الأربعاء، 12 يناير 2011

اهبطوا مصر.. لتصلحوا ما خرّبتم

عزت القمحاوي
المصري اليوم 11-1-2011
لن تنتهى قريبًا آثار جريمة الإسكندرية البشعة، لا على صعيد النظرة الدولية لمصر ولا على صعيد الحياة بداخلها، فى خط التحقيقات لكشف أبعاد الجريمة ودوافع مرتكبيها ومخططيها وطبيعة ارتباطاتهم، وعلى صعيد ما خلفته من توجس واستعداد للخوف فى الوجدان المصرى من كل سيارة متوقفة، وعلى صعيد الخلاف على طبيعة ما حدث، وكأنه خلاف على هدف فى مباراة!
سيدوم الخوف من التكرار بأطول مما تدوم الاحتفالات، وقد توقع قداسة البابا شنودة للملف نومًا بعد انتهائها، وحتى لو افترضنا جدلاً إمكانية استمرار حفلات الحداد المختلط بالأفراح، فإنها لن تحل شيئًا.
عطلة عيد الميلاد المجيد وترقيص صور مقدمى برامج «التوك شو» على شاشات القنوات المجمعة فى بث حى من الكاتدرائية ومشاركة المسلمين أعياد إخوتهم الأقباط وتذكير الطرفين بميراث التسامح كلها وقائع مبهجة، لكنها جميعها تأتى تتويجًا للوحدة الوطنية بعد تحقيقها، وليست هى التى ستحقق تلك الوحدة.
وحتى الدعوات العملية للعلاج، الأكثر جدوى وجدية من الاحتفالات مثل تحقيق المساواة فى تولى الوظائف وإقرار قانون موحد لبناء دور العبادة، والحذر من الخلط بين ما لقيصر وما لله عند سن القوانين ومنع التحرش المعمارى بين المساجد والكنائس ومنع بث المواد الدينية فى الأماكن التجارية الخاصة والعامة. كل هذه الدعوات التى يجمع عليها الكثير من الرموز الفكرية لن تحقق وحدها الحل، بل قد يدفع بعضها إلى مزيد من الاحتقان، بدعوى نصرة الدولة لإحدى الطائفتين أو الانصياع للضغوط الدولية، أو غير ذلك من الادعاءات الغبية.
والنظام- مهما قلنا عنه- يحافظ على توازنه حتى اليوم فوق ظهر الأسد الهائج، وهو يعرف كيف يتصرف ليستمر، ويعرف أن أكثر ما يطالب به أصحاب النوايا الطيبة يهدد وجوده وقد يفاقم المشكلات الوطنية نفسها.
الوحدة بين المسلمين والأقباط جزء من قوة أو ضعف البدن المصرى، ولا يمكن علاج الجرح الطائفى الممتلئ صديدًا من دون أن يتزامن ذلك بنهضة عامة تشعر المواطن المصرى بالعزة الوطنية والفخر بمصريته، وتجعله راضيًا عن الأداء السياسى داخليًا وخارجيًا مطمئنًا على كرامته ولقمته وكسوته وعلاجه.
ولن تتحقق الوحدة الوطنية طالما لم يستعد النظام- المتوازن بصعوبة الآن فوق ظهر الأسد- لدفع استحقاقات دولة مواطنة حقيقية يتساوى فيها المسلم والمسيحى، العامل ورجل الأعمال، الخفير واللواء.
ولن تتحقق وحدة كتلك دون دولة تقوم على انتخابات نزيهة تمثل الشارع المصرى وليست كاسحة لقواه بقوة التزوير.
ولن تتحقق دولة كتلك دون حكومة أمينة على الشعب أمينة بتحقيق وحدته، وليست حكومة تسبق الخارجين على القانون فى استئساد مؤسساتها على المواطنين وضرب أحكام القضاء عرض الحائط.
وستبقى كل الدعوات لإنقاذ الوحدة الوطنية جميلة وكلها وصفات معروفة، وسهلة التنفيذ إذا تحقق طلب وحيد يقترب من المعجزة، وهو هبوط سكان الماتريكس الحاكم من الفضاء الخيالى الذى يعيشون فيه إلى أرض مصر، ليصلحوا ما أفسدوا بسوء التدبير والتغول فى الاستئثار بالسلطة والثروة. وأول الحل أن يعترفوا بأن الجريمة الجبانة على بشاعتها لم تكن المحرك الوحيد للغضب، بل المحرك النهائى، بعد أن امتلأت الكأس. ولابد من دفع استحقاق مرحلة يريد فيها الشعب حياة أفضل من هذه، لأنه يستحقها، ولأنها ممكنة. وأول الواقعية أن تعيد السلطة النظر فى قائمة الاتهامات الخيالية التى ألصقتها بثمانية من العماليق فى مظاهرة شبرا، أتلفوا أسطولاً من السيارات واللوريات والرصيف!
ولابد أن للحكومة عيوناً بيننا، ولابد أنها عرفت الآن كم كانت مضحكة فى وقت الغضب بتوجيه الاتهامات لحفنة من النشطاء، وفى يدها أن تتراجع عن النكتة فى المحاكمة التى سيمثلون لها بعد غد.

الاثنين، 10 يناير 2011

Sufi Flamenco الشيخ أحمد التوني

Director:
Tony Gatlif

....
مزج بين موسيقى الفلامنكو الأسبانية والمديح الصوفي الإسلامي  
يشارك فيه سلطان المنشدين الشيخ/ أحمد التوني
القادم من صعيد مصر  

عاش الهلال مع الصليب


عمرو سليم
المصري اليوم

الطائفية.. حـدود مسئولية الحكومة والمجتمع

عمرو حمزاوي
الشروق 9-1-2011
هذه دعوة لنا كمواطنين بعدم إلقاء كامل المسئولية السياسية لتفجير كنيسة القديسين وما سبقه من أعمال عنف ضد الأقباط المصريين على الحكومة وأجهزتها التنفيذية والأمنية. ففى مثل هذه المقاربة تجاهل خطير لمسئولية المجتمع عن تصاعد التحريض الطائفى والتوترات الطائفية خلال الأعوام الأخيرة، وما أدى إليه من تحول البيئة المجتمعية فى مصر إلى بيئة قابلة جزئيا لأعمال العنف ضد الأقباط وغير ممانعة للتمييز ضدهم.

فقد تركنا كمجتمع، والمسئولية تقع هنا بالأساس على عاتق الأغلبية المسلمة، ساحات واسعة خاصة فى مجالات الدعوة الدينية والإعلام التقليدى والحديث لفعل خطابات التحريض الطائفى، وسمحنا لها أن تصيغ قناعات وتفضيلات قطاعات معتبرة من المسلمين المصريين على نحو باعد فى مرحلة أولى بين سياقات حياتهم اليومية وبين سياقات حياة الأقباط وصولا إلى الفصل شبه التام.

ثم وفى مرحلة ثانية، رتبت خطابات التحريض الطائفى هذه بين الكثيرين من المسلمين المصريين تبلور تفضيلا واضحا باتجاه قبول دعوات «مقاطعة الأقباط» والترويج لها (من شاكلة ما شاهدناه العام الماضى فى الإسكندرية وغيرها من المدن المصرية من حملات شعبية رفعت شعار «قاطعوا بضائع النصارى»)، بل وصمتا عدم الاعتراض على أعمال العنف التى ترتكب بحقهم أو التمييز المستمر ضدهم.

هل توقعت الأغلبية المسلمة من الأقباط المصريين، ومع التحريض الطائفى ضدهم ومع كل النواقص الخطيرة الواردة على حرياتهم الدينية وحقوقهم السياسية وأمنهم الشخصى، أن يصبروا صامتين ومحتسبين على معاناتهم دون امتعاض أو رد؟ وهل انتظرت الأغلبية المسلمة أن يمر تحريضها الطائفى دون خطاب طائفى معاكس بدأ فى التبلور بأوساط الأقباط وحرض ضد المسلمين أو «الضيوف المغتصبين» كما يشار إليهم بهذه الأوساط؟ وهل توقعنا كمجتمع أن يمر الانتقاص من المقدسات المسيحية من قبل أشباه الدعاة ومروجى خطابات التحريض دون انتقاص مضاد من المقدسات الإسلامية؟

المؤكد هو أن الأغلبية المسلمة قد فشلت فشلا ذريعا فى الاضطلاع بمهمتها المجتمعية فى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتجديد دماء قيم التنوع والتسامح والانفتاح على الآخر القبطى، وفى تحصين البيئة المجتمعية ضد التمييز وأعمال العنف الطائفى، التى باتت خلال الأعوام الأخيرة فى تصاعد مستمر. مثل هذا الوضع الداخلى الخطير لن يتغير للأفضل طالما داومنا نحن على قصر المسئولية عن تفجير كنيسة القديسين وغيره على الحكومة والأجهزة الرسمية وأعفينا المجتمع والأغلبية المسلمة من المسئولية.

كما أن مجرد توجيه أصابع الاتهام إلى الحكومة والدعوة بعمومية بالغة إلى الديمقراطية والإصلاح السياسى كحلول سحرية لكل أزماتنا بما فيها الطائفية، وهو ما ذهبت إليه معظم قوى المعارضة، يدلل على قصور فى الرؤية وخلل فى المقاربة لا يريان بسياقات المجتمع إلا السياسة ولا يلمحان فى خريطة الفاعلين المسئولين إلا الحكومة السلطوية العاجزة.

إلا أن هذه دعوة أيضا للحكومة، أو لنقل للعقلاء داخلها وحولها، للامتناع عن اختزال تفجير كنيسة القديسين إلى مؤامرة خارجية وعمل إرهابى نفذته عناصر إرهابية غير مصرية تجتهد الأجهزة الأمنية اليوم لإلقاء القبض عليها والحيلولة بينها وبين القيام بأعمال عنف جديدة.

فحتى وإن كان التفجير بالفعل من تنفيذ عناصر خارجية (وهو ما لم يتأكد إلى لحظة كتابة هذا المقال) ما كان له أن يحدث أو لغيره من أعمال العنف الطائفى أن تحدث لولا أن البيئة المجتمعية فى مصر، بل والبيئة القانونية والسياسية قابلة لحدوثه. وهنا الخيط الناظم فيما خص ذاك الجزء من المسئولية عن التحريض والعنف الطائفى، الذى تتحمله الحكومة والأجهزة الرسمية.

فالثابت هو أن الحكومة لم تتحرك خلال الأعوام الأخيرة للحد من التمييز القانونى ضد الأقباط والذى يطال حرياتهم الدينية (بناء دور العبادة وصيانتها)، كما أنها لم تقم الكثير للتعقب القضائى الفعال لمرتكبى أعمال العنف ضد الأقباط. كذلك قبلت الحكومة عملا، ودون مبادرات حقيقية للتغيير، تطور بيئة سياسية تتسم بتهميش خطير للأقباط فى المجالس التشريعية والأجهزة الإدارية والتنفيذية، وفى عدد النواب الأقباط المنتخبين بمجلس الشعب الجديد دليل بين على التهميش هذا. بل أن الحكومة وفى ظل محدودية فعلها الهادف إلى الحد من التمييز القانونى والتهميش السياسى للأقباط وغياب المبادرات الجادة، اختزلت التوترات الطائفية وأعمال العنف إلى مكونها الأمنى وحاولت بأدواتها الأمنية المعهودة السيطرة عليها، وكانت النتيجة فشلا ذريعا وتراكما للتمييز ضد الأقباط حولهم عملا إلى مواطنين من الدرجة الثانية.

المسئولية عن العنف الطائفى والتمييز ضد الأقباط هى إذا مسئولية مشتركة بين الأغلبية المسلمة والحكومة، ولن نستطيع القضاء على الأمرين إلا بفعل مباشر ومنظم من قبل الطرفين المجتمعى والحكومى.

على المدى القصير، يمكن للحكومة تغيير البيئة القانونية للأفضل من خلال إصدار قانون عادل وموحد لدور العبادة والتعقب القضائى السريع لمرتكبى أعمال العنف الطائفى، فلم يصدر إلى اليوم حكم قضائى نهائى واحد بشأن أعمال العنف هذه منذ كشح التسعينيات وإلى نجع حمادى مطلع 2010. على المدى القصير، يمكن للأغلبية المسلمة أو لنقل للقطاعات بداخلها التى مازالت محصنة ضد التحريض الطائفى القيام سريعا بمبادرات أهلية تنتصر للأقباط وأمنهم وحرياتهم الدينية.

أما على المدى الطويل، فينبغى على الحكومة التدبر فى السياسات والإجراءات التى لها إن طبقت الحد من التهميش السياسى للأقباط مثل إدخال الكوتا القبطية بالبرلمان والمجالس المحلية. على المدى الطويل أيضا، ليس لنا إلا أن نعول على قدرة الأغلبية المسلمة محاصرة خطابات التحريض الطائفى والابتعاد عنها بتجديد دماء التزامها التسامح والانفتاح على الآخر فى ظل مواطنة مدنية تضمن، نصا وواقعا، الحقوق المتساوية بغض النظر عن الانتماء الدينى. ولا يساورنى أدنى شك بأن الأغلبية المسلمة إن نجحت فى تجديد التزامها بالتسامح والمواطنة المدنية ستجد العدد الأكبر من الأقباط المصريين فى صفها ومعها وأمامها.

بلدنا بتتقدم بينا

دعاء العدل
المصري اليوم

الطائفيّة وتداعياتها


جوزيف مسعد
الأخبار اللبنانية - 8-1-2011 
لم يكن المشهد المروِّع للمذبحة في كنيسة الإسكندرية، والذي أعلن انتهاء السنة وإنهاء حياة الضحايا، صادماً للجميع في مصر والمنطقة فحسب، بل كان أيضاً مروِّعاً للبعض إلى درجة أنهم شرعوا بإعلان تنبؤاتهم حول ما ينذر به المستقبل من نهاية الوجود المسيحي في مصر والعالم العربي. لقد بات من الجلي أن الفزع والفجيعة اللذين يشعر بهما معظم الناس قد قادا البعض إلى التسرّع بإصدار سيناريوات مأسوية عن المستقبل القريب.
ولكنّ أفضل ما يجدر بنا القيام به في هذه الظروف الأليمة هو تقديم تحليلات عميقة لما يدور، لا تأخذ في الاعتبار الوضع الحالي والسابق في مصر وحسب، بل أيضاً السياق الأوسع لما يدور في المنطقة التي ارتكب فيها هذا الفعل العنيف. أمّا صبّ الزيت على نار الفزع والطائفية، فلن يقود إلا الى المزيد من العنف دون أن يحسّن من الوضع الأمني أو أن يحقق الأمن الأهليّ المنشود.
وعليه، فسوف أستهل تحليلي بتقديم نظرة تاريخية حول الأحداث التي تلت بزوغ العصر الحديث والذي دُشّن بالتدخّل الأوروبي في شؤون الإمبراطورية العثمانية تحت ذريعة حماية الطوائف غير المسلمة، والذي مثَّل سابقة تحضيرية للاستعمار الأوروبي الواسع النطاق، الذي تلاها في الولايات العربية العثمانية. وكما هو معروف، فقد كان هذا التدخل نذير شؤم على الطوائف المسيحية، إذ أدّى إلى اجتثاثهم التامّ من العاصمة العثمانية اسطنبول، بينما شرع آخرون من أبناء الولايات السورية والعراقية بالهجرة إلى الأميركيّتين مع نهاية القرن التاسع عشر وما زالوا يفعلون حتى يومنا هذا. لقد أدّى هذا التدخّل وما تبعه من تلاعب الاستعمار الفرنسي والبريطاني بالهويات الطائفية إلى عدد من حالات العنف الطائفي ضد المسيحيين العرب (وكذلك ضد اليهود العرب، وهو ما تمّ بمساعدة التدخّل الصهيوني اللاحق) بدرجات وأشكال لم تعرفها المنطقة قبل وصول «الحامي» الأوروبي، أكان ذلك بعد وصول الحامي الفرنسي إلى دمشق (حيث قام قس فرنسي بالتحريض ضد اليهود السوريين واتهامهم باستخدام دماء أطفال المسيحيين في طقوسهم الدينية عام 1840، والمذبحة التي استهدفت مسيحيي سوريا عام 1860)، أو بعد وصول الحامي البريطاني إلى بغداد (حيث ارتكبت مجزرة بحق الآشوريين العراقيين عام 1933، أعقبتها أخرى ضد يهود العراق عام 1941).
أما الكابوس الطائفي الذي عاشه لبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم ودور الفرنسيين والفاتيكان فيه، فيندرج في خانة خاصة به وحده. لم يعانِ مسيحيّو مصر من مثل هذه المجازر في العصر الحديث، وإن كانوا قد عانوا من أثر التلاعب الفرنسي (بدءاً بوصول نابليون) وبعده البريطاني بالطائفية القائمة أصلاً في البلاد آنذاك. بالطبع لا يمكننا أن نلقي بطائلة المسؤولية عن جميع ألوان التمييز الذي تقوم به أذرع الدولة المصرية المختلفة ضد المصريين المسيحيين على عاتق الاستعمار، فقيام نظام أنور السادات بتعزيز الكراهية الطائفية وتلاعبه الانتهازي بالإسلام خدمة للسياسات الإمبريالية، ودعمه لبعض المجموعات الإسلامية بحجة محاربة الخطر السوفياتي وأخطار شيوعية وقومية عربية أخرى، هو ما سهّل التهجم الطائفي على مسيحيّي مصر في عقد السبعينيات.
لقد مأسست سياسات السادات نزعة جديدة في الثقافة الشعبية المصرية، تواصل سيطرتها على معظم فئات المجتمع المدني، على المسلمين كما على المسيحيين. فبينما كان وجود الطائفية قائماً قبل حكم السادات، فإن سياساته المعادية للعرب والعروبة والحملة التي بدأها لإزالة صفة العروبة عن مصر عبر إخراج الأخيرة من المنظومة العربية بأكملها في أواخر السبعينيات وما تلاها، هو ما ساهم في تعزيز هذه النزعة الطائفية. فبينما كان معظم المصريين يعتبرون هويتهم جزءاً من هوية المنطقة، أدى إصرار السادات على محو عروبة المصريين وعلى التحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة إلى التجاء أغلبية مسلمي مصر إلى الإسلام كإطار هويّاتي جديد أوسع من حدود مصر. كما شجّع هذا التحوّل الهويّاتي مسيحيي مصر على الانكفاء في هوية محلية ضيقة ومتجذرة حصرياً داخل حدود مصر. ولكن العروبة كهوية غير عرقية وغير جوهرانية والتي تعرّف العربي على أنه أي شخص يتكلم اللغة العربية كلغته الأم، كانت قد نجحت في استدخال مسيحيي مصر بكل الترحيب تحت لوائها، على الرغم من أنها لم تكن التيار السياسي السائد بين أغلبية المثقفين المسيحيين المصريين. وقد أدى زخم التنصّل من العروبة الذي دفع به السادات وصعود الإسلاموية، المدعومة في أوائل الثمانينيات أميركياً (وسعودياً) والتي دعمت الجهود الإسلاموية لتَصدّر الحرب الأميركية على أفغانستان (والتي تطوع للمشاركة فيها الكثير من الإسلاميين المصريين)، إلى تقوية الهويات الطائفية المسيحية والمسلمة، ما نحّى المصريين المسيحيين إلى محليّة لا يُحسدون عليها، وأقصاهم خارج أي مشروع هوياتي على المستوى الإقليمى. وقد عزز هذا الوضع من شعور الكثير من مسيحيّي مصر بالانعزال، ولا سيما مع سيادة الخطاب المجتمعي الطائفي الذي يستهدف المسيحيين والذي ساد إثر وصول السادات إلى السلطة. ويمارَس هذا الخطاب في شتى مناحي الحياة، بما في ذلك المؤسسات التعليمية، من المدارس الابتدائية الى الجامعات، وكذلك في المناهج وبين المعلمين والطلبة. ويجب التنويه هنا الى أن هذا التمييز المُمأسس لطالما بولغ في طرحه من قبل مغتربين شوفينيّين ومتعصّبين، يعيش معظمهم في الولايات المتحدة وتصويره على أنه «اضطهاد»، كما بولغ في إنكاره والتهوين من شأنه من قبل الدولة ومريديها. ولا تكفّ هذه المبالغات عن طرح نفسها، مدعِّمة حججها بالوقائع الراهنة للعنف الطائفي، ولا سيما الأحداث الطائفية في جنوب البلاد. أما التظاهر الأميركي والبابوي بأنهما حماة حِمى الأقليات الدينية المحلية واستعانتهما، منذ ثلاثة عقود، بجيش عرمرم من المنظمات غير الحكومية الممولة أميركياً، فقد ساهم أكثر في تأجيج هذا الوضع الطائفي دون أن يحمي مسيحيي مصر.
يقع الوضع المصري اليوم في سياق من العنف الطائفي المرعب الذي مكّنه الاجتياح والاحتلال الأميركيان للعراق، وقد جلب الأخير معه منظمة القاعدة إلى العراق (وللمفارقة، فأينما تحل أميركا داخل العالم العربي أو خارجه، فإنها تصطحب معها منظمة القاعدة، واليمن خير مثال على ذلك، حيث أدى التدخل الأميركي المستمر إلى إشعال حرب أهلية في البلاد). وبينما كان وما زال معظم ضحايا العنف الطائفي في العراق من الشيعة والسنّة (فضلاً عن استهداف الجالية الفلسطينية الصغيرة في بغداد)، فما يتصدر أخبار إعلام الولايات المتحدة وأوروبا، كما هو متوقع، هو العنف المرعب ضد العراقيين المسيحيين، وكأن الأخيرين يُستهدفون وحدهم دون سواهم من الطوائف والإثنيات. مع ذلك يجب التشديد على أن وصول الأميركيين إلى العراق هو ما أدى إلى اختزال مسيحيي العراق إلى مستويات غاية في الضآلة.
كيف لنا إذاً أن نقرأ مجزرة الإسكندرية في هذا السياق، وماذا نحتاج إلى احتواء تداعياتها؟ ما يسعى إليه هؤلاء القلة الذين يؤمنون بأن التدخل الخارجي في مصر يمكن أن يؤمن حماية للأقباط هو استخدام هذه الفاجعة، بوعي منهم أو من دون وعي، لتوسيع دور الإمبريالية الأميركية في البلاد، وكأن ما جلبته الولايات المتحدة لمصر في العقود الثلاثة الماضية (من إثراء فاحش للأثرياء وإفقار مروّع للفقراء، وتقويض مؤسسات التعليم، والقضاء على الزراعة المصرية، واستشراء الفساد، وسرقة المال العام، والتبعية الاقتصادية، وإضعاف دور مصر الإقليمي سياسياً وعسكرياً، فضلاً عن دور الولايات المتحدة في تأجيج الطائفية في البلاد) لم يكن كافياً، أو كأنما سََبق للأميركيين أن تدخلوا يوماً في أي مكان من العالم لمساعدة المضطهدين او المُمَيّز ضدّهم، اللهم إلا إذا افترضنا أن الديكتاتوريّين المُقالين أو الطبقة الرأسمالية، التي حدّت حكومة وطنية ما من قدرتها على نهب البلاد دون حساب، هم جماعات «مضطََهدة». فلو كانت الولايات المتحدة هي فعلاً حامية الحمى، لما كفاها التدخل الأميركي لنجدة المضطهدين في بلادنا (وهم ملايين لا تحصى من مختلف الأصول والأعراق)، بل لكانت وضعت حداً لسياساتها التي تتسبب باضطهادهم أصلاً. يكفينا إذاً طرح الولايات المتحدة كحامي حمى المسيحيين العرب والمصريين!
يبدو لي أن المطالبة بإصلاح مؤسسات الدولة وإنهاء السياسات التمييزية هي الجوهر، ولكن يجب على هذه المطالبات أن تشمل أيضاً إصلاح المؤسسات الدينية التي تزعم أنها تتكلم باسم مسلمي مصر ومسيحييها، ولا سيما ذلك الخطاب الطائفي الذي ينتجه كلا الفريقين. هذا لا يعني أن علينا أن نتجاهل حقيقة الاختلاف الديموغرافي بين أغلبية من مسلمي مصر وأقلية من مسيحييها أو أن نغفل تعريف الدولة لدينـ«ها» على أنه دين الأغلبية ذاته (وهو ما عزّزه السادات ومأسسه تحت الرعاية الأميركية) عندما نقوم بتحليل سلطة هذه المؤسسات الدينية، بل إنه على مستوى الخطاب الطائفي يمكن رؤيتها كمرآة لبعضها البعض. إن التصريح بضلوع الدولة بالتلاعب الطائفي هو أقل ما يمكن قوله، ولكن يجب أن لا يجعلنا هذا نغفل عن أن لهذا الخطاب الطائفي اليوم زخماً مستقلاً يجب تفكيكه من قبل قوى المجتمع المدني المناوئة له، لا في الحيز السياسي فحسب، بل في الحيز الاجتماعي والثقافي أيضاً (وهنا يجب التنويه، وهذا لن يفاجئ أحداً، بأن مجال الثراء هو المجال الوحيد الذي لا نجد فيه أثراً يذكر للتمييز ضد المصريين المسيحيين الأثرياء).
يجب أن يفكّك هذا الخطاب لا عن طريق استراتيجيات تشمل التعبير عن «إعجاب» خاص بالمسيحيين كطائفة منفصلة (كما أفضى لي أخيراً مثقف فلسطيني ماركسي من أصول مسلمة في جلسة خاصة)، أو المغالاة في ذكر هويتهم الطائفية عند التحدث عن إسهاماتـ«هم» في التاريخ العربي أو المصري (وهي قضية يتبناها الليبراليون العرب الجدد وراعيهم الأميركي)، بل علينا أن نفهم أنه عندما تدّعي أميركا وأوروبا بأنهما «ترعيان» و«تحميان» المجتمعات المسيحية المحلية وتجعلان «الإعجاب» بهم موضة والتعريف بإسهاماتـ«هم» في العالم العربي الحديث (وأحياناً قبل الحديث) على أنها إسهامات «مسيحية»، فإنها تعمد الى إقصائهم عن بلادهم التي ينتسبون إليها ويعيشون فيها والتي يريد المتعصبون والكارهون لهم أن يقصوهم عنها أصلاً، واستهدافهم بعنف رهيب مدّعين بأنهم غرباء عن أوطانهم. لقد أقامت الحركة الصهيونية دولة يهودية حصرية ونادت بإخلاء العالم من اليهود وبتجميعهم داخل مستعمرتها الاستيطانية كي يعيشوا في دولة عنصرية غير متسامحة، وتسعى هذه القوى العالمية الآن الى تحويل البلاد العربية والمسلمة بالطريقة ذاتها إلى مقاطعات على الشاكلة الإسرائيلية تضم مسلمين «غير متسامحين» لن يتسامح معهم العالم «اليهو ـــ مسيحي» نتيجة عدم تسامحهم المزعوم.
ويجب أن لا يفوتنا في هذا السياق أنه في الأسبوع السابق على هذا الهجوم الإرهابي في الإسكندرية، كشفت السلطات المصرية عن خلية تجسس إسرائيلية في البلاد. وبما أن تاريخ الموساد وعملياته الإرهابية في مصر، بما في ذلك تفجير مكاتب بريد ودور سينما ومراكز ثقافية ومحطات القطارات في الخمسينيات، وعملياته الإرهابية المتواصلة حتى الساعة في جميع أنحاء العالم العربي (وللموساد شغف خاص بتفجير السيارات تحديداً)، يجعل من التحري عن الصلات الممكنة أو المحتملة بين جواسيس الموساد ومفجري الكنيسة أمراً في غاية الأهمية. ولكن المفارقة هي أن مأساة الإسكندرية لن تعود بالنفع إلا على الأميركيين والأوروبيين والإسرائيليين غير المتسامحين وحلفائهم المحليين المتطرفين وغير المتسامحين أيضاً (وإن كانوا أحياناً غير واعين لتحالفهم هذا)، ألا وهم أقلية عنيفة طائفية من بين الإسلاميين. فإن لم يرفض المثقفون العرب والمصريون، مسيحيين ومسلمين، علمانيين ومتديّنين، الانضمام إلى هذا التحالف الدولي لغير المتسامحين، فسيكونون متعاونين معهم على تحقيق أهدافهم.
* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث
في جامعة كولومبيا في نيويورك

الأحد، 9 يناير 2011

مكتوبلي اغنيلك



يا مصر يا حافظة قرآنك وأناجيلك
ولو تناديني م الغربة أنا اجي لك
فى وقت الشدة أدعيلك وآناجي لك
ومهما تموت هنا أجيال، أنا جيلك