الاثنين، 7 مارس، 2011

استراتيجية الانتقال فى لحظات الحيرة الثورية

عبده برماوي
 
لقد فشلوا فى قتل ثورتنا بقوتهم، لكنهم قد ينجحوا - لا قدر الله - بالحيلة وبث الخوف وعدم الثقة فى النفوس. ولا مخرج من هذه الورطة سوى باستراتيجية واضحة للانتقال الثورى، تكون فيها الغايات أكثر وضوحا فى توجيهها للسلوك من الرغبات فى الانتقام التى باتت تسيطر على عقول البعض من الثوار. ودون النزوع لتبرير الأخطاء، اردد ما يعرفه القاصى والدانى من أن الفساد فى العقود الطوال التى حكم فيها مبارك قد بلغ مستويات غير مسبوقه،  حتى تلوث به الكثيرون. أى أننا اليوم نقف أمام قطاع عريض من الناس اقتربوا من دوائر القرار والإدارة خلال عصر مبارك، وكانوا جزء من شبكة عريضة استخدمتها عصابة الحكم لتسهيل نهشها لموارد البلاد. كانت "سياسة تعميم الفساد" فى دوائر السلطة والحكم والقرار هى السبيل المعتمد والقانون المهيمن لنظام مبارك الذى ضمن وصول الجزء الأكبر من نواتج الفساد لهذه العصابة . وهذا القطاع العريض من المصريين المتعاونين كانوا على شقين، فيهم الطامعين فى التحصيل السهل لفتات فساد الكبار ممن يخدمونهم، واستمرأوا إياه باعتباره القانون الواضح لتوزيع الثروة فى البلاد، وفيهم المضطرين المغلوبين ممن يعملون فى مؤسسات يعلمون يقينا أن وجودهم في مستوياتها العليا متوقف على ابداء ولاء واضح لمبارك، وقبول بقانونه. هذا القطاع العريض ممن تلوثوا، يضعنا أمام تحدى آنى يجب النظر فيه بحكمة. 

المتحمسين يرون مدخل التطهير الكامل والشامل والآنى حلاً ثورياً، وهو فهم ملتبس للثورة فى ظنى ومدخل - رغم إثارته الثورية وتوقع سرعة انجازه لهدف ابعاد عناصر الفساد- ينطوى فى ظنى على مخاطر تهدد اكتمال الثورة ذاتها.

نعم وبحسم أقول التطهير مهم، لكن وبحسم أيضا أقول أن التطهير عملية دقيقة، تعوزها استراتيجية اخرى غير المتبعة حاليا من الهجوم على القيادات، والتجريس بالشبهة، وبلا دليل قاطع، وممارسة العنف ضد كل من يقف فى مستويات قيادية، والسعى لابعادهم. هذه استراتيجية عاطفية نزقة لا تصلح لاحداث التغيير الثورى، وتتجاهل ضرورة استعادة هيبة القانون وحكمه، كهدف من اهداف الثورة، يمايزها عما كان يجرى فى عصر مبارك. ويتجاهل هذا المدخل أيضاً ما اسلفت فى ذكره من حقائق ممارسة الفساد فى عصر مبارك، الذى كان يجرى عبر شبكات، وليس عبر فرد واحد، أو قلة معدودة. ولو سلمنا بحقيقة ضخامة عدد الموروطين فى هذا التنظيم الشبكى للفساد، فهل نقبل باتساع رقعة المواجهة مع من نحسبهم فاسدين فى كل مؤسسة. بهذا نضع أنفسنا أمام ما يشبه حرب باردة داخلية فى كل المؤسسات، مواجهات وبث لعدم الثقة ستعرقلها وربما تدمرها. وليس من الحكمة فى شئ أن نهدم المؤسسات وعلينا أن نفهم سنن التطهير والإصلاح ما بعد الثورة.

أكرر أنه لابد كهدف عام أن نعيد بناء المؤسسات بفرض نظم للرقابة ومكافحة الفساد، واعمال ادوات الرقابة الشعبية. وهذا هدف لا خلاف عليه. لكن لا تكفى استراتيجية الاحتجاج، ولا الاحالة للنيابة العامة لتنفيذه. إن قتل وحش الفساد، ومحو جرثومته، وايجاد ضمانات لعدم عودة الفساد باسماء ووجوه اخرى، يقتضى منا وضع عملية متكاملة - إن فهمنا الطابع الشبكى للفساد والآثار التى تولدت عن قوانين تعميم الفساد فى عصر مبارك - لتفكيك البنية التحتية للفساد، واعتماد آلية ثلاثية لكشف الحقيقة ورد الحقوق والتسامح.

لابد من استهداف رؤوس الفساد الكبيرة بالعقاب، بحسم وسرعة، باعتبارهم مسؤولون مباشرة عن تركيب وادارة وتحصيل عوائد شبكات الفساد. أما فى المستويات الأدنى (الشبكية) لابد من استراتيجية أكثر تعقداً، قوامها الفرز، ورد الحقوق والتوبة والعفو، بحيث يستفيد منها هذا القطاع الأعرض ممن مالئوا آليات الفساد فى العهد السابق، مضطرين او طامعين. وهذا النهج التصالحى من نتاجه التخلص من العناصر الابرز فى ممارسة الفساد، وإعادة تحصين من تلوثوا باثار فسادهم، واستعادة مفهوم حكم القانون داخل المؤسسات وتقوية بنائه. . 

هذا المدخل لا يحافظ فقط على القوى البشرية القيادية للمؤسسات، بل يتيح أيضاَ فرصاً للتوبة والتحول الإيجابى، وهى نافذة لا يجب على ثورة قوية غلقها، اغترارا بأوهام الطهر الثورى وقوة الجماهير. ولعل التوعية فى هذا الأمر من الأهمية والضرورة، انطلاقاً من أن الحفاظ على المؤسسات فى مرحلة تحول يجب أى رغبة - قد تثير عواطف الجماهير - فى الانتقام، ولابد من الابتعاد عنه لصالح مفهوم الاصلاح واعادة الدفة المؤسسية وتوجيهها الوجهة الثورية الصحيحة

لن يمكننا إعادة الثقة فى المؤسسات وطى صفحة عصر مبارك بغير هذه الروح، وفهم أولوية وجود منظومة بها توافق على الأهداف الثورية لانجاز التغيير الذى نتوخاه. أخشى اننا فى حمى الهدم لنظام مبارك، نهدر بأيدينا اللبنات الجيدة ذاتها التى يمكننا أن ندمجها فى البناء الجديد. ودعونى أقولها بصراحة، إن كل قول بأننا يجب أن نبدأ "على نظيف" هو قول مثالى وغير واقعى، ومن مخاطره مد أمد التغيير بما يوقعنا فى حالة من الملل وفقدان الناس لإيمانهم بضرورة الثورة. إن إدارة التغيير الانتقالى فن ينجح فيه من يتمتعون بحساسية الحركة، وبفهم متعمق لسيكولوجية الناس فى لحظة العبور نحو الجديد. لابد من تمتعنا بهذه القدرة على التواصل مع الناس والحفاظ على معدل الايمان الثورى عند معدلاته حتى لا تجهض الثورة من داخلها.

مثال تطبيقى مهم

ودعونا نناقش هنا مثالاً واضحاً وحاراً ربما يستجلى الفكرة ويرشد لآلية مقترحة.

لا يمكننا انكار ان التحدى الأكبر الآن هو استعادة مؤسسات القانون لتكون سنداً للثورة، وأمامنا هنا جهاز الشرطة، وما يمثله قعوده وخوفه، وتملك الشعور بعدم الثقة فى الذات وفى الجماهير من الكثيرين من أفراده من تحدى سيكون من نواتجه فقدان الأمن فى كل مكان.

وهو جهاز نعلم يقينا أن بداخله عناصر أدارت آلية القهر والفساد فى هذا البلد ولا مناص من استئصال شأفتها وتطهير المؤسسة الشرطية منها. وهذا لن يتم باحتجاجات وممارسة العداء مع أفراد الشرطة، ممن نحتاج لجهد الشرفاء منهم الآن لتقليل هواجس الخوف وعدم الشعور بالأمان فى هذا البلد.

