الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2011

مسلم أم قبطي أم إنسان؟

علاء الأسواني
المصري اليوم 4 أكتوبر 2011
هل تعتبر نفسك فى المقام الأول مسلما أم مسيحيا أم إنسانا.؟!. هل تعتبر انتماءك أولا إلى دينك أم أن انتماءك إلى الإنسانية يسبق أى انتماء آخر.. إن إجابة هذا السؤال سوف تحدد رؤيتك للعالم وتعاملك مع الآخرين. فلو أنك تعتبر نفسك إنسانا قبل أى اعتبار آخر فإنك قطعا سوف تحترم حقوق الآخرين بغض النظر عن أديانهم. إن الفهم الصحيح للدين سيجعلك بالضرورة أكثر انتماءً للإنسانية لأن الدين فى جوهره دفاع عن القيم الإنسانية: العدل والحرية والمساواة.. أما لو اعتبرت أن انتماءك للدين يسبق انتماءك للإنسانية فقد بدأت طريقا خطرا ستتورط آخره غالبا فى التعصب والعنف.. الدين بطبيعته ليس وجهة نظر وإنما هو اعتقاد حصرى لا يفترض صحة الأديان الأخرى. يبدأ الأمر بأن يؤمن الانسان بأن دينه هو الوحيد الصحيح أما أتباع الأديان الأخرى فهم فى نظره ضالون لأن أديانهم مزيفة أو محرفة أو لم تنزل من السماء أساسا.. هذا الاحتقار للأديان الأخرى سيؤدى بك بالضرورة إلى التقليل من شأن أتباعها. فإذا كان المختلفون عنك دينيا يؤمنون بأوهام وخزعبلات بينما أنت الوحيد الذى يؤمن بالدين الصحيح فلايمكن أن يتساوى هؤلاء الضالون معك فى الحقوق الإنسانية.. شيئا فشيئا سيؤدى بك هذا التفكير إلى نزع الطابع الإنسانى عن المختلفين معك فى الدين.. dehumanizatio
سوف تفكر فى أصحاب الأديان الأخرى بشكل جمعى وليس بطريقة فردية. إذا كنت مسلما لن ترى جارك القبطى باعتباره إنسانا له وجود مستقل وسلوك شخصى وإنما ستعتبره واحدا من الأقباط، وسوف تعتبر أن الأقباط عموما لهم سلوك وطباع معينة تميزهم، عندئذ سوف تقطع خطوة أخرى نحو الكراهية فتقول جملا من نوع:
- هؤلاء الأقباط خبثاء ومتعصبون.. أنا لا أحبهم.
وقد تبلغ بك كراهية أصحاب الديانات الأخرى إلى درجة التقزز، فهم فى نظرك، بالإضافة إلى كونهم كفارا، غارقون فى النجاسة لأنهم لا يتطهرون بنفس طريقتك من الجنابة، وقد تلاحظ إذا اقتربت من أحدهم أن لهم رائحة مميزة ربما بسبب البخور الذين يستعملونه أو الطعام الذى يأكلونه.. عندما تصل إلى هذه الدرجة يا عزيزى القارئ فأنت للأسف شخص متعصب متطرف دينيا وأنت مرشح بقوة لارتكاب جرائم فى حق الآخرين لأنك فهمت الدين بطريقة خاطئة أدت بك إلى كراهية الآخرين واحتقارهم..السؤال هنا: كيف كان المصريون يمارسون تدينهم..؟!. الحق أن المصريين من أكثر الشعوب تدينا لكن تراثهم الحضارى جعلهم دائما يفهمون الدين على النحو الصحيح. لقد احترمت مصر دائما الأديان جميعا وكانت دائما مكانا آمنا متسعا للجميع فاستقبلت المهاجرين من كل الملل والأعراق.. أرمن وإيطاليين ويونانيين ويهود وبهائيين.. كما أن حضارة مصر أتاحت الحريات الشخصية إلى أقصى مدى.. فى مصر المتحضرة أنت الذى تحدد نمط حياتك. إذا أردت أن تذهب للصلاة اذهب وإذا أردت أن تذهب لترتكب المعاصى اذهب. أنت حر تماما لكنك أيضا وحدك مسؤول تماما عن أفعالك أمام الله والقانون. فى عام 1899 قدم الإمام العظيم محمد عبده القراءة المصرية للإسلام فخلص العقل المصرى مرة واحدة وإلى الأبد من التعصب والخزعبلات، وبالرغم من الاحتلال البريطانى انطلقت مصر لتكون رائدة فى كل مجال تقريبا.. ظل هذا الفهم المصرى المتسامح للإسلام مستقرا فى مصر حتى اندلعت حرب أكتوبر عام 1973 وبفضل تضحيات الشعبين المصرى والسورى ارتفع سعر النفط عدة مرات مما أعطى الدول الخليجية النفطية قوة اقتصادية غير مسبوقة. ولأن النظام السعودى يعتمد فى استقراره السياسى على تحالفه مع الشيوخ الوهابيين فقد تم إنفاق ملايين الدولارات من أجل نشر الفهم الوهابى للإسلام فى العالم كله. أضف إلى ذلك أن الأزمة الاقتصادية فى مصر قد أجبرت ملايين المصريين على الهجرة للعمل فى السعودية فعادوا مشبعين بالأفكار الوهابية الغريبة تماما عن المجتمع المصرى. القراءة الوهابية للإسلام، على العكس تماما من القراءة المصرية، مغلقة متشددة معادية للديمقراطية ظالمة للمرأة..الوهابية تحيل الدين غالبا إلى طقوس وإجراءات وتهتم بالشكل على حساب جوهر الدين.. المصرى يتعلم فى بلاد الوهابية أن شعر زوجته لو انكشف فى الشارع فلسوف تردعه فورا جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (المسؤولة عن فرض الأخلاق الحميدة بالقوة)، وفى نفس الوقت يدرك المصرى فى السعودية أن القوانين لا يمكن تطبيقها أبدا على الأمريكيين والأوروبيين والأمراء والكبراء وإنما تطبق القوانين بصرامة فقط على المصريين وبقية الجنسيات المستضعفة. المصرى هناك يتعلم أن التقاعس عن أداء الصلاة من الكبائر، ولكن فى نفس الوقت، أن يقوم الكفيل السعودى بإذلال المصريين ونهب حقوقهم المالية وإلقائهم فى السجن إذا طالبوا بحقوقهم.. فهذه مسألة أخرى بعيدة تماما عن الدين وفقا للمفهوم الوهابى. على مدى عقود انتشرت الأفكار الوهابية فى مصر وكان أخطر ما زرعته فى المجتمع المصرى كراهية الأقباط وتحقيرهم. ونعود إلى مجلة روزاليوسف العدد 4327 لنقرأ موضوعا للأستاذ عصام عبدالجواد استعرض فيه تصريحات شيوخ السلفيين الوهابيين عن الأقباط.. فالشيخ سعيد عبدالعظيم يقول:
«لا محبة ولا صداقة مع النصارى ولا يجوز اتخاذ أولياء منهم أوتهنئتهم بأعيادهم لأنهم يزدادون كفرا فى أعيادهم».. الشيخ أبوإسلام يقول: «يجب أن يتعقل المسيحيون لأن كل ما يؤمنون به مناف للحقيقة والعقل».. الشيخ ياسر البرهامى يؤكد أنه «لا يجوز للمسلم مشاركة الأقباط فى مناسباتهم الدينية لأنهم مشركون».. أما الشيخ أحمد فريد فيقول «لا يجوز للمسلم أن يواسى القبطى فى ميت له ولا يجوز أن يعشمه بشىء فى الآخرة فليس للقبطى فى الآخرة إلا نار جهنم».
هذه أمثلة لما يتردد كل يوم فى الخطب التى يلقيها مشايخ الوهابية فى المساجد والفضائيات السعودية، هذا الكلام إذا حدث فى أى دولة محترمة يعتبر جريمة تحريض على كراهية المواطنين والاعتداء عليهم لمجرد أنهم مختلفون فى الدين. لكن مشايخ الوهابية للأسف يسممون عقول المصريين ويملأون قلوبهم بالكراهية والتعصب بلا أدنى رادع من أخلاق أو قانون.. ماذا نتوقع من هؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة.؟!.. هنا يبدو ما حدث منذ أيام فى قرية الماريناب بإدفو فى محافظة أسوان مفهوما بل متوقعا.. فى قرية الماريناب توجد كنيسة مارجرجس التى يصلى فيها أقباط القرية منذ عام 1940 وقد تهدمت حوائطها مؤخرا بفعل القدم فقام المسؤولون عنها بإصدار تراخيص قانونية من أجل تجديدها.. إلى هنا والأمر طبيعى.. فجأة حدثت مشكلة: ظهرت مجموعة من السلفيين الوهابيين ليرفضوا ترميم الكنيسة وبدلا من أن تقوم السلطات بتنفيذ القانون وحماية الكنيسة.. عقد مسؤولون فى الشرطة والجيش مجلسا عرفيا قام فيه السلفيون بإملاء شروطهم على خادم الكنيسة حتى يقبلوا تجديدها، فاشترطوا أن تظل الكنيسة بدون ميكروفونات ولا قبب ولا صلبان.
السؤال هنا كيف تقوم كنيسة دون الصليب الذى هو رمز العقيدة المسيحية..؟ الإجابة أن هذه رغبة السلفيين التى وافق عليها المسؤولون فى الشرطة والجيش واضطر خادم الكنيسة إلى الموافقة عليها حتى يتمكن من ترميم كنيسته.. الغريب أن قبول خادم الكنيسة بهذه الشروط المجحفة لم ينقذ الكنيسة من السلفيين. ففى يوم الجمعة التالى قام خطيب الجامع الوهابى بتحريض المصلين ضد الكنيسة، وما إن انتهت الصلاة حتى انطلق المتعصبون وحاصروا الكنيسة ثم أحرقوها وهدموها تماما. وقد ارتكبوا جريمتهم على مدى ساعات لم تتدخل خلالها قوات الجيش أو الشرطة لحماية بيت من بيوت الله. أما السيد محافظ أسوان، وهو من فلول نظام مبارك، فقد اعتمد الطريقة القديمة فى إنكار المسؤولية فصرح بأنه لا توجد أصلا كنيسة فى القرية (أى أن كل ما حدث كان مجرد تهيؤات فى أذهان بعض الأقباط لا أكثر ولا أقل). إن جرائم الاعتداء على الكنائس تكررت بطريقة غريبة ومريبة فى مصر بعد الثورة فما حدث فى إدفو قد حدث من قبل فى الفيوم والإسماعيلية وإمبابة وعين شمس وأطفيح.. الأمر الذى يثير أكثر من سؤال:
أولا: إن المجلس العسكرى يقوم بمهام رئيس الجمهورية والبرلمان جميعا أثناء الفترة الانتقالية، وبالتالى فهو وحده المسؤول عن إدارة البلاد، لماذا يتعامل أفراد الشرطة العسكرية مع المتظاهرين بقسوة فيضربونهم ويعذبونهم ويهينون آدميتهم بينما يكتفى أفراد الشرطة العسكرية بالتفرج على السلفيين وهم يحرقون الكنائس والأضرحة ويقطعون أذن مواطن قبطى ويقطعون خط قطار الصعيد لمدة عشرة أيام كما حدث فى قنا.؟!. لماذا تتحول قبضة الشرطة العسكرية القاسية إلى قفاز من حرير عندما تتعامل مع السلفيين..؟.. لماذا يجلس ممثلو الجيش والشرطة مع السلفيين للتفاوض ويخضعون لشروطهم وكأنهم يمثلون دولة أخرى أقوى من مصر..؟! ما الصفة القانونية للأخوة السلفيين التى تمكنهم من تفتيش الكنائس والسماح ببنائها بشروطهم أو منعها وهدمها أو حتى إحراقها إذا أرادوا..؟.. هل يتمتع السلفيون بحظوة سياسية معينة عند المجلس العسكرى أم أن حوادث الانفلات الأمنى والعنف الطائفى تحقق مصلحة سياسية معينة للمجلس العسكرى لأنها تبرر بقاءه فى السلطة بذريعة الحفاظ على الأمن وحماية الأقباط من اعتداءات المتطرفين.؟!..
ثانيا: منذ القرن التاسع عشر ناضل الشعب المصرى على مدى عقود وقدم آلاف الشهداء من أجل هدفين: الاستقلال والدستور.. من أجل إنهاء الاحتلال الإنجليزى وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التى كانت أمل زعماء مصر جميعا، بدءا من سعد زغلول وحتى جمال عبدالناصر.. هؤلاء الزعماء لم يكونوا علمانيين معادين للإسلام كما يردد الوهابيون لكنهم كانوا من الثقافة والرقى الحضارى بحيث يدركون أن الدولة المدنية التى تساوى بين مواطنيها، بغض النظر عن أديانهم، هى الطريق الوحيد للتقدم. إن أى محاولة لتغيير التركيبة المدنية للدولة ستؤدى بمصر إلى كارثة حقيقية.. فإذا كان الوهابيون لا يطيقون وجود كنيسة وهم مجرد أفراد فماذا سيفعلون بنا، مسلمين وأقباطا، إذا تولوا السلطة فى مصر..؟!..
إن الإسلام إذا أحسنا فهمه يجعلنا أكثر إنسانية وتسامحا واحتراما لعقائد الآخرين، أما تحقير الأقباط والاعتداء عليهم فهما من الجرائم المشينة التى لا علاقة لها بأى دين.
الديمقراطية هى الحل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق