‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 20 يناير 2011

كرنفال

قصة : محمد زهران
المصري اليوم 20-1-2011
وقف الشاب المجهد النحيل.. الجاكيت الجلدى فوق القميص البوليستر متآكلة أطرافه.. طلب الكلمة.. تطلعت عيناه المذعورتان إلينا نحن الجالسين فوق المنصة بتوجس من يخاف الإصابة بعدوى مرض لا شفاء منه.. اعتاد أن يتعاطى من إعلامه الشعبى، جرعات مكثفة تتفنن فى وصف الجالسين أعلى المنصة بكل الموبقات والنواقص.. كانت الوجوه القليلة المتناثرة على عدد لا نهائى من المقاعد لشباب متعجل دخل ليستحضر علاجاً سحرياً لكل همومه ومشاغله.. تتباين الوجوه ما بين منتقبة ومحجبة وسافرة.. وجوه ملتحية وأخرى حليقة والأغلبية» بين بين «.. الاتفاق الأعم هو صغر السن.
بس اللى انتو بتقولوه ده لا يتماشى مع تقاليد الأسرة المسلمة.
مفيش حاجه اسمها أسرة مسلمة.. فيه أسرة مصرية.. لازم نتعود بداية أسس وقواعد الحوار الصحيح بعيداً عن أسلوب نفى الآخر.
أشفقت على الشاب المذعور من لسان صديقتنا الحاد وإن كنت أشعر معها بالأسى على ضياع العمر بلا جدوى.. كان الشاب معبراً عن فئة الحاضرين الغالبة.. الجدار العازل يفصل ما بين العالمين.
لا ياحبيبتى مش دى.. أكيد الخيمة اللى جنبها.
كان الرجل الضامّ إلى صدره بيد كومة من سلسلة مكتبة الأسرة يدفع برأسه وجذعه القماش السميك المتدلى، مخترقاً طرف الخيمة المجاور لمقعدى، تلك الأطراف المرتفعة عن الأرض حوالى المتر عند نقاط التقائها بأوتاد تثبيتها.. اليد الأخرى تحكم قبضتها على الصغيرة المتطلعة إلى المشهد بحيادية، وتمسك بيدها المتحررة من قبضة الأب وجبتها التى استحقتها عن جدارة بعد جولتها الشاقة وسط تنويعات هذا الكرنفال.. اليد الصغيرة تهرس كيس الكشرى الضئيل المستسلم لقبضتها..
تحاول الصغيرة الربط بالنظر بين ما فوق المنصة وتحتها.. تقضم بأسنانها طرف الكيس البلاستيكى المغلق.. تضغط بيديها وتمص بشفتيها بقوة محاولة نقل مكونات الكيس لفمها.. الأب يرفع صوته عالياً ليصل الصغيرة التى بيده محاولاً التغلب على فوضى الميكروفونات.. يطلب منى طارق التعقيب أستأذنه فى سماع السؤال ثانية.
فى الخيمة المجاورة كانت إحدى نجمات الإغراء المقاومة للزمن تستعرض مشوار حياتها.. اكتظت الخيمة وأصبحت الأطراف المرتفعة متنفساً لكتل الجماهير المتراصة لإلقاء نظرة.. كانت ملابس النجمة تتسق مع المكان والحدث الثقافى.. تحول الحديث إلى دور الدين فى حياتها، خاصة أنها استفاضت فى شرح ما تعيشه الآن من سكينة وسلام داخلى، والنور الذى يملأ حياتها بعد رحلة الحج المقدسة.
بعد الحج ما أنش الأوان للحجاب يا حاجه؟
ابتسمت النجمة المدربة على مثل هذه الأسئلة الجماهيرية
كله بأمر الله.
توقفت أمام واحدة من دور النشر الإلكترونى.. هنا الزحام الأكبر من أجيال الشباب الصغار، يتنوع المعروض ما بين الموسوعات والألعاب والأفلام.. يخرج شابان يراجعان بفرحة تنويعات اختياراتهما.. يقترب منهما بعض الشباب الملتحين بزيهم الأبيض القصير المميز.. يلقون نظرة على اختيارات الشابين..يدور بينهم النقاش، لا أميز ما يُقال لكنى استطعت تمييز حمرة الخجل على وجهى الشابين.
أفقت على ضوء فجائى باهر، وشبح ليد تمتد نحوى بالميكروفون.
عايزين نعرف انطباع حضرتك على معرض هذا العام؟
أشرت بيدى معتذراً عن عدم استعدادى للحديث، ألقت المذيعة المزركشة كعروس المولد بالميكروفون لتلتقطه يد أحد الفنيين، وانطلقت بحثاً عن زبون آخر، وانطلقت أنا فى الاتجاه المضاد، وقبل أن يتباعد ما بين الانطلاقتين التقطت أذنى تفصيلات التعليق الحاد السخرية.
إنتو جايبين لى واحد عايش الدور؟ هى ناقصة.
قررت استكمال ما بدأه الرجل وطفلته.. رغم أن الإدارة أهدتنى كل نشرات البرنامج واصلت الجولة على المخيمات والصالات أستطلع الجالسين على المنصة.
لا يا عم دول مش مشهورين تعالى نشوف حته تانيه.
حته تانيه فين دا خلاص هيقفلوا.
والنبى إنت عبيط وأهطل دا التقيل ورا يا مغفل والكبار الباشاوات ما بيصحوش إلا واخرى.. كلهم دلوقتى هتلاقيهم هلين بعد الواغش ما يمشى.
انصرف الشابان فى اتجاه القاعة الكبرى، بحثاً عن وجوه أكثر لمعاناً تشبع العين والأذن.
يشرح الشاب الصغير المتأنق ذو اللحية المهذبة والنظارة الطبية مستديرة العدسات منزوعة الإطار للسيدة المنتقبة كيفية تشغيل أسطوانة الكمبيوتر، وآخر يتطلع مشدوهاً للمصحف الآلى، فهنا بإمكانه استحضار الآية التى يريدها والتى ستظهر له مكتوبة على الشاشة الصغيرة فيسهل حفظها وبنطقها الصحيح، كما أن هذا المصحف يتميز بصغر حجمه فيمكن اصطحابه دائماً فى العمل والمواصلات..
تتجاور الديانتان العظيمتان، لا يفصل بينهما إلا ذلك الجدار الخشبى الرقيق.. يتلاصق المتحمسون من أتباع الديانتين من شدة الازدحام على الاقتناء.. تتداخل أصوات الوعظ الكنسى بقراءات القرآن.. يتدافع المتحمسون.. أطنان من الكتب وشرائط الفيديو والكاسيت والسيديهات.. اندفع أحد المقتنين المتخم بحمولة هائلة من الشروح والتفاسير فى اتجاه الطرف الآخر مزهواً بحصيلة حمولته، ليقابله على الطرف الآخر نظير له فى الهواية، ومع التصادم يتبادلان الابتسامة المعتذرة، وإن كانت متحفزة، وفى لحظة خاطفة تلاقى الكتابان المقدسان فى حادثة تصادم غير مقصودة.
ممكن يا عمو نشترك سوا فى اتناشر كتاب والتمن بالنص؟
نظرة الأم الزاجرة لم تردع الصبى الصغير بل واصل شرح نظريته أصل ماعجبنيش غير ست كتب بس وعشان أستفيد م العرض لازم أخد اتناشر.
أعجبنى منطق الصبى الصغير وجرأته وقدرته على الاقتحام والاختيار، فصاحب المكتبة قد استغل الحدث الكبير وأقام أوكازيوناً للراكد من بضاعته فهو يستغل تكرار العناوين لإغراء الرواد بتغليب الكم على الكيف فالكتاب المفرد بجنيه واحد أما شراء أثنى عشر كتاب دفعة واحدة فهو بخمسة جنيهات فقط، فحاول الصبى بفطنته التغلب على حيلة البائع وكسب الكم والكيف معاً، ومؤكد أنه وجد فى جديتى فى التقليب ضالته المنشودة..
وجدتنى تلقائياً أقلد الصبى وأختار معه.. لم يكن التباين بيننا شاسعاً لهذه الدرجة التى كنت أتوقعها، يسألنى عن الكمبيوتر والخيال العلمى.. أسأله عن الشعر والروايات.. لا يبدى حماساً كبيراً.. ينتفض فزعاً عندما أسأله عن التاريخ، فهذا هو الشىء الوحيد الذى لا يحبه.. قبل أن يأخذنى دور الموجه والمرشد أتوقف مراجعاً نفسى متأملاً إجاباته.. ربما كانت المشكلة فى تقصيرى أنا فى الاطلاع على ما يثير فضول الصبى واهتماماته.

السبت، 30 أكتوبر 2010

قصة :كرامات سيدنا الولي



قصة: موسى نجيب موسى
رهيباً كان المشهد.. فالجميع تحركوا إلى موقع التنفيذ فقد صدر القرار وفشلت جميع محاولات إجهاضه حتى إن أحد أعضاء مجلس الشعب قدم استجواباً للوزير المختص قوبل بالرفض التام بأغلبية ساحقة لأصوات أعضاء مجلس الشعب، كما أن أحد ساكني هذه المنطقة كان قد توفي منذ زمن ليس بالقليل عندما سمع في قبره بالقرار تخلى عن كفنه وهجر مقبرته وطار في فضاء قبة المجلس الموقر عله يقنع الأعضاء بالعدول عن هذا القرار ولكن الأعضاء اكتفوا بالنظر إلى الجسد الغريب الذي اقتحم عليهم خلوتهم داخل البرلمان وتبادلوا نظرات التعجب والاندهاش.
رئيس الحي ومعه رؤساء الأقسام ومهندسي التنظيم يصطحبون معهم جميع المعدات اللازمة من بلدوزرات وسيارات لوري كبيرة (قلابات) ومعهم السائقون الذين لا يفيقون أبداً من البانجو والحشيش حتى إن أحدهم زود مزاجه بجرعة زائدة كادت أن تودي بحياته لولا خبرة رئيس قوة الشرطة المرافقة للحفاظ على الأمن حيث لاحظ عليه الإعياء فطلب له الإسعاف فوراً، وعلى الرغم من تواجد جميع قيادات الحي وقيادات الشرطة إلا أن أحد سائقي هذه اللوريات كان يحتفظ بقطعة كبيرة من الحشيش الخام في جيب سترته العلوي وكانت بارزة بشكل لافت للنظر ولكنه لم يعبأ بأي شيء سوى "تظبيط" دماغه أثناء قيامه بالعمل، هكذا تعود أن يفعل طيلة سنوات عمله على اللوري العملاق. أقارب الموتى يصطفون حول المشهد في دائرة نصف مكتملة والكل منتظر رفع رفات أقاربهم ونقلها إلى أي مكان يرونه لائقاً بقريبهم المتوفى.
بدأ عمل البلدوزرات واللوريات وسط صرخات مكتومة من الجميع سواء من له أقارب متوفون أو من ليس له، حتى إن أحد الذين استشيخوا في غفلة من الزمن بمجرد أن نبتت ذقنه بشعرها الناعم الذي يغيظ قال في دهشة منتظراً إجابة من فقيه:
وكيف سيحاسبون هؤلاء في يوم الدين.
لم يجد سوى نظرات التعجب والاستغراب ممن حوله؛ فانسحب في هدوء عل أمره ينكشف أمام هذا الرهط المدجج من قوات الأمن المركزي والشرطة ويساق إلى حيث لا يعلم.
قارب العمل على الانتهاء فلم يبق سوى مقبرة واحدة وينتهي كل شيء حتى يبدأ العمل في المشروع الكبير - بناء وحدات سكنية للشباب - فالحكومة عملت بالمبدأ القائل "الحي أبقى من الميت"، ولم يبق في جميع المناطق مكان خال وصالح لتنفيذ هذا القرار سوى هذا المكان الذي يشمل مقابر أهالي المنطقة والمناطق المجاورة.
حاول أحد قائدي البلدوزرات أن يستأنف عمله بعد أن شرب شايا غامقاًً وقضى على سيجارة محشوة بنهم غريب لكن المقبرة استعصت عليه وعلى سلاح الجرافة الحاد. حاول مرة أخرى حتى كاد أن ينقلب البلدوزر على رأسه فلم يستطع أن يهدم هذه المقبرة. تعالت صيحات الأوامر من كبار المسؤولين بضرورة اجتثاث هذه المقبرة من جذورها حتى يبدأ العمل في البناء والعمل، لكن كل محاولات البلدوزر والبلدوزرات المرافقة باءت بالفشل. تعجب الحاضرون من الموقف ولم يجدوا تفسيراً لما حدث. تعالت صيحات التكبير والتهليل من المحيطين الذين كانوا يعايشون الحدث بقلوب مرتجفة وصاح أحدهم :
بركاتك يا سيدنا الولي ورّيهم كراماتك...
صاح رئيس الحي في غضب واضح ووجنتين منتفختين:
بطلوا تخريف ... ولي إيه وكرامات إيه؟!!
قالها وجمع مرؤوسيه وعاد إلى رئاسة الحي حتى يجد حلاً لهذه الورطة فلن يستطيع البناء وهذه المقبرة ما تزال قائمة في مكانها.. طارت الشائعات والأقاويل في كل مكان وتناثرت الحكايات الأسطورية عن الولي صاحب المقبرة ووصلت إلى حد أن زعم أحدهم أنه ولد في نفس المنطقة التي دفن فيها وأن نوراً هائلاً كان ينفجر من المقبرة كل ليلة قبل صلاة الفجر، وحمل آخر على عاتقه مهمة إحياء الطريقة وأطلق على نفسه شيخ الطريقة وأقام مولداً كبيراً لصاحب المقام، وكان الناس يجيئون من كل مكان للتبرك من المقبرة وصاحبها وتحقيق أحلامهم التي عجز الطب والحياة عن تحقيقها، فمن يريد أن يتزوج فتاة صعبة المنال عليه ما كان عليه إلا أن يزور المقبرة/ المقام حتى يحقق مراده أو على الأقل يقوى عنده الأمل بالإيمان ببركات سيدنا الولي بأن حلمه حتماً سوف يتحقق وأن المسألة مجرد مسألة وقت فقط، ومن تريد أن "تحبل" وتلد ذكراً كانت تتبرك من سيدنا الولي وغيره وغيرها حتى زاد الأمر عن حده مما تطلب معه ضرورة التحرك فوراً لإيجاد حل لهذه الورطة والبدء في تنفيذ المشروع، فأخذ السيد رئيس قسم شرطة الحي على عاتقه مهمة البحث في الموضوع ومعرفة أسبابه فأرسل طلباً للجهات الأعلى لمساعدته في كشف هذا اللغز المحير لهذه المقبرة العجيبة، تم تشكيل لجنة كبيرة من علماء الدين وخبراء الأنساب لتحديد شخصية صاحب المقبرة ولكن بعد عمل دام طويلاً لم تصل اللجنة إلى شيء يمكن أن يساعد على الكشف عن هوية صاحب المقبرة. وعلى الرغم من اعتماد اللجنة على مرويات الذين عاصروا صاحب المقبرة والحكايات المتناثرة هنا وهناك وتفحصهم لسجلات الأنساب إلا أنهم استقروا في النهاية على توصيه بضرورة مواصلة البحث للوصول إلى شخصية صاحب المقبرة... برقت فكرة في ذهن رئيس قسم شرطة الحي فأسرع في تنفيذها حيث قدم طلباً للنيابة لاستخراج الرفات والكشف عنها بواسطة الطبيب الشرعي المختص، ورغم أن هذا القرار قوبل في البداية بالكثير من الاعتراضات والرفض سواء على المستوى الشعبي من الأهالي وأولي الأمر بالمنطقة أو على المستوى الرسمي من قبل بعض المسؤولين الذين بيدهم الأمر إلا أنه لم يكن هناك طريقاً سواه للوصول إلى حل لهذا اللغز المحير فعلاً.
تم أخذ القرار سريعاً واتجه الفريق المخصص للفحص برئاسة الطبيب الشرعي إلى المقبرة مباشرة وبدأ عمله وسط الكلمات المتطايرة من أفواه البسطاء الذي كانوا يحيطون بالمكان والتي ترمى بالكفر وعدم مراعاة حرمة الأموات ومخافة غضب الله عليهم ومخافة غضب الولي أيضا/ صاحب المقام، فيا ويلهم منه ومن غضبه الذي بالتأكيد سوف يطولهم وأن الانتقام سوف يأتي لهم سريعاً... تم فتح المقبرة وعندما هم الطبيب بفحص عظام المتوفى وجد عبارة "في انتظار حبيبي أن يرقد بجواري" تتصدر جميع العظام التي وجدت داخل المقبرة والمفاجأة التي ألجمت الألسن ودلت الجميع أن العظام كانت لفتاة في العشرين من عمرها وليست لرجل.
ساد صمت رهيب في المكان ولم يعد يسمع أي صوت حتى صوت الهواء وحفيف الأشجار اختفيا... على البعد كان يقف شاب في الخامسة والعشرين من عمره تتساقط دموعه في هدوء مميت .

http://lmasrna.blogspot.com/

لوجه الله ولمصر:الكاتب موسى نجيب موسى : كاتب مصرى ودكتوراة فى الخدمة الإجتماعية ..أرسل لنا أعماله تضامنا مع المدونة كقاص ومواطن مصرى مسيحى .. ..ونتوجه له بجزيل الشكر لتلبيته دعوتنا ..ونرحب به دائما



الاثنين، 25 أكتوبر 2010

قصة قربانة


قربانه..
قصة قصيرة

أحمد طوسون

إهداء خاص:
إلى الكاتب المسرحي أحمد الأبلج

 
عند شجرة اللبخ الكبيرة بمحطة القطار، كنت أجمع زهرات ذقن الباشا عندما يهزها هواء مارس الدفيء فتتساقط ويفوح عطرها بالمكان.
أضعها في جيب بنطالي الصغير، وأحملها إلى أمي ..
تخلطها بالماء وترشها بأركان البيت، فيمسه الربيع بسحر خافت ويسكن بنوافذنا المفتوحة على مصاريعها.
حينها رأيتها تهبط من القطار الذي أطلق صفارة طويلة أفزعت العصافير فحلقت وطارت بعيدا وحط القطار بمحطتنا.
كانت بين زميلاتها بفيونكتها الحمراء وقميصها الأبيض ومريلتها الزرقاء، تضم كتبها إلى صدرها وتفرش ضحكتها على رصيف المحطة.
لحظتها شعرت بقبضة في قلبي وانغرست بذرة لكائن مجهول بصدري وذابت زهرات ذقن الباشا بين أصابعي، وسقطت على الأرض فجرفتها نسمة ربيعية بعيدا واختلطت بالتراب الناعم الذي غطى الرصيف.
أغمضت عينيّ لأحتفظ بصورتها لأطول فترة ممكنة، حتى علت صفارة القطار من جديد وارتج رصيف المحطة وصرت وحيدا بين جدران المحطة العجوز.
***
عندما أغمضت الشمس جفونها وفرش الليل ستارته، جاءت إلى سريري..
رفعت غطائي وجذبتني من يدي، فشعرت بسخونة فيهما وفتحت عيني على ابتسامة مدهشة.. حركت لساني بسؤال وجل وقلت:
-
أنتِ....؟
منعتني من الكلام حين وضعت إبهامها فوق شفتي المرتعشتين..
رفعت يديها عاليا فظهرت لها أجنحة بيضاء صغيرة كأجنحة الملائكة، وطارت بي عاليا بين الغمامات البيض.
ظللنا نتأرجح ونلامس السماء بأكفنا الصغيرة ونلونها بألوان قوس قزح، حتى أيقظتني أمي وقالت:
-
انهضْ
-
ستتأخر على المدرسة!
في الطريق إلى المدرسة شاهدت البنات بقمصانهن البيض ومرايلهن الزرقاء فدق قلبي بعنف وفاحت حولي رائحة زهرات ذقن الباشا..
ولم أعرف لِمَ قادتني قدماي إلى رصيف المحطة..
صفر القطار صفارة طويلة موجعة ورحل بعيدا، وخلا رصيف المحطة من المرايل الزرقاء دون أن أجدها..
سحبت قدمي وجرجرتهما إلى طريق المدرسة، لكن العم رشيدي أغلق الباب في وجهي ولم يفتح.
***
أتى قطار ثم عاد..
وأتى قطار آخر فارتجف رصيف المحطة وزقزق كروان وحط فوق شجرة اللبخ وهز أوراقها فسقطت زهرة ذقن الباشا فوق وجهي..
رأيتها تهبط مع صويحباتها، فرش البستاني البذرة التي انغرست في قلبي ورواها بماء الحياة..
قادني الحنين، فسرت خلفهن، وظللت أتبعهن عن بعد حتى افترقنَّ عند ميدان البلدة وودعن بعضهن بالضحكات، وسلكت هي الطريق إلى درب النصارى.
تابعت خطواتها وهي تلمس الأرض بكل خفة.. أقلص الخطوات بيني وبينها، حتى دنوت فشعرت بحرارة القرب..
همست في أذنها :
-
أنتِ جميلة جدا
استدارات ناحيتي..
وقبل أن تكمل عيناي الذاهلتان من وهج جمالها دورانهما حول محيطها شعرت باحمرار وجهي والحمى التي تستعر في جسدي، وقبضة في قلبي.
تفحصتني من أسفل إلى أعلى، وقالت:
-
أنتَ ولد صغير..
وقليل الأدب.
شعرتُ بعرق غزير يغطي جسدي، وبقلبي يدق بعنف وبقدمي ترتعشان وتتخبطان في بعضهما.. فلم أنبس بحرف.
تركتني وواصلت طريقها على وقع خطواتها التي كانت تدهس على قلبي، حتى وصلت إلى باب الكنيسة ودخلت إلى هناك.
***
حين يشدني الحنين أغمض عيني وأستعيد صورتها وصوتها حتى أكاد ألمسهما في انتظار أن يأتي قطارها..
أتبعها عن بعد وهي تسير بين صويحباتها.. تغافلهن وتلتفت خلفها بين برهة وأخرى..
تراني فتبتسم وتمد خطواتها..
عند درب النصارى صارت وحيدة.
تباطأت خطواتها، فأبطأت خطواتي لتظل المسافة بيننا كما هي..
عندما توقفت في منتصف الشارع، توقفتُ..
لم أعرف ماذا أفعل، هل أستدير وأعود إلى بيتي أم أقف في مكاني كتمثال تجمد من الصقيع؟!
رأيتها تشير بكفها ناحيتي بما يعني تعال..
ألتفت حولي فلم أجد أحد غيري.. أسرعت إليها ووقفت بين يديها وقلت:
-
أناااااااااااا ؟!
تلك المرة لم تكن ابتسامتها معها.. كانت غاضبة كطفلة كُسِّرَت لعبتها للتو وهي تقول:
-
أنت عاوز أيه؟
لم أعرف بما أجيب، وماذا أريد منها، لكن وجدتني أقول:
-
نتجوز..
ضحكت قبل أن تستعيد صرامتها ويتحول صوتها إلى عصا تلسع وهي تقول:
-
أنت عبيط
لا تسير خلفي بعد اليوم.
ملت بنظراتي إلى الأرض وشعرت بجفاف حلقي ولم أستطع أن أقول لها شيئا.
حين أيقنت أنني لن أتكلم تركتني ورحلت بخطوات مسرعة حتى دخلت من باب الكنيسة..
بينما عدت إلى بيتي أرتجف من الحمى التي داهمتني .. وأصبح صدى صوتها الذي كان يملأ قلبي بالفرح يلسعه بالألم ،وأحسست بالدموع تحتبس في عيني فلم أستطع منعها..
وقلت في نفسي : لن أتبعها بعد اليوم!
***
ليومين لم أبرح فراشي بعد أن كومت أمي الأغطية فوقي، ولم أذهب إلى المدرسة.
في اليوم الثالث ارتديت أكثر من بلوفر وذهبت إليها..
في الفسحة أصحابي كانوا يلعبون بحوش المدرسة حين سمعتهم يقولون أن عامر يسكن بدرب النصارى.
من حينها صار صديقي..
قلت له: نذاكر معا.. يوما عندك، ويوما عندي، وأصريت أن أصحبه إلى بيته بعد المدرسة..
من خلف خصاص النافذة ظللت أتطلع إلى الشارع وأترقب وصولها.
تسحب عامر وجلس بجانبي وقال:
-
أفتح الشباك؟
هززت رأسي بما يعني لا، وأشرت له أن يصمت وينظر معي من بين خصاص النافذة، حتى عبرت من أمامنا.
ضحك عامر وقال:
-
يا ابني دي في ثانوي
هتبصلك أنت؟!
خفق قلبي وانقبض بعنف.. ألتفت إليه وقلت:
-
أنت تعرفها؟
-
طبعا..!!
-
طيب اسمها أيه؟
لكنه رفض أن ينطق بحرف قبل أن أعطيه علبة الألوان الفلومستر التي اشتراها أبي لي بعد إلحاح.
ترددت لبرهة، ثم اشترطت عليه أن يقول كل ما عنده أولا.
قال إن اسمها زهرة..
ظللت أردد اسمها بين شفتي دون أن يسمعني عامر، ولا أعرف لِم اعتقدت أن من الطبيعي أن يكون اسمها زهرة!
أبوها عم بولس خادم الكنيسة..
وأمها تصنع القرابين.
-
وأين تسكن؟
جذب علبة الألوان من بين يدي، وقال:
-
في الكنيسة.
***
تكررت زيارتي لعامر حتى فاجأتنا أمه ونحن ننظر من بين خصاص النافذة على الشارع.. لسعتنا بعصاها القاسية وقالت:
-
يا عديمي الأدب
بتعاكسوا البنات من ورا الشباك!
من بعدها لم أعد أراها إلا حين عودتها من المدرسة، أتوارى خلف شجرة اللبخ وألمحها تهبط من القطار فيرتجف قلبي ويرشح بالحنين.
أيام مرت بعد أجازة آخر العام ولم أرها..
فكرت أن أزور عامر لكن عصا والدته جعلتني أطرد الفكرة عن رأسي وأبحث عن أخرى.
قررت أن أسير في شارع الكنيسة وحولها ربما قابلتها أو رأيتها صدفة..
لا أعرف كيف قادتني قدماي إلى هناك وعبرتا من باب الكنيسة.. سرت مخدرا بلا وعي حتى أفقت على صوت أحدهم يشير ناحيتي ويصيح:
-
ولد مسلم غريب
امسكوه قبل أن يسرق شيئا!
جريت بسرعة خوفا أن يمسكوا بي وتراني زهرة .
أيام طويلة مرت وأنا أسير كعادتي حول الكنيسة دون أن أراها.
حين رآني عامر قال:
-
أنت مجنون
هل تحبها بجد؟!
ملت برأسي ونظرت إلى الأرض ولم أتكلم.
لكنه عاد وضحك قائلا:
-
من تظن نفسك
بنت في ثانوي..
ومسيحية..
تفكر فيك؟!!!
هززت رأسي وقلت :
-
بالطبع لا..
سكت لحظة أخذت فيها نفسا شجيا، وقلت :
-
لكنني لم أرها منذ أخذنا الأجازة!
عامر قال:
-
طبعا يا ابني
علشان بتساعد أمها في عمل القرابين.
***
احتفظت بالكرة الجديدة التي اشتراها أبي هدية لنجاحي كما هي ولم أمسها.
وحين زارني عامر أخرجتها من مخبئها وقلت:
-
تشبه الكرة التي يلعبون بها في الساحة الشعبية
أمسك بها وقال:
-
تمنيت لو كنا نمتلك واحدة
هيا لنلعب بها.
شدني من يدي لكنني تمنعت وقلت:
-
أنا لا أحب لعب الكرة..
جذبت الكرة من بين يديه وحضنتها بين صدري وجلست على مقعدي.
عامر بدا غاضبا حين قال:
-
لكنك كنت تلعب معنا بالمدرسة!
صمت لحظة ثم قلت:
-
لم أعد أحبها!
مددت يدي بالكرة وناولتها له وقلت:
-
يمكنك أن تأخذها..
-
صحيح؟!!
قال عامر بلهفة واندهاش..
اقتربت منه وقلت:
-
إن أردت..
طبعا ..
إذا استطعت أن تأتيني بقربانه مما تصنعها زهرة!
***
عامر غاب لأيام، ثم عاد متهللا، وقال بثقة:
-
أين الكرة؟!
هرعت إليه، وقلت:
-
هل فعلتها؟
-
طبعا..
أين الكرة؟
قلت:
-
هات القربانه أولا
واخرج وانتظرني عند أول الشارع حتى لا يلحظ أبي شيئا.
قبلت القربانه ووضعتها بين ملابسي وأغلقت ضلفة دولابي جيدا.. سحبت الكرة من تحت السرير وخرجت دون أن يشعر بي أحد، وعدت بدونها.
كل يوم أفتح دولابي وأُخرج القربانه وأضعها أمامي وأتخيل زهرة وهي تصنعها بيديها، فيهتز الشجر الذي نبت بقلبي وأسمع حفيف أوراقه.
مرت أيام..
صحوت على صوت أمي تصيح وتسأل بغضب عمن وضع القربانه في دولابي حتى تعفنت.. أزاحتها وألقتها على الأرض، ثم كنستها.
بينما كان شيء صغير يتحطم في قلبي..

أحمد طوسون


اختيرت القصة ضمن قصص لأصوات شابة تنشر فى مجلة العربي
 بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية سبتمبر 2009.

شكرا للكاتب الصديق الذي لبي دعوتنا له للمشاركة فى المدونة
لوجه الله ولمصر