السبت، 15 يناير 2011

We are Egyptians احنا مصريين


الرواية تعزف لحن الوحدة الوطنية رغم المرارة

خالتى صفية والدير لبهاء طاهر تعرض العلاقة الحميمة بين المسلم والمسيحى

سامح سامي 

الشروق 14-1-2011

فى العدد الماضى ذكرنا أن دراسة الدكتورة نيفين مسعد تؤكد أن القبطى يظهر فى الأدب بغير ملامح خارجية تميزه. وتجلى ذلك فى روايات صنع الله إبراهيم ونعيم صبرى ويوسف إدريس وإدوار الخراط.

ومن هذا المنطلق نعرف أن الأدب ينقل الواقع أو لنقل ينقل وعينا عن الواقع أو كما يردد بهاء طاهر فجنين الخيال هو الواقع، لذلك ليس غريبا أن يصور الأدب الأقباط هكذا بدون أى ملامح تخصهم. فلنقرأ بالتفصيل كتاب أبوسيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، (مركز دراسات الوحدة العربية 1987)، لذلك تقوم الدراسة على فرضية أولى هى أن القبط كأقلية دينية لا يشكلون أقلية عرقية أو سلالية أو لغوية. وهو الأمر الذى ميز الشعب فى مصر بدرجة عالية من التماسك أو التكامل (الاندماج) الاجتماعى، وهو الأمر أيضا الذى تجلى وبوضوح شديد فى الأدب المصرى.

نستطيع أن ندرج ضمن الأدب الذى يمكن أن ينتمى إلى الأدب القبطى «المكتوب باللغة العربية» ــ أقصد الأدب الذى به صور مسيحية أو مكتوب للحديث عن الوحدة الوطنية ــ بعض الكتابات، التى انتشرت فى أوائل القرن العشرين أمثال قصائد عوض واصف، وإبراهيم حنين، وفيليب عطا لله، وتادرس وهبى، واسكندر قزمان، وفرنسيس العتر، وروفائيل نخلة، وقسطندى داود، ونصر لوزا الأسيوطى، وكذلك أشعار بيروم التونسى، وغيرهم.

وعن ذلك، يقول الدكتور نبيل راغب إنه فى الوقت نفسه كان كبار الشعراء المسلمين مثل أحمد شوقى وعبدالرحمن شكرى (رفيق درب العقاد والمازنى فى مدرسة الديوان) وأيضا محمود رمزى نظيم، يشاركون الشعراء الأقباط فى عزف سيمفونية الوحدة الوطنية الحضارية المبهرة فى أوركسترا واحد.
هذا من ناحية الشعر، الذى يستلزم أن نفرد له صفحات كثيرة، أما من ناحية الروايات التى عزفت لحن الوحدة الوطنية، فنجد رواية الأديب بهاء طاهر «خالتى صفية والدير»، والتى بدأها طاهر بفصل عن المقدس بشاى الخدوم الشهم الذى «كان أشهر أهل الدير فى القرية وإن لم يعرف وضعه بالضبط. فهو لم يكن مثل بقية الرهبان المختلين معظم الوقت فى حجرات العيادة الصغيرة، التى يسمونها «القلايات» أو بالصعيدية «الجلايات». كان يلبس مثلهم ذلك الرداء الأسود. ولكنه كان يضع على رأسه طاقية عادية بدلا من القلنسوة المقلوبة الحواف، فهل كان راهبا تحت الاختبار أو مجرد خادم للكنيسة أو مزارعا فى أرض الدير؟».

وبهذا المدخل يفتح القارئ عينه على مشاهد تعكس ترابطا قويا بين أهل القرية، فنجد شيخ أزهرى يصطحب ابنه إلى الدير، ليهنئ الرهبان بأعيادهم، وطفل مسلم يحمل الكعك إلى مسيحيين، وقبطى يرشد الفلاحين إلى كيفية الزراعة الصحيحة.

ولكن لا يجب الاعتقاد أن عالم رواية «خالتى صفية والدير» ورديا، فى محبة وسلام على طول الخط، إذ نجد حنين المسيحى الخائن الذى أراد تسليم «حربي» المسلم، ولكن المقدس بشاى تصدى له، فالمقدس بشاى حسب الرواية :»آخر من يتمنى الموت لأى إنسان».

والصداقة التى نشاهدها فى رواية «خالتى صفية والدير» نجدها أيضا فى معظم الروايات، فأجزم أن معظم الروايات، التى تتدخل ضمن هذه الدراسة بها، وبشكل مكثف، هذه الصداقات الحميمة، فهناك صداقة المقدس دميان والشيخ مجد الدين فى رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية» لإبراهيم عبدالمجيد، فالصداقة هى البنية المهيمنة فى هذه الرواية، وهناك صداقة حسن مفتاح وفؤاد منقريوس فى «عنقاء» الدكتور لويس عوض. وكذلك الصداقة التى تظهر بوضوح فى رواية خيرى شلبى «إسطاسية» بين المحامى المسلم، الذى يريد أن يدافع عن حق إسطاسية وابنها المقتول محفوظ. لكن وراء هذه الصداقة مرارة ووجع عبر عنهما شلبى فى روايته، من خلال تناول قصة أرملة المقدس جرجس غطاس، التى تعيش فى إحدى القرى النائية بكفر الشيخ، قُتل ولدها محفوظ الحلاق فاشتعلت نارها وأصبحت تخرج كل يوم مع الفجر تصرخ وتناديه: «يرتفع أوار النار، يعلو زئيرها وصريخها بشكل ينذر بخطر يحرق البلدان كلها. تتفرع ألسنة اللهب مع وهج الاستغاثة وجلجلة التكبيرات المؤكدة بأن الصلاة خير من النوم. عندئذ تكون إسطاسية قد دخلت فى صُلب النار، صارت لها عشرات الألسنة الحادة الملتهبة، وصارت هى قريبة من السماء، تتطاير منها العبارات الملتهبة المكلومة إلى الفضاء كذرات من المشاعر المنصهرة فى صدرها، صورا من الوجع الشعورى الأليم، بمرارة الفقد والحرمان تقول:فيك يا من قتلت ولدى».

وبعد قراءة «إسطاسية»، نكتشف أن الصراع فى الريف بين العائلات «ماكيت» لما يحدث فى مصر كلها، فهناك بالريف تشتعل الصراعات والحكايات بين «حمزة البراوى» راوى الحكاية وبطلها الذى درس الحقوق وفشل فى أن يصبح قاضيا لتاريخ عائلته فى القتل والإجرام، والعمدة «عواد البراوى» عم حمزة وشريك محفوظ القبطى فى ماكينة الطحين، ومن ناحية أخرى هناك الجزار «عبدالعظيم عتمان» المتهم بقتل حمزة، والذى كان يزفر من الغيظ، يكز على أسنانه هادرا فى كل مكان أمام كل الناس:
ــ «طيب يا عضمة زرقا! إن ما وريتك النجوم الضهر
ما أبقاش أنا! ودينى لأدفعك التمن غالى وأطلع
دين صليب أمك ببركة نبينا المصطفى! حاكسب فيك
ثواب إن شاء الله».

وكان ذلك كله بسبب ماكينة طحين التى نجحت فى التنكيل بعبدالعظيم عتمان، خفضت رزقه إلى الثلث. يُقتل محفوظ ابن إسطاسية دون أن نعرف من القاتل الحقيقى إذ برأت المحكمة المتهم عتمان من تهمة القتل. إسطاسية وغيرها من الروايات التى صدرت حديثا تكشف مدى ما وصل إليه المجتمع المصرى وتفككه، لنشهد تغييرا ملحوظا فى الروايات حول علاقة القبطى بالمسلم. المجتمع طفحت عليه الفتنة الطائفية، مع الخوف من ما هو قادم.
عالم الرهبان
وعالم الرهبان المبثوث فى رواية خالتى صفية والدير، تطرق إليه أيضا إدوار الخراط، لكن بتصور مختلف، ففى قصة الخراط «أبونا توما» المنشورة فى مجموعته القصصية «حيطان عالية»، وهى قصة يتضح فيها ملامح الشخصية المسيحية ــ خاصة فى مجتمع الرهبان ــ ولكن يخيل لى أن إدوار الخراط لا يقصد فقط كتابة قصة عن الرهبان بالدير، وإنما تكمن قصته فى طرح أسئلة حول المسيحية، فى جانبيها الفكرى والفلسفى، فهو لا يشرح حياة الرهبان بقدر ما يطرح أسئلة بخبث محمود.