ولا يخفى على أعمى، أن عناصر الفساد (وهم منطلقين فى حالة سعار يحاربون معركتهم الأخيرة وهم يرون ركام ما نهبوه يضيع من بين أيديهم) يراهنون الآن على تمرد شرطى كبير لصالحهم، يظنونه يعيد إليهم المجد التالد، منطلقين من إيمان بأن أحلام الحرية التى يحملها الثوار ستسقط حتما تحت واقع الخوف والافتقاد للأمان. وخير سبيل لمواجهة هذه الأوهام التى تغذيهم، أن نستعيد سريعا المؤسسة الشرطية، ونقول لهم أنها لن تكون خصما من الثورة، بل هى جزء من حماتها، مثلها مثل الجيش، وتحدى الزمن هنا عامل حاسم، ولابد ألا نتباطأ

الباب الذى اقترحه هنا هنا لاحداث هذا التوازن بين الرغبة فى تطهير جهاز الشرطة، واستعادة دوره المؤسسى، هو قيام المجلس العسكرى سريعا بتشكيل لجنة/لجان للحقيقة والمصالحة فى هذه المؤسسة (تضم قيادات شرطية نزيهة حالية وسابقة، وحقوقيون، وقضاة متفرغون وممثلين لشباب الثوار، ومتخصصون). لجان يمنحها المجتمع ثقته، ويبعدها عن التأثر بموجات الرأى العام غير المستقرة، وتكون مهمتها هى فرز الوثائق التى تكشف حجم الفساد والممارسات الاجرامية للنظام السابق، وتحدد من هم الموروطين فيها مباشرة، وتستبعد من لم يكن لهم يد فى حدوثها او اجبروا على الانخراط فيها تحت وطأة الطابع القهرى والاستبدادى لبناء هذه المؤسسة، وتعيد إليهم الثقة.

وهى فى أعمالها تضرب إطارا من السرية على مداولاتها ثم تفضه وتكشفه فور تمام التحقيق وثبوت الادانة بحق المتورطين. ويوازى عملها عملية بناء مؤسسى قوية، على مستوى البنية والهياكل وقواعد العمل المهنية، وتفعيل الالزام القانونى، والتخطيط الجيد، وإعادة التأهيل للافراد، وتقييمهم وفق معايير مهنية تستلهم قيم الثورة وحكم القانون، وبهذا تلم شتات المؤسسة، ونزرع الثقة الشعبية فيها مرة أخرى عبر برامج تواصل بين المجتمع والشرطة، تقوم على التعاون فى استعادة النظام وهيبة القانون فى الشوارع، والأحياء والمؤسسات، لصالح المواطن، وللقضاء على فلول البلطجية والمجرمين والخارجين على القانون ممن ترعرعوا فى عهد النظام السابق

..............................
عود على بدء

ما أثارنى لكتابة هذا المقال هو ما أشارت إليه وثائق أمن الدولة المنشورة بوضوح من تركيبة شبكية معقدة للفساد، وكيف تبنى نظام مبارك عبر أجهزة القهر والتحكم آليات قسرية لمراقبة المجتمع، والتأثير فى القرار ، واعتماده لآليات استبعاد واق...صاء عنيفة لغير المتعاونين. هل علينا الظن بإن كثيرين ممن نعتبرهم فاسدين، فى حكم المضطر، ولم يكونوا إلا ممالئين أو صامتين، فى صورة من صور القهر، توازى فى نواتجها القهر المباشر. كان هناك مستويات القرار مقهورون يا سادة. ولا يجب الاستمرار فى قهرهم، وباب التسامح معهم، وسياسة "عفا الله عما سلف" قد يكون من نواتجها أن نكسب زخما من البشر الجيدين - ممن لهم اخطاء يريدون التطهر منها - يرفدون المد الثورى المبتغى. ألستم معى فى انه من الخطأ غلق الأبواب أمام استعادة الكثيرين لدوائر التطهر الوطنى

أعلم ان هذا الطرح ينطوى على احتمال تسرب عناصر فاسدة دون محاكمة، واعلم فى الوقت ذاته ان نزعة الانتقام الواسعة قد تؤدى لأخذ أبرياء كثيرين بالشبهة. ولابد من ايجاد توازن بين هذا الاحتمال، وذاك. وليكن هادينا هو مصلحة مؤسساتنا وعافيتها. والتعامل لتنظيف هذه المؤسسات من الفساد عامل حسمه القوى هو أن نخلق داخل كل مؤسسة فصيل ثورى، مؤمن بالثورة، وقادر على الزام قيادات المؤسسات بمبادئها واهدافها. وهذا الامر ينطبق على الجيش وعلى القضاء وعلى الشرطة وعلى الاحزاب .. يدعم ذلك خط ثان من الرقابة الشعبية للثوار، التى يمكن تحويلها لمؤسسات مدنية (مثل مجالس الحكماء، وغيرها) للتأكد من صحة حركة المؤسسات..
 عبده برماوي
المصدر:  الفيس بوك 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق