بأكملها للحديث عن أساليب القمع والحظر التى تتبعها السلطات المصرية، ولكن ما لا يعلمه أحد أن هذا الحظر تسبب فى بيع الآف النسخ الإلكترونية من خلال موقع أمازون الشهير، فأصدر بعدها وزير الإعلام بيانا يقول فيه " إنه لم يتم منع الكتاب فى مصر"، وأمر بنشر هذا البيان فى الصفحات الأولى من الصحف التابعة لهم .. ولكن هذا بالطبع كان كذبا واضحا ودليلا على أن النظام المصر كان يخشى من قيام ثورات وانقلاب الشعب ضده فى هذا الوقت.

وما رأيك فى طريقة تعامل السلطات المصرية مع المتظاهرين أثناء الثورة؟
نظام مبارك لم يعرف طوال عقوده سوى لغة العنف مع الشعب، ولولا تدخل المنظمات الدولية ووسائل الإعلام الغربية التى بدورها قامت بالضغط على الرئيس للاستجابة لمطالب الشعب التى تنادى بتنحيه، لأباد مبارك شعبه بالكامل من أجل ضمان البقاء فى السلطة أطول فترة ممكنة، وفى رأيى فإن هذه الثورة نتاج طبيعى لما عاناه الشعب المصرى ونعلم جميعا محاولة النظام السابق قمع الثورة عندما أرسل حلفاءه بالجمال والخيول للاصطدام بالمتظاهرين حتى ينتصر ويستمر فى سرقة ونهب أموال الشعب فكانت محاولاته مجنونة وبعيدة تمام عن اللياقة.
وكيف ترى مستقبل مصر قبل وبعد الثورة؟
من وجهة نظرى الحكم العسكرى فى مصر ولو لفترة قليلة أفضل بكثير، لأننا لم نر على سبيل المثال تعامل الجيش مع المصريين بوحشية، والسؤال هنا هو: لماذا لم تتم محاكمة هؤلاء المسئولين على جرائمهم فى حق الشعب المصرى؟ ولماذا جهاز أمن الدولة مازال قائما؟ يؤسفنى أن أقول إن نظام مبارك مازال ساريا وأن الثورة لم تنجح تماما كما كان مرجوا.

وما تعليقك على ما يحدث الآن فى البلاد العربية وما تشهده من موجات عارمة من الاحتجاجات والمظاهرات المطالبة بإسقاط النظام؟ وكيف ترى موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ما يحدث؟
كانت السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط على مدى نصف قرن تقوم على دعم الحكام العرب المستبدين من أجل الحصول على النفط بأسعار زهيدة، وأيضا لدعم إسرائيل ، ولكن هذه السياسة بدأت تتهاوى منذ مجىء الرئيس الأمريكى الحالى باراك أوباما، ولكن دعينا لأن نقول إن ما حدث فى مصر وتونس وضع أمريكا وإسرائيل فى مأزق حقيقى، ولو افترضنا أن الأوضاع فى البلدين أخذت فى الاستقرار وأصبحت تحت السيطرة فبالتأكيد هذا يرجع لاحتفاظ النخبة القديمة بمقاليد الحكم وتجنبها الوقوع فى عداء مع أمريكا أو إسرائيل. وفيما يتعلق بالدول العربية الأخرى أرى أن دولة مثل اليمن فى طريقها للسقوط وسيتم تقسيمها للشمال والجنوب وكذلك البحرين والسعودية التى تعد دمية فى يد واشنطن.

وستحدث الأزمة فى السعودية مع محاولات الشيعة الاستقلال عن بقية المملكة أو عندما يحاول الليبراليون بمنطقة الحجاز الانفصال، وتطالب أيضا القبائل الجنوبية التى تربطها علاقات وطيدة باليمن بالاستقلال، هذا كله يجعل واشنطن تفقد سيطرتها على العالم العربى، ولذلك أعلنت أمريكا مساندتها للشعب الليبى حتى لو استدعى الأمر أن تتدخل عسكريا بعد 40 عاما من مساندتها للرئيس معمر القذافى فى محاولة منها لتأكيد الإمبريالية الأمريكية، ولكن ما يصيب أمريكا وإسرائيل باليأس هو أن الشارع العربى بأكمله ضد أى هجوم على إيران، بالإضافة إلى شعور إسرائيل أنها تفقد أصدقاءها يوما تلو الآخر.

وما السمات المشتركة بين تلك الدول العربية التى تشهد ثورات متوالية؟
من المدهش أن تبدأ الثورات فى الانطلاق بعد تجربة تونس، خاصة وأننى كنت دائم الظن أن شرارة البدء ستكون من مصر، ولكن فى حقيقة الأمر قبل الثورة لم يكن هناك ألفة كبيرة بين الشعببين التونسى والمصرى، خاصة أن الحبيب بورقيبة كان ضد فكرة العروبة التى طالما نادى بها الرئيس جمال عبد الناصر، وتلمست هذه الضغينة عندما عشت فترة فى تونس وحرصت على الحديث باللغة العربية، ولكن بعد الثورة المصرية والتونسية ساد جو من الحب بين الطرفين غير طبيعى وأصبح عدوهما المشترك هو الحكام المستبدون، وفى القريب العاجل ستزول كافة الحواجز الثقافية واللغوية خاصة وأن هذه الثورات وحدت الشارع العربى.

وكيف ترى وضع الأقباط فى مصر قبل وبعد الثورة؟
فى حقيقة الأمر لم يكن هناك عداء بين المسلمين والأقباط قبل الثورة حتى لو افترضنا أن الأقباط يخشون من وصول الإخوان إلى الحكم، وما حدث بين الطرفين من محاولات لإثارة الفتن، كان بسبب السماح لنشر الفكر الوهابى الذى تمتد جذوره للملكة العربية السعودية، ولذلك يمكننا القول إن نظام مبارك هو الذى غذى تلك الفتنة لأنه سمح بانتشار مثل تلك الأفكار.

البعض ينظر للشباب المصرى على أنه سلبى دائما ومستكين واندهش كثيرون عندما وجدوا أن هؤلاء الشباب هم من قاموا بتفجير الثورة.. فما تعليقك؟
من الغباء أن نعمم الأحكام على الأشياء، فجميع الفئات تتسم بالتنوع والاختلاف، وحتى الشباب المصرى الثورى فيه من يفضل مشاهدة الجزيرة والقراءة وفيه من يفضل مشاهدة الأفلام الإباحية وفيه من هو شديد التدين والالتزام وهكذا، والسبب فى نشر هذه الصورة النمطية هى وسائل الإعلام التى تقدم أعمالا "غبية وتافهة" تقتصر على حياة الرفاهية التى يعيشها أولاد الطبقة الغنية وتتجاهل تماما النماذج الأخرى حتى جاءت الثورة وحطمت كل هذه الأفكار.

السبت، 22 يناير 2011

هاني شنودة: «المصريين» تغني في مدح «النبي محمد» ومن يعترض.. في «داهية»

غادة طلعت 
روز اليوسف 21-1-2011
 بالرغم من أن فريق المصريين الذي قام بتأسيسه الموسيقار هاني شنودة ويضم أغلب أفراده فنانين «مسيحيين» إلا أنه ضرب مثالاً واضحًا في إيمانه بفنه ومواكبته لأحوال المجتمع المصري إذ قرر الفريق أن يقدم أغنيات دينية في مدح النبي محمد - صلي الله عليه وسلم - متجاهلا لكل دعوات التعصب وشعارات الفتنة التي يمر بها المجتمع حاليًا، وعن هذا اللون الغنائي وموضوعا أخري دار هذا الحوار مع مؤسس الفريق هاني شنودة: < ما حقيقة اتجاه فريق المصريين لتقديم أغان في مدح النبي محمد - صلي الله عليه وسلم -؟

- هذا حقيقي نجهز حاليًا لتسجيل عدد من الأغاني والقصائد في مدح «النبي محمد عليه السلام» وسوف نقدمها بعد الانتهاء من تسجيل الألبوم الخاص بالأطفال الذي نقوم بتجهيزه حاليًا.


< ولماذا قررت تقديم أغان في مدح النبي في هذه الفترة بالتحديد؟


- «فرقة المصريين» قررت تقديم هذا اللون من الغناء لأنها فرقة لكل المصريين وهذا واضح من اسمها ولهذا رفضت في البداية تسميتها بفرقة هاني شنودة بمعني إنها فرقة ليست للمسيحيين وحتي إن كان مؤسسها مسيحي وأغلب أعضائها مسيحيون فأنا مؤمن بالرسل الثلاثة، ولهذا أردنا أن نقول للعالم إننا مؤمنون بالله وكل رسله.

< ألم تخش من غضب الكنيسة وهجوم المسيحيين؟


- «اللي يزعل يروح في داهية» فإن لم أكن مؤمنا بجاري وأعرف جيدًا أن نبيه علي حق هذا يعني إنني لست مؤمنا بالله لأن جزءًا من إيماني كمسيحي بالله هو إيماني بصدق محمد عليه السلام ورسالته. وأنا أجد نفسي الأولي بمدح محمد عليه السلام لأنه قال «إذا دخلتم مصر فاستوصوا بالأقباط خيرًا فإن لهم ذمة ورحما»، فكيف يقول إنني صهره ولا أمدحه، فالمسيحي المؤمن بالله حقا يؤمن بمحمد وعيسي وموسي وكذلك المسلمين فهذا هو شرط الإيمان.

< ولماذا تصر علي أن يقدم الأغاني الإسلامية «فادي» وهو مطرب مسيحي؟

- لا أعرف لماذا يندهش البعض عندما يسمع هذا الخبر فهذا ليس جديدًا فمنذ بدايتي عندما يأتي مطرب ليأخذ مشورتي أو يطلب التعاون معي وأجد الحروف ليست واضحة لديه أطلب منه أن يذهب لشيخ ليشرح له كيفية تجويد القرآن الكريم فالقرآن هو المدرسة الكبري ومن لا يجيد تلاوته لا يستطيع أن يصبح مطربا مهما فعلاً، ولهذا نصحت «فادي» وهو مطرب شاب في الفرقة أن يستمع كثيرًا للشيخ عبدالباسط وعدد من المقرئين ولذلك سوف يتفاجأ به الجميع عندما يسمعه يقدم أغاني المديح النبوي.

< وما هي الأغاني الدينية التي سوف تقدمها الفرقة الفترة القادمة؟


- سوف نبدأ بأغنية «لاجل النبي» التي سبق وقدمها الكحلاوي، هذا بجانب الاستعانة ببعض الأغاني الدينية المعروفة في التراث المصري أيضًا نبحث عن كلمات لأغان جديدة تكون خاصة بالفريق وتنسب للمصريين. وقد نستعين بمطربين جدد يقدمون هذا اللون بجانب فادي الألفي ومطربي الفريق.

< ولكن هل تري أن فريق المصريين حقق النجاح المطلوب؟


- الحمد لله نجحت في أن أصنع أول فريق مصري للأغنية في الوقت الذي كانت منتشرة هذه الفرق في الغرب فقط، وبعد أن كنت أعزف فقط أغاني غربية نجحنا في كسر هذا الحاجز وقدمنا أغاني عربية ومصرية أصبحت علامة مميزة وحصدنا حب الجمهور وهذا هو الدافع الذي جعلنا نستطيع العودة بالفريق بعد التوقف لسنوات كثيرة بالرغم من أن العودة دائمًا لا تكون مضمونة النجاح ولكن لأننا قدمنا موسيقي مختلفة استقبلنا الجمهور من جديد، ودليل النجاح هو أننا قمنا بإحياء حفل ناجح جدًا في فرنسا وعدد من دول الغرب ووجدنا ترحيبًا شديدًا.

فبالرغم من ظهور فرق كثيرة بعد فريق المصريين ولكن للأسف لا تستطيع الاستمرار كثيرًا، وأتذكر أن جمهور الفريق زمان كان يتجاوز الثلاثة آلاف في حين أن حفلات أم كلثوم وعبدالحليم لم تكن تتجاوز الألف.

< وفي رأيك لماذا لا توجد لدينا فرق غنائية ناجحة في مصر؟


- هذا نتيجة للتربية لأن السيدة المصرية لديها مشكلة كبيرة في تربية الأبناء حيث دائما تحرض أبناءها علي أن يكونوا أنانيين دون أن تقصد فدائما تقول لأبنها تناول هذا الطعام قبل أن يأتي شقيقك فيأكله وهكذا ولهذا يتعجب البعض من إصراري علي ضرورة إعادة الفريق ولكن السر هو عشقي للعمل الجماعي وشعور العيلة ودائما تعاون مع الفنانين مثل أبنائي لدرجة أن أولادي الحقيقيون دينا ونادر كانا يشعران بالغيرة من حبي واحتوائي للفنانين الذين اكتشفتهم مثل عمرو دياب ومحمد منير وعمر فتحي وإيمان يونس ومني عزيز.

< بمناسبة الحديث عن هؤلاء النجوم لماذا لا نجد تعاونًا يجمعك بالمطربين الكبار الذين اكتشفتهم مثل عمرو دياب ومحمد منير؟

- أولا أنا سعيد جدا باكتشافي لعمرو دياب وأعتز به جدًا وبالمناسبة أنا تنبأت له أن يصبح أهم مطرب في العالم العربي ولكن للأ سف المطربين الكبار يخشون التعاون مع هاني شنودة خوفا من أن ينسب نجاح العمل لهاني شنودة حيث يقال الأغنية التي صنعها شنودة وليس المطرب الفلاني ولكن عندما يتعاون مع شاب صغير ينسب النجاح للمطرب مباشرة.

< وكيف تري حال الأغنية المصرية حاليا؟


- للأسف الأغنية المصرية «ماتت» بالفعل لأسباب كثيرة أهمها الاستسهال والتقليد وعدم الابتكار بجانب إننا برغم تقدمنا في الفن والغناء بالتحديد ولكن لا يوجد لدينا ناقد غنائي واحد وهذه أمور تساهم في تراجع الأغنية بجانب السرقة علي الإنترنت فالأغنية المصرية تعرضت لكوارث حتي «ماتت».

< هل تري نفسك تعرضت لظلم علي مدار مشوارك الفني؟


- بالنسبة للجمهور فهو اعطاني حقي بحبه ولكن تبقي الأزمة في حالة الجهل التي تسيطر علي الناس ولا أقصد الإساءة لهم ولكن الجهل عدو التقدم دائما فعندما يختزلني شخص في إنني صانع أهم الأغاني مثل أنا بعشق البحر «لنجاة» أو «زحمة يا دنيا زحمة» لعدوية وغيرها من أغاني منير وعمرو دياب فبذلك يكون ظلمني لإنني صاحب الأنجاز الأهم وهو عمل طفرة في الموسيقي واكتشاف أنواع جديدة بالدمج بين الشرقي والغربي ولكن للأسف تنسب هذه الانجازات لغيري وهذا سببه الجهل، هذا بجانب عدم حصولي علي أي جوائز من الدولة وهذا يغضب المحيطين بي دائما ويدهشهم.

< كيف تري استبعادك من الحصول علي جوائز الدولة ؟


دائما أقدم في جوائز الابداع ولا يحالفني الحظ، وهناك تفسير.. قد يكون هذا الاستبعاد من جانب الدولة لأنني لست مطربا رسميا أي لا انتمي لأي مؤسسة رسمية ولكن أهون علي نفسي دائما إنني ضمن قائمة العظماء الذين رحلوا ولم يحصلوا علي جوائز رغم إبداعهم في مجال الغناء ولكن لا أخفي عليكم مازلت انتظرها من الدولة .

< هل تري أن هناك تفرقة في مصر بين عنصري الأمة

- بالنسبة لي أري أن لمصر فضلاً كبيرًا علي إذا عشت تسعمائه عمر علي عمري لن أوفيها حقها، فأنا تعلمت فيها بالمجان وأصبحت فنانًا وحرًا بفضلها ولا أشعر بظلم ولكني أري أن للأقباط مطالب ولا اتفق مع الدعوة لزيادة بناء الكنائس لأني لا أري أهمية لبناء دور العبادة والأهم في نظري هو المستشفيات والمنازل والحل الوحيد هو تطبيق قانون المواطنة لتحافظ مصر علي وحدتها وتماسكها.

< وما هو جديد فريق المصريين الفترة المقبلة؟


- نقوم حاليا بتسجيل ألبوم أغاني للأطفال كتبها صلاح جاهين وقمت بتلحينها بصوت عدد كبير من المطربين المصريين ومن بينهم نيللي ومحمد ثروت والأطفال لأنني أري أن جاهين هو أفضل من كتب للأطفال في العالم كله ولذلك قررنا طرح الالبوم الفترة المقبلة وهذه النوعية من الأغاني تجذب الكبار لأنها تذكرهم بذكريات جميلة وتمتع الأطفال وتعلمهم اخلاقيات جميلة قد ينساها الكبار حاليا وهو مكون من 12 أغنية.

السبت، 8 يناير 2011

داود عبد السيد: إذا أغلقت أبواب العقول فحرض كيفما تشاء

طارق مصطفى – محمد عادل
روز اليوسف 8-1-2011
فى الأسبوع الماضى كانت من أهم الملحوظات التى خرجنا بها من قائمة العشرة أفلام الأهم فى العشر سنوات الأخيرة هى وجو 3 أفلام لمخرج واحد هو «داوود عبدالسيد» وهذا لا يعنى سوى شىء واحد وهو أن «داوود» كمخرج وكمفكر قادر على تطوير مشروعه السينمائى باستمرار وضخ أفكاره وهمومه فيه بشكل عميق وثرى بصريا ومن هنا تجىء أهميته.

عندما رتبنا للحوار كان فى ذهننا أن تكون أسئلتنا متعلقة فى الأساس بذلك المشروع السينمائى ولكن التفجيرات المفزعة التى شهدتها مصر فى الليلة الأخيرة من2010 وضعتنا أمام تساؤلات كثيرة عن العنف، الطائفية، والتحولات الاجتماعية الكثيرة التى نشهدها مؤخرا، ولأن هذه الأسئلة فى النهاية هموم تشغل المفكر السينمائى طوال الوقت وتلح عليه طرحناها على «داوود عبدالسيد» فكان هذا الحوار:

*
فى فيلمك الأخير «رسائل البحر» لعبت الإسكندرية دور البطولة، ولكنها لم تكن الإسكندرية التى نعرفها. فقدت الكثير من تحررها وملامحها، والمفارقة أن نفس المدينة كانت بطلة أحداث العنف الطائفى والإرهاب أخيرا.. من وجهة نظرك ما الذى حدث للإسكندرية؟

- «
دعنى أقل لك أن الإسكندرية لم تفقد روحها، ولا تجعل الصورة التى تراها أمامك تخدعك، أنا أتصور أنه مازال هناك الكثير من مظاهر التحرر فى الإسكندرية، مازال هناك نفس الذوق ونفس الوعى ولكن فى نفس الوقت علينا الاعتراف بأن هناك تياراً سلفياً قوياً بالإسكندرية. ذلك التيار هو الذى جعلك تتصور أن الإسكندرية فقدت ملامحها.

مازلت أذكر أثناء تصوير «رسائل البحر» صادفت الكثير من الملصقات على الصخور المواجهة للبحر مليئة بتوجيهات أخلاقية تحجم العلاقة بين الولد والبنت، ولكن فى الوقت نفسه كنت أصادف كثيرا من الردود التى كتبها هؤلاء الشباب ردا على تلك الملصقات. أى أنك فى الإسكندرية تستطيع أن تجد المحافظة الشديدة وفى مواجهتها المقاومة العنيفة». 
* ولكن لماذا تغيرت الإسكندرية؟

-
الإسكندرية كمدينة شهدت على مدار عقود طويلة وجود أعراق وديانات وجنسيات مختلفة وهذا هو الأمر الذى منحها طابع التحرر الذى طالما اتسمت به ولكن هذا التنوع قد انتهى تقريبا، وبالتالى اختفى المناخ الذى كان داعما لقبول الآخر والتفتح وبذلك وصلنا إلى ما نراه اليوم.

أذكر أننى عندما ذهبت إلى شاطىء المنتزه منذ15 عاماً مثلا لم تستطع زوجتى النزول إلى البحر لأنه ببساطة لم تكن هناك أى امرأة مرتدية «المايوه»، وهذا لم يكن الوضع قديما مثلا.

علينا الاعتراف بأن هناك تياراً سلفياً قوياً فى مصر الآن، ونعم لقد نجح هذا التيار فى فرض نفسه.

*
ولكن لماذا أصبحت الناس مهيأة بذلك الشكل للخطاب الدينى السلفى أو التحريضى؟

- «
إذا أغلقت أبواب العقول فحرض كيفما تشاء. لأنه ببساطة الشىء الوحيد القادر على وقف العملية التعبوية هو وجود عقل ناقد. وللأسف الشديد لم يعد هناك الآن الكثير من العقول الناقدة والباحثة أو المفكرة القادرة على الوقوف فى مواجهة عملية التحريض».
* إذن ما الذى أغلق العقول؟

-
عدة أشياء أولها هزيمة 67 التى كانت هزيمة لعدد من الشعوب فى آن واحد فشعر الجميع أن المعبد قد تهدم وبالتالى أصبحت الفكرة الملحة على الجميع هى اللجوء إلى الله، أى أن التيار القومى تراجع وحل بدلا منه التيار الدينى. يجىء بعد ذلك موت عبدالناصر ثم تولى السادات الحكم والذى لعب لعبة سياسية نتج عنها أن أصبح الإسلام السياسى مسيطرا على كل مجالات الحياة.

بعد مقتل السادات أصبحت اللعبة مختلفة. حيث أصبح اللعب بمنطق «لا يفل الحديد إلا الحديد» وهنا بدأ السماح أكثر للإخوان المسلمين فى مواجهة التيارات الدينية. أضف إلى ذلك أن الناس فى مصر بفطرتها تميل إلى التوجه نحو الدين خاصة عندما يكون هناك معاناة من أزمة سياسية واقتصادية بل واجتماعية وهو ببساطة وضع المجتمع المصرى الآن.

دعنا لا ننسى أيضا عاملاً آخر مهماً وهو وجود إسرائيل لأنه ببساطة وجود كيان دينى معاد يستدعى بالضرورة الكيان الدينى الآخر.

وبالطبع ساعد على كل ذلك أن معظم الخطاب الدينى الموجود الآن خطاب متخلف ولا يعبر عن اتجاه دينى حقيقى ولذا يفترض أن الآخر هو عدوه.

*
هل نستطيع أن نقول أن التعليم ساهم فى ذلك؟

-
التعليم والإعلام على حد سواء وهذا أمر واقع منذ أيام الرئيس السادات وحتى الآن. فإذا تحدثنا عن الإعلام تحضرنى هنا واقعة ما تخص مسلسلاً تاريخياً دينياً كان يعرض فى بداية الثمانينيات والذى كان يصور فرعون الكافر وكيف أنزل الله عليه غضبه. وبالمناسبة هذا المسلسل كان يذاع على التليفزيون المصرى. وكان التليفزيون يقدم مسلسلا معاديا لتاريخه ويصفنا بأننا أحفاد الكفرة. أى أن المصريين هم «أحفاد الكفرة». 
القنوات الدينية مثلا لعبت دورا فى إشعال الأمور؟

-
إلى حد ما ولكنى سأسرد لك واقعة ليست لها علاقة بالقنوات الدينية. حوار سليم العوا مثلا والذى كان على قناة الجزيرة والذى تحدث فيه عن الكنيسة وعن ترسانة الأسلحة التى تملكها وما إلى ذلك. دعنى أقل لك إن ذلك الحوار كان خطاباً تحريضياً سافراً من مقدمه وضيفه.

ولكن علينا الاعتراف بأن هذه النغمة ليست السائدة بالإعلام الخاص.

*
وماذا عن الإعلام المصرى أو التليفزيون المصرى؟

-
لست ممن يهوون مشاهدة أو تصديق الإعلام المصرى أو بالتحديد الإعلام الحكومى لأنى لا أثق دائما فيما يقدم. ولأنى مقتنع أن الإعلام المصرى «الحكومى» يعمل لصالح الدولة الدينية.
* كيف؟

-
لأنك ببساطة كنت ومازلت أمام محاولة لأسلمة معظم المضامين التى تقدم لدرجة أن تصل إلى اللحظة التى تحاول فيها أن تثبت أن كل كشف علمى كان موجوداً فى القرآن. حدث ذلك من خلال «زغلول النجار» ومن قبله «مصطفى محمود» وبالتالى عندما تقدم هذا الفكر طوال الوقت إذا أنت بذلك تعمل لصالح الدولة الدينية ولصالح إضفاء الصبغة الدينية على كل ما يقدم.

وهذا ليس فقط فى الإعلام وإنما ما يحدث فى المجتمع الآن حيث الصفة الدينية هى المسيطرة وناهيك عن أن الدستور نفسه متأرجح ما بين الدولة الدينية والدولة المدنية. أو ليس هذا كله لصالح الدولة الدينية؟.

صدقنى أنا لست أتحدث

كـ«مسيحى» وإنما كمواطن مصرى لذا تستوقفنى ظواهر كثيرة مثل أن يعفى القانون كل من يبنى زاوية أو مصلى من الضرائب.

أنا إنسان محب للعمارة وصدقنى عندما أقول لك إنى أعشق المسجد الذى له قيمة معمارية وجمالية ولذا أحزن عندما تختفى هذه القيم المعمارية من «الزوايا».

وأيضا كمواطن مصرى أتساءل كيف تستطيع بناء زاوية بسهولة فى الوقت نفسه الذى لا يستطيع فيه شخص آخر بناء كنيسة.. أفلا يخلق هذا نوعا من الاحتقان؟.

*
ولكن لماذا اشتد الاحتقان الطائفى الآن.. هل له علاقة بالأزمة الاقتصادية مثلا؟

-
لأن الأزمة تخلق مناخاً تنافسياً وطائفياً. فمثلا إذا تصورنا أن هناك وظيفة يتقدم لها4 أشخاص بالطبع سأختار فى مثل تلك الظروف من ينتمى إلى دينى.

نعم الفكر الطائفى ينتعش فى الوقت الذى تشتد فيه الأزمات الاقتصادية وعندما يكون الإنسان مأزوماً فيجد من يحاول أن يقنعه طوال الوقت أنه الأعظم وأن ما يملكه وينتمى إليه هو الأفضل ويصيغ له ذلك الوهم حتى يصدقه وحينها يراوده إحساس بالتفوق الزائف. ولكن لماذا نتجاهل أيضا الوضع السياسى القائم؟

علينا الاعتراف بأننا عندما نلغى السياسة والانتماءات السياسية لا يصبح لدينا ما ننتمى إليه سوى الدين والذى يغلى كل ما عداه خاصة عندما تكون العقول كما أشرت من قبل مغلقة الأبواب بل وتعيش فى جهل.

وأعود مرة أخرى لأكرر أن هذه خطيئة الدولة التى حاولت استغلال الدين لأسباب سياسية وبالتالى كان ما فعلته سببا منطقيا لاختفاء السياسة من حياة المجتمع المصرى.

إذا عدت بذهنك إلى الأربعينيات والثلاثينيات مثلا تجد أن الوفد قام على وجود العنصرين المسلم والمسيحى. والحركة الشيوعية ضمت عناصر مسلمة، مسيحية بل ويهودية أيضا.

*
ما الذى يلح على مشروع «داوود عبدالسيد» السينمائى الآن؟

-
شخصيا أستطيع أن أقول أن الفكرة الصوفية تراودنى بشدة هذه الأيام وربما يكون ذلك بفعل السن أما إذا كنا نتحدث عن البعد الاجتماعى فأتصور أن فكرة الانتظار هى الملحة الآن.

بمعنى أن المجتمع الآن فى لحظة انتظار لكى يحدث تغيير. وحتى الآن ليست هناك أى دلائل تشير إلى قرب حدوث هذا التغيير، ولا أحد يعرف ما إذا كان سيحدث الآن أم بعد سنوات. يمكنك القول إننا فى لحظة تجمد.

المجتمع بأكمله غير راض عن أى شىء أو عن النظام السياسى والاقتصادى ويحاول تعويض عدم الرضا هذا بـ «شوية حاجات» كأن يفوز فى مباراة لكرة القدم فيصبح فى حالة هستيرية غير مبررة.

لم نعد راضين ولم نعد نعلم كيف نسير، لأنهم أخذوا منا البوصلة والخريطة بل والعربة التى يمكنها أن تقلك إلى وجهة ما. وأصبحنا كلنا واقفين لا نعلم إلى أين نتجه.. بالضبط مثل نهاية رسائل البحر.

*
دعنا نعد إلى «أرض الأحلام» وليس «رسائل البحر».. لو كانت «نرجس» موجودة معنا الآن هل كان قرارها سيكون الرفض لفكرة السفر؟

-
بالطبع.. لن تسافر نرجس ببساطة لأن أرض الأحلام هى أرض أحلامك أنت.. وأرض أحلام «نرجس» هى مصر وليس أمريكا. ولكن الوضع ربما يكون مختلفا بالنسبة لشاب يشعر بأن كل الأبواب مغلقة أمامه وبالتالى لا يوجد أمل بالنسبة له سوى الهروب.

*
ولكن «فرانشيسكا» تركت مصر فى «رسائل البحر»؟

-
أبطال رسائل البحر لم يكن فى رغبتهم أن يتركوا المدينة ولكن أزمتهم أن المجتمع أصبح طاردا وبالتالى هى لم تهرب ولم تشأ أن تهاجر. بل إن صراعها فى الفيلم منطلق من فكرة إصرارها على البقاء وليس الهجرة.

وللأسف الآن أصبح من السهل جدا بالنسبة للناس أن يتركوا المكان ويرحلوا.

*
وما تفسيرك لهذا؟

-
لأن الناس لم تعد تعرف كيف تتقدم وفى أى اتجاه وعدم الرضا أصبح هو محركها الأساسى. الوضع جعل الشباب غير راض بل وغير قادر أحيانا ثم إن هناك فئات عمرية وطبقية غير قادرة من الأساس على أن تعيش الحياة كيفما تريد. ثم دعنى أسألك أنا سؤالا: ما الذى يدفع إنسانا أن ينفق أموالا من أجل أن يصعد على مركب قد تكون وجهتها موته؟..

لذا استوقفنى مثلا فيلم «أولاد العم» وجعلنى أتساءل وماذا عن المصريين المقيمين فى إسرائيل..؟ ما حكاياتهم؟ هل هم خونة مثلا؟ هؤلاء المصريون الذين يريد البعض أن يسحب منهم جنسيتهم المصرية رغم أنهم ذهبوا إلى هناك بحثا عن حياة شبه كريمة لأنى مؤمن بأن الحياة الكريمة هى الحياة التى تعيشها فى بلدك كمواطن حر ومحترم.