يتخذ الخراط من صومعتين متى وتوما خلفية للقصة، وتدور القصة حول أبونا توما وأبونا متى فهما: (لا يفتأن يصليان، ويترنمان بكلمات الله وتسابيح الآباء والقديسين. كانا يذهبان فى الأعياد إلى كنيسة الدير، ثم يعودان محملين بزاد روحى من التقوى)، ويروى الخراط أن أبونا توما بعد أن يفرغ من قراءة الكتاب وأداء الصلوات والترنيم بالمزامير والتسابيح يبدأ فى نسخ الكتب المقدسة. أما أبونا متى فكان يجدل الخوص ليعود بها فى العيد التالى إلى الدير.

وأنا هنا لا أحاول حكى الحكى، تماشيا مع رأى الخراط، ولكننى هنا ــ فى وضع الخائن للنص ــ أقرب صورة الشخصية القبطية للقارئ فقط، وهذا لا يعنى ألا يقرأه، بل ذلك فى تقديرى، إضاءة للقارئ حتى يعايش النص، ويستمتع بلذة القراءة.

خلاصة القول إن القصة تطرح أسئلة صعبة الإجابة منها: (كان الراهب خائفا، وكانت الريح تزف أدرك انه يعانى تجربة ليست من الله. فمتى يهدأ قلبه ومتى يتقوى بالروح؟) (الرب نساه. ويسوع الذى عرف آلام المجدلية فرحمها وغفر لها، لم لا يصغى لندائه الآن؟ لم لا يسمع له وهو يقرع بابه بانسحاق؟.. كم مرة انشده التسابيح والأشعار فلماذا لا يراعى دموعه، الآن، ويطرد عنه الروح الشرير؟). (راجع صفحة 178 فى مجموعته حيطان عالية). ولمزيد من التفاصيل حول أعمال الخراط القبطية، اقرأ كتاب ماهر شفيق فريد «الإغارة على الحدود»، الصادر عن مركز الحضارة العربية.

عزازيل علامة فارقة
أما الرواية الأشهر لعالم الرهبان فهى «عزازيل» ليوسف زيدان، التى شهدت جدلا واسعا بين الكاتب والكنيسة القبطية بتهمة تشوية العقيدة المسيحية. وهى تحتاج إلى مساحة كبيرة لمناقشتها، بل تحتاج إلى دراسة منفصلة، إذ إنها علامة فارقة فى تاريخ الأدب الذى يتناول صورة القبطى أو المسيحية.
«عزازيل» هى رقوق ثلاثين لسيرة ذاتية للراهب المسيحى المصرى هيبا (الحائر دائما)، والذى عاش فى الفترة المضطربة من التاريخ المسيحى الكنسى فى أوائل القرن الخامس الميلادى، والتى تلتها إنقسامات هائلة بين الكنائس الكبرى، وذلك على خلفية الخلاف حول طبيعة المسيح.
كتب الراهب هيبا رقوقه مدفوعا بطلب من عزازيل أى «الشيطان» حيث كان يقول له: «أكتب يا هيبا، أريدك أن تكتب، اكتب كأنك تعترف، وأكملْ ما كنتَ تحكيه، كله..». وأيضا «يقول فى رده على استفسار هيبا: «نعم يا هيبا، عزازيل الذى يأتيك منك وفيك».
وتتناول كتب الراهب هيبا ما حدث له منذ خرج من أخميم فى صعيد مصر قاصدا مدينة الإسكندرية لكى يتبحر فى الطب واللاهوت. وهناك تعرض لإغواء أمرأة سكندرية وثنية (أوكتافيا) أحبته ثم طردته لما عرفت أنه راهب مسيحى. ثم خروجه هاربا من الأسكندرية بعد ثلاث سنوات بعد أن شهد بشاعة مقتل العالمة هيباتيا الوثنية على يد مسيحى الإسكندرية بتحريض من بابا الإسكندرية البابا كيرلس عمود الدين. ثم خروجه إلى فلسطين للبحث عن أصول الديانة واستقراره فى أورشليم (القدس) ولقائه بالقس نسطور الذى أحبه كثيرا وأرسله إلى دير هادئ بالقرب من أنطاكية. وفى ذلك الدير يزداد الصراع النفسى داخل نفس الراهب وشكوكه حول العقيدة، ويصاحب ذلك وقوعة فى الحب مع امرأة تدعى (مارتا)، وينهى الرواية بقرار أن يرحل من الدير وأن يتحرر من مخاوفه، ليصبح حرا. وعزازيل لا تتعرض لصورة القبطى فقط، بل هى أوسع وأشمل من ذلك، حيث تتناول تاريخ المسيحية فى الشرق، لتصبح رواية فكرية إذا جاز التعبير.

سير ذاتية

وهناك بعض السير الذاتية التى تدخل ضمن الأنواع الأدبية، منها أعمال الرسام رجائى ونيس فى سيرته الذاتية «خطوط الألم وألوان الابتسام»، يكتب عما يجيش داخله تجاه وطنه مصر»، حسب وصف الدكتور نبيل راغب فى كتاب «الوحدة الوطنية فى الأدب المصرى». ويشرح ونيس بقلمه بعض المتغيرات، التى طرأت على المجتمع المصرى كأنه يعيش فيه تماما، ويسأل عن سر الشرخ الكبير الذى أصاب هذا المجتمع المسالم والمتسامح والمتحاب، وعن سبب تراجع المرأة المصرية عن مشاركتها فى الحياة العامة، وهل يعود ذلك إلى الزحام أم إلى طبول الثورة الإيرانية. كما نجد أيضا الرسام جورج البهجورى قد سجل تجربته كفنان ــ وأديب ــ قبطى فى كتابين يمزجان بين فن الرواية وفن السيرة الذاتية، وهما «أيقونة فلتس»، و«من بهجورة إلى باريس».
أما الكاتب الكبير لويس عوض فله رواية واحدة هى «العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح» التى يرى فيها أن الشيوعية وحدها فيها الخلاص كما فى المسيحية الخلاص، ولعل ذلك ما جعل بعض النقاد الأقباط يرفضون الرواية ويحكمون أن تاريخ الرواية المصرية يتجاوزها فى أحايين كثيرة، بل تحيز أحدهم ضدها بشكل ملفت إلى النظر، يجعلنا نسأل: إلى أين يتجه النقد الأدبى فى مصر؟ هل يكتب الروائى ما يتوافق مع الناقد، أو حتى ما يتوافق مع التراث القبطى، أم أن الروائى حر ــ شديد الحرية فيما يكتب ــ لا يملى عليه أحد ما يكتب، وكيف يكتب خاصة إذا كان فى قامة مثل لويس عوض؟!.

المهم أن الرواية فى جزء منها تتبدى صداقة فؤاد منقريوس وحسن مفتاح الذى ود لو أنه تعلم كيف يتلو: «أبانا الذى فى السموات «إكراما لفؤاد منقريوس، فلعل السماء تقبل لغة النصارى عن أرواح النصارى ولغة المسلمين عن أرواح المسلمين. وتظهر فى الرواية حب وثقة حسن مفتاح فى منقريوس حين يقول: (إن فؤاد منقريوس اعرف الناس بمصلحة فؤاد منقريوس، فإذا كان فؤاد منقريوس قد خرق قوانين الطبيعة وآثر الموت على الحياة فلابد أن لديه من الأسباب ما يبرر ذلك).

ويكتب رءوف مسعد فى «مزاج التماسيح» عن القمص ملاك عبدالمسيح، وأخته تفيدة العانس المرتبطة بتقاليد بالية ومتخلفة غير إنسانية بل غير مسيحية، ويحكى بأسلوب تقريرى «صحفى» عن التعصب الدينى الناتج عن الجهل والذى حول الناس إلى ميليشيات: (فى المناطق التى استولت عليها الميليشيات المسيحية، التى اتخذت لنفسها أسماء الملثمون وفرسان الشهيد العظيم مارجرجس وجنود يهوه، كان القمع الباتر الحاسم العاجل لكل فكر أو حركة مختلفة يتم بنفس الطريقة التى يتم بها فى المناطق التى تقع تحت سيطرة الميليشيات المسلمة مثل الناجون من النار وحزب الله والتبليغ والدعوة)، بالإضافة إلى حديثه عن المظالم التى يتعرض لها القبطى فى عرض حال رقم واحد من قتل وحرق واضطهاد.
ويطرح مسعد فى مزاج التماسيح ــ وفى معظم كتاباته، خاصة بيضة النعامة ــ بأسلوب ساخر ضاحك مناظرات نقدية للأديان والطقوس الخاصة بتلك الأديان: (انظر إلى الأناجيل الأربعة، ألا يلفت نظرك رواياتها المختلفة لواقعة واحدة؟!).

وهناك مقال مهم للدكتور صبرى حافظ منشور بمجلة إبداع 1998، يعلق فيه على «بيضة النعامة» لرءوف مسعد، قائلا: «إن قضية الكنيسة التى تستلهم الرواية رمزها عنوان لها، تكشف لنا عن أهم سلبيات هذه الرواية. وهى فرض الوعى الخارجى المقحم على بنية باستطاعتها بدونه أن تعبر عنه بطريقة أكثر عمقا وتمكنا. الكاتب يريد أن يبلغ قارئه انشغاله بقضية الكنيسة المصرية ومستقبل الأقباط فى مصر، وهو انشغال بلوره نسيج التجربة نفسه بطريقة أكثر فنية وإقناعا. لذلك فإن الكنيسة المصرية التى ينتمى إليها الكاتب كان من الممكن لها أن تظل فاعلة بشكل أعمق فى النص لو لم يطف بها إلى سطح الأحداث فى الجزء الأخير، ويقحم قضيتها بشكل لا علاقة له ببنية النص «الشبقية»، كما أقحم عليه الكثير من التعليقات السياسية الساذجة فى بعض الأحيان».

رواية مسيحية خالصة
ومن الروايات التى تمتلئ بالصور القبطية، بل تتخذ من بداية العنوان وحتى نهاية الرواية الصور القبطية إطارا لها رواية «البشمورى» لسلوى بكر، فالبشمورية لهجة من اللهجات القبطية، تختزل فيها بكر، حسب رأى الناقد نبيل راغب، على لسان الأنبا يوساب تصور الأقباط لطبيعة العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والوطن المصرى فتقول: (إن الكنيسة هى الحافظة لمصر، فان ضاعت، ضاعت معها البلاد إلى الأبد). ولأنها كذلك، أى لأن الكنيسة الأرثوذكسية هى الحامية لمصر، فإن الأنبا يوساب لم يكن يقلقه انتشار الإسلام فى القرى والكفور. فرباط الود يجمع الأقباط مع المسلمين. أما صراعه الحقيقى كقبطى فكان مع الكنيسة الملكانية المهرطقة، التى اعتبر تحريفها للعقيدة الحقة نوعا من الهرطقة التى يجب أن يحاربها بكل طاقته.

وعلى العكس مما يشاع عن سلبية الأقباط فى الواقع، وابتعادهم عن السياسة، يظهروا فى البشمورى شخصيات مسيسة كالبطل «مينا بن بقيرة» القبطى الثائر الذى (افتتن زمنا بأقوال الكافر مانى عابد الشيطان.. ثم إن البشمورى عاد واهتدى إلى الدين الحق، بعد أن تعقل، واعترف بخطاياه على يد أبى بيعة بلدته النجوم). وتذكر بكر أنه قاد المقاومة المسلحة لبلدته (البشمورى) ضد غلو الولاة فى جباية الخراج، وكذلك يظهروا فى روايات نجيب محفوظ، خاصة علاقتهم بحزب الوفد.

ومن الروايات اللافتة للنظر رواية «قرية ظالمة» لمحمد كامل حسين، وهى رواية تعتمد على الأفكار المسيحية من حب وتسامح ونبذ الحروب، ونستطيع القول بأن الرواية لا تتجسد فيها ملامح الشخصية القبطية، لكنها رواية بها الكثير من كلمات المسيح، خاصة موعظته على الجبل. ونجد ذلك أيضا فى القصة القصيرة «أيوب» من مجموعة الشيطان يعظ للأديب نجيب محفوظ، فهى من وحى سفر أيوب فى العهد القديم بالكتاب المقدس. ولعلنا كلنا نعرف قصة أيوب. تروى قصة نجيب محفوظ عن رجل أعمال يتمتع، ويمتع أسرته، بالجاه والمال، أصابه مرض جعله قعيد الفراش، ويعانى من الإحباط والاكتئاب.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك أيضا رواية «أوراق زمردة أيوب» للروائى بدر الديب الذى عالج رؤيا مسيحية، بموهبة وبصيرة، وإن كان كما هو معروف ليس مسيحيا. وفى أحاديث كثيرة مع إدوار الخراط خلال إعداد هذه الدراسة أكد أهمية الديب، موضحا أن روايته كلها ــ فى تصور ممكن لها ــ تتخذ صيغة الاعتراف والحديث الحميم بل تكاد تكون بديلا لـ «الاعتراف» بمعناه، وبطقسه المسيحى، بل القبطى، ففيها الكثير من الإيحاءات المسيحية بداية من العناوين الداخلية: الوحدة الجديدة، والآنية المسروقة، وطقس الاعتراف، وآنية للهوان، وكل هذه العناوين ترمز إلى أمور مسيحية مذكورة فى العهد الجديد، بل فى الرواية الكثير من التوحد الشديد بين زمردة المسلمة والقديسة جميانة، أو دميانة. إذن زمردة قبطية على نحو عميق ودال، تموت فلا تترك ميراثا إلا مذكراتها التى أوصت أن تحرق بعد موتها، كما طلب كافكا من صديقه ماكس برود حرق كتبه.

قضية إسلام القبطى
كان عبدالحكيم قاسم واحد من أهم الروائيين الذين تعرضوا بجرأة إلى محاولات أسلمة الأقباط، من بعض المتعصبين، إذ رسم فى روايته القصيرة «المهدى» المنشورة فى كتاب «الهجرة إلى غير المألوف» بدار الفكر 1986، حكاية إعلان إسلام القبطى الفقير المعلم عوض الله صانع الشماسى فى القرى على أيدى شعبة الإخوان المسلمين فى قرية محلة الجياد بطنطا، ويجسد كيف يضغط القوى على الضعيف، وكيف لا يطيق طلعت وكيل الإخوان المسلمين والقائم بمعظم الأعمال وجود المخالف له، وهو المعلم عوض الله القبطى. ويصور قاسم فى روايته طلعت كالطائر الجارح الذى ينقض على فريسته، فهو قد دبر كل شىء، وأوجد للمعلم عوض الله مكانا ليبيت فيه، أطلق عليه المهدى ــ الاسم يحمل دلالة أن عوض «المسيحى» اهتدى إلى الله ــ وقدم له مصحفا، مشيرا إلى قراءة بعض الأجزاء منه وهى: (إذ قال لله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، قال سبحانك، ما يكون لى أنا أن أقول ما ليس لى بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك علام الغيوب، ما قلت لهم ألا ما أمرتنى به)، ولم يستطع المعلم عوض أن يقرأ أكثر فالقى برأسه على الحائط خلفه، وانهمرت دموعه وهو يتمتم (يا يسوع المسيح يا بن الله مجد اسمك). ولم يستطع عوض القبطى معارضة الإخوان المسلمين، ولكنه كان يصرخ فى داخله (أيها الآب، قد أتت الساعة، مجد ابنك وليمجدك ابنك).

وقبل أن يصل المهدى إلى المسجد ليشهر إسلامه، يترنح على الفرس وينكفئ على وجهه فاقدا الوعى تماما ويموت المهدى قبل أن ينطق الشهادتين، ثم تصلى زوجه «فلة» وتقول باسم الرب يسوع المسيح وترسم على صدرها علامة الصليب.

ورواية قاسم بها إيحاءات تصل إلى حد الوضوح بين السيد المسيح والمعلم عوض، فعندما يساق عوض يقول: (هوذا الساعة قد اقتربت، وابن الإنسان يسلم إلى الطغاة)، وعندما حرص الإخوان المسلمون على لف العمامة على رأس المعلم رن داخله صوت: (وضفر العسكر إكليل من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه ثوب أرجوان»، وأيضا يمتلئ رأس المعلم عوض بصخب المشهد الكنسى، وعلامات الحداد حين يمسك طلعت به: (ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع ومضوا به).

يبقى أن نشير إلى أن هناك روايات وقصصا قصيرة، تدخل ضمن الدراسة، لم نستطع عرضها هنا، منها «عمارة يعقوبيان»، و«شيكاجو» لعلاء الأسوانى، و«النبطى» ليوسف زيدان»، و«عيب إحنا فى كنيسة»، و«البتول» لروبير الفارس، و«منتهى» لهالة البدرى، و«النزول إلى البحر» لجميل عطية إبراهيم، و«بنت من شبرا» لفتحى غانم، وبعض أعمال يوسف الشارونى، وفوزية أسعد، وبعض الأعمال الشعرية مثل «الظل والصليب» لصلاح عبدالصبور.

الجمعة، 14 يناير 2011

على باب سفارة كندا

الشاعر : علي سلامة

المسيح ومحمد: فى مدح الحياة والإنسانية

خلف علي حسن 
المصري اليوم 13-1-2011

عقب حادث الإسكندرية المأساوى، يدور فى الذهن تساؤل، ما هو المبرر الدينى لدى مرتكب هذه الجريمة البشعة، والذى ارتكن إليه لينفذ فعلته الشنعاء؟ وهل الدين الإسلامى أو المسيحى أمر بقتل النفس البشرية التى أوصى بها الله أياً كانت ديانتها؟..
 لا مبرر دينياً ولا نص قرآنياً أو إنجيلياً يحض على العنف ويