الخميس، 19 مايو، 2011

الطائفية وجع فى قلب مصر


حديث حول العنف الطائفي 
كتب د.محمد نور فرحات 
المصري اليوم 19 مايو 2011
ليس صحيحا ما يروج له البعض من أقاويل كاذبة تفترى على التاريخ بأن المسلمين والأقباط كانوا دائما يعيشون فى وطن واحد فى حالة وئام وانسجام يرفعون شعار وحدة الهلال مع الصليب، وليس صحيحا أن خلافاتهم الطائفية الدينية التى نشهدها اليوم هى من الأمور العارضة على التاريخ المصرى، التى يجب أن نتجاوزها لنعود إلى حالة السلام والحب والوفاق التى ورثناها عن أجدادنا وورثها أجدادنا عن أجدادهم وإن علوا. الصحيح أن أحداث العنف الطائفى يزخر بها تاريخنا الاجتماعى المصرى والعربى تطفو على السطح وتفرض نفسها على واقع المصريين فى سياقات ثقافية واجتماعية معينة فى ظل ضعف أو تواطؤ السلطة العامة، وتختفى فى سياقات تاريخية واجتماعية أخرى يتسم فيها البناء الاجتماعى بالنضج والرشد. تتميز السلطة العامة بإدراك واحترام مسؤوليتها عن تنفيذ القانون. فالتعامل مع الظاهرة الطائفية لا يكون بإنكارها باعتبارها شذوذا على حركة التاريخ وإنما بالتعامل مع أسبابها بما يمكننا من استئصالها من واقعنا بكل ما تخلفه من آثار وما تحمله من ظلال كئيبة. 
فى القرن الرابع الهجرى، أى منذ ما يزيد على ألف عام، كتب الشاعر الفيلسوف العربى الأشهر أبوالعلاء المعرى يقول عن التنابذ الطائفى فى الشام. فى اللاذقية ضجة. ما بين أحمد والمسيح- هذا بناقوس يدق- وذا بمئذنة يصيح. كل يعظم دينه. ياليت شعرى ما الصحيح؟
ويحدثنا المقريزى فى كتابه. المواعظ والاعتبار «عن أحداث طائفية حدثت فى مصر بعد ذلك بحوالى قرنين من الزمان عام ٧٢١، وهى المعروفة بأحداث كنيسة الزهرى فيقول. إلى إن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول من هذه السنة وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، تجمع عدد من الغوغاء بغير مرسوم السلطان وقالوا بصوت عال الله اكبر. وامتدت أيديهم نحو كنيسة الزهرى وهدموها حتى بقيت كوما وقتلوا كل من كان من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها، وهدموا كنيسة مارمينا التى كانت بالحمراء، وتسلق العامة إلى أعلاها، وفتحوا أبوابها وأخذوا منها مالا وقماشا وخربوا واهلكوا كل ما فيها، فكان أمرا مهولا» ويستطرد المقريزى كذلك فى حديثه عن العنف الذى مارسه الأقباط ضد المسلمين بهدم مساجدهم ثأراً لهدم الكنائس.
وفرضت المسألة الطائفية نفسها على الواقع المصرى بإيعاز من الاحتلال الفرنسى إبان حملة نابليون بونابرت على مصر عام ١٧٩٨ فكون نابليون جيشا من الأقباط لمناصرته برئاسة الجنرال يعقوب، ثم بإيعاز من الاحتلال البريطانى الذى كان من أولويات أجندته المعلنة حماية الأقليات. ثم عقد المؤتمر القبطى سنة ١٩١١ الذى أعقبه المؤتمر المصرى بعد عدة شهور.
وخفتت حدة المسألة الطائفية مع قوة ساعد الحركة الوطنية بثورة ١٩١٩ وسمعنا عن وحدة الهلال مع الصليب كما استمعنا إلى مكرم عبيد باشا وهو يعلن أنه مسيحى الديانة مسلم الحضارة. وتلاشت تقريبا مع ثورة ١٩٥٢ والمشروع النهضوى لعبدالناصر، إلى أن عادت مرة أخرى وبحدة فى عصر الرئيس السادات الذى مزج بين الدين والسياسة وسعى إلى تسييس الدين وتديين السياسة لأسباب أدخل فى باب المناورة على كرسى الحكم منها فى باب الحرص على مصلحة الوطن أو الدين. وشهد هذا العصر العديد من التحرشات الطائفية أبرزها فى حوادث الخانكة وفى الزاوية الحمراء، ثم اشتدت حدة المسألة الطائفية فى عصر مبارك الذى شهد عنفا غير مسبوق من جماعات الإسلام السياسى موجهاً ضد رموز الدولة وضد اقتصادها ممثلا فى السياحة وضد المثقفين الليبراليين وضد الأقباط.
اليوم وبعد سقوط نظام مبارك وبعد نجاح ثورة يناير الديمقراطية فى الإطاحة بهذا النظام المستبد، تتصاعد- وياللدهشة والغرابة- حدة العنف الطائفى الموجه ضد الأقباط وكنائسهم وإن تبدلت مواقع الجناة. فبدلا من الغوغاء الذين تحدث عنهم المقريزى والحرافيش والزعر الذين تحدث عنهم ابن إياس والجبرتى حلت جماعات الاسلام السياسى العنيفة فى عصرى السادات ومبارك وجماعات السلفيين والبلطجية بعد سقوط مبارك. احتلت هذه الجماعات صدارة مشهد العنف الطائفى فى مصر.
ما هى الدروس التى نستقيها من هذا السرد التاريخى المتعجل لقصة الأحداث الطائفية فى مصر. هل من هذه الدروس أن نردد القول الساذج بأن علاقة المسلمين بالأقباط هى علاقة وئام وأن الإسلام يأمر أتباعه بحماية النصارى، وأن المسيحية تدعو أتباعها أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم ويحسنوا إلى الذين أساءوا إليهم. هذا لغو فى مجال الجد وهروب من محاولة فهم ظاهرة تهدد مستقبل الدولة المصرية بأكملها. الدروس التى نستفيدها من هذا العرض التاريخى هى كما يلى.
أولا: إن الأطراف الفاعلة فى مشهد العنف الطائفى لا تتمثل فى الشرائح الاجتماعية المصرية المنتجة للإنتاج المادى أو الفكرى. ليسوا هم العمال أو الفلاحين أو المثقفين والأدباء والفنانين على اختلاف توجهاتهم ورؤيتهم. بل هى جماعات تقع على هامش الجسد الاجتماعى النابض. جماعات الغوغاء أو الجعيدية والزعر والحرافيش فى العصر العثمانى أو البلطجية. وهى لفظة تركية تعنى حاملى البلط من الخارجين على القانون. والدهماء فى عصرنا وهم ممن لا فكر لهم، ويتدثرون برداء الثقافة الدينية طلبا للعصبية والمكانة الاجتماعية والدور المفتقد. حقيقة قد تلعب بعض جماعات الساسة والمثقفين ذوى المرجعية الدينية من الطرفين دورها فى ازكاء ثقافة التمييز والكراهية الطائفية، ولكنها جماعات لا تمارس بنفسها أفعال العنف الطائفى بل تترك ذلك لمن اصطلح على تسميتهم الرعاع والدهماء.
المشكلة أن ثلاثين عاما من حكم مبارك بما اشتملت عليه من سياسات متعمدة لإفقار الجماهير وتسطيح الفكر وإزكاء الشعور الدينى الطائش قد أدت إلى اتساع شريحة الرعاع والدهماء هذه اتساعا لا نظير له فى التاريخ الاجتماعى المصرى. هذه الشريحة الاجتماعية الجاهلة المتهورة فى انفعالاتها المتدينة تدين المتنطعين الذين يوغلون فى الدين بعنف. يحفظون من الدين قشوره دون معناه وروحه وجوهره، هذه الشريحة قوامها ولحمتها ونسيجها هم من سكان القبور والعشوائيات والأحياء الفقيرة وجماعات العاطلين المتبرمين على المجتمع ومن فيه، وهم يعدون فى مصر بالملايين من الفقراء والمعدمين والمهمشين الذين يثورون، لأن امرأة تنصرت أو أسلمت أكثر من ثورتهم فى وجه حاكم مستبد يمارس ضدهم التعذيب والتجويع وإهدار الكرامة.
هذه الملايين لا تحمل فى عقولها أو أفئدتها أى قدر من الثقافة المصرية التقليدية المتسامحة الساخرة الفكهة الصابرة، بل إن ثقافتها هى ثقافة الغضب والعنف والقسوة والفظاظة والغلظة فى التعامل. هذه الملايين ولأن الوطن قد قسا عليها فى عيشها فقد رمته وراء ظهرها وأصبح الدين، وفقا لمفهومها، هى عن الدين، بتراثه الفظ الفج لا بتراثه السمح المتسامح، أصبح هو مرجعيتها الثقافية. وهكذا أصبح الجلباب القصير واللحية الممتدة والشارب المحفوف والوجه المتجهم وعلامة الصلاة المنقوشة نقشا وترديد أحاديث كثيرها موضوع، أصبح كل هذا هو الزاد الشكلى والموضوعى لجماعات تخلت عن حضارة المصريين المتدينة السمحة وعن تراث الإسلام الذى يتسع لقبول المخالفين فى الرأى وتوقيرهم واحترامهم. لقد أصبح التدين الشكلى المتجهم الذى يكره الآخر ويتحرش به هو المعادل الموضوعى لتعويض المكانة الاجتماعية والاقتصادية المهدرة.
ثانيا: هذه القاعدة الاجتماعية للعنف الطائفى كان من الممكن التعامل معها والحد من شرورها لو لم يكن يتم تغذيتها يوميا بواسطة الثقافة الدينية البدوية الوافدة إلينا عبر الصحراء من بلدان، أرقها كثيرا أن تقوم فى مصر ثورة تطالب بالحرية والديمقراطية. تلك الثقافة التى يتم نشرها عبر قنوات تليفزيونية تمول خليجيا. وأظن أن أصابع الإسلام البدوى الفج ليست بعيدة عما يجرى فى مصر الآن. وقد تتحد مصالحه مع مصالح عدونا التاريخى إسرائيل التى أرقها كثيرا أن تنحو الدبلوماسية المصرية منحى يعيد النظر فى ثوابت التبعية التى استقرت عليها الدبلوماسية المصرية عقودا من الزمان.
لقد زلزلت الثورة ثوابت عصر مبارك بأكملها، فحلت قيم الحرية والحداثة محل قيم الاستبداد والفساد والاستعلاء والتجبر، وحلت قيم الاستقلال الوطنى محل عادة الائتمار بأوامر السادة الإسرائيليين ومن شايعهم، إنها ثورة تنذر بكثير من المخاطر على مصالح خارجية تجذرت لعقود فى السياسة المصرية. لذا كان لا بد من العمل على زلزلة الأرض تحت أقدام الثورة بتوجهها الجديد، والبديل الجاهز لزلزلة الثورة بل وتقويضها هو إحياء العنف الطائفى، والقوى الاجتماعية لممارسة هذا العنف جاهزة فعلا ومستعدة متأهبة فى أزقة مصر وحواريها ومدنها الفقيرة وما أسهل إشعال نيرانها بعود ثقاب طائفى، بإطلاق شائعة عن امرأة تنصرت أو أخرى أسلمت أو ثالثة أحبت شخصا مختلفا عنها فى الدين وهربت معه من منزلها وهلم جرا من أمثلة استنفار الثقافات المنحطة بروايات منحطة تنفر لها عروق مشايخ وقساوسة الفضائيات الأكثر انحطاطا.
ثالثا: هذه القاعدة الاجتماعية الفقيرة فى مالها وفى عقلها وفى فكرها وفى دينها وفى عيشها، كانت هى بمثابة جيوش الظلام التى تخرج دائما للدفاع بالروح والدم عن مصالح أولياء نعمتها. وأول أولياء نعمتها هم رموز النظام السابق من رجالات الحزب الوطنى المنهار ورجالات أمن الدولة. كانت هذه البروليتاريا الرثة هى الجيوش الجلفة الفظة الجائعة التى أطلقها رجال النظام السابق وأجنحته السياسية والأمنية كالوحوش الكاسرة لتزوير وتشويه الانتخابات البرلمانية. وهى نفسها القوى الجاهزة لأن تتلقى لفافات الطعام وبعض أكياس الفاكهة وأوراق النقود مقابل أن يتم حشدها للإدلاء بأصواتها للقوى المحافظة على الساحة السياسية المصرية، وهى نفسها أيضا القوى الجاهزة لممارسة العنف الطائفى وغير الطائفى عندما تصدر لها أوامر بذلك.
رابعا: هذه القاعدة الاجتماعية للعنف والطائفية والقهر والتزوير هى النقيض المقابل والمعادى والمناهض للقاعدة الاجتماعية لثورة يناير. لقد قامت ثورة يناير على أكتاف وبعقول شباب مثقف واع بقيم الحداثة نجح فى حشد جماهير المصريين العاملين من عمال وفلاحين ومهنيين وفقراء وأغنياء ومتوسطى الحال لإسقاط نظام أظلم حياة الجميع بفساده واستبداده. هؤلاء هم المتظاهرون من أجل العدالة والحرية والكرامة وإسقاط النظام الفاسد المستبد، الذين لم يفرقوا بين مسلم وقبطى أو بين رجل وامرأة.
أما الغوغاء والدهماء الذين يدفعون ويدفع لهم لممارسة العنف الطائفى وإن طالت لحاهم، فهم نقيض قوى الثورة الحقيقية، إنهم فرسان وحمير وبغال موقعة الجمل، ومقاتلو معارك تنقيب النساء وقطع الآذان والهجوم على الكنائس. قوى الثورة هى قوى الديمقراطية والاستنارة، وقوى إجهاض الثورة هى القوى التى تعمل فى خدمة مصالح النظام البائد مدعومة بقوى التخلف الدينى والتعصب الطائفى وإشاعة ثقافة التمييز. هكذا الأمر بوضوح شديد.
خامساً: ورغم كل ذلك، كان من الممكن التحكم فى جيوش الجهل والفوضى والتعصب لو أننا تعاملنا معها بحزم وسيف القانون دون تأجيل أو إبطاء. لدينا نصوص فى قانون العقوبات تعاقب بالإعدام على ممارسة العنف المنظم ضد طوائف من الناس. ولدينا حالة طوارئ معلنه تستخدم سلطاتها ضد المتظاهرين الذين يرفعون مطالب سياسية أو فئوية ولا تستخدم ضد من يقوضون أركان بنيان الوطن بالعنف الطائفى. ولدينا أوامر عسكرية لمكافحة البلطجة. ولدينا نصوص موضوعية وإجرائية لمكافحة الإرهاب.
 ولكننا بكل أسف وغرابة نواجه مؤامرة أخرى من أجهزة إنفاذ القانون. القانون يتم الدوس عليه بالأقدام كل يوم وساعة ولحظة فى الشارع المصرى دون أن يجد من يرد له اعتباره. لمن يريد أن يمارس البلطجة أن يمارسها اليوم فى مأمن.
ولمن يريد أن يقطع الطريق أن يقطعه اليوم فى مأمن. وليس من خطر يحيق بمن ينتهك حرمات وأموال وأعراض الآخرين. ولمن لا يروقه قضاء المحاكم أن يهدم منصة القضاء على رؤوس القضاة والمتقاضين.
هذا هو حال القانون والشرعية فى مصر اليوم. والمسؤولون عن تنفيذ القانون يجلسون قاعدين متسامرين متفكهين متندرين على ما وصل إليه حالنا. وأصبحنا دولة بها نصوص صارمة للقانون وجهاز رخو عاجز عن تنفيذ القانون. هل يأبى رجال الشرطة عندنا أن ينفذوا القانون إلا إذا أهانونا وصفعونا على وجوهنا وعذبونا دون أن يحق لنا أن نجأر بالشكوى أو أن نطالبهم باحترام القانون والمواطن معا. إذا كانوا كذلك فلتتم محاسبتهم، وليتركوا عملهم إلى حيث يريدون ويستطيع المصريون أن يقيموا لأنفسهم جهازا وطنيا حرا يحفظ لهم أمنهم وكرامتهم معا، المهم أن نبدأ الآن.
سادساً: هل علينا أن ننتظر حتى نجفف منابع القوى الاجتماعية الجاهلة التى يستخدمها المتآمرون على تعدد أطيافهم لممارسة الإرهاب والعنف الطائفى. هل علينا أن ننتظر حتى نعيد غرس ثقافة التسامح والتعايش وتفهم الحق فى الاختلاف؟ بالطبع لا وإلا كان علينا أن ننتظر فى معاناة لهيب العنف والطائفية سنين عددا. لنبدأ الآن وفورا فى تنفيذ حكم القانون بكل ردع وحزم. تلك هى روح ثورة يناير. من قتل يقتل. ومن نهب أو سرق أو روع لابد أن ينزل عليه حكم القانون فوراً. ولا مصالحة فى حق الوطن فى الأمن والطمأنينة. ومن تقاعس عن واجبه فى إقرار الأمن فهو شريك فى الجريمة يتحمل وزرها مثل فاعلها.
ولا تسامح مطلقا مع محاولات بعض الدوائر الكنسية أن تقيم من نفسها دولة فوق القانون. لا تسامح مع امتناع هذه الدوائر عن تنفيذ أحكام القضاء، أو مع اتخاذ الأديرة والكنائس سجونا تحبس فيها نساء رأين لأسباب دنيوية مغادرة المسيحية إلى الإسلام، حتى لو كانت هذه المغادرة غير خالصة لوجه الله والحرية، فنحن مجتمع لا تحكمه قرارات القساوسة أو جماعات أهل السلف. بل مجتمع يحب أن تحكمه قواعد قانونية تنفذها الدولة فى ظل احترام الحريات وحقوق الإنسان وأولها حرية المعتقد الدينى.
تلك هى الروح الحقيقية لثورة يناير ولا بد من الولاء لها وإلا فالطوفان قادم، وتفتت المجتمع المصرى قادم، وشبح الحرب الأهلية الدينية يخيم على الوطن الذى قامت فيه ثورة الحرية، وهذا بالضبط ما يريده من أطاحت بمصالحهم أول ثورة ديمقراطية فى التاريخ المصرى والعربى الحديث والوسيط والقديم، يريدون أن يهدموا الوطن على رؤوس أصحابه، فوسط أنقاض الوطن تمرح خفافيش الفساد. فهل نمكنهم من ذلك ونحن قاعدون؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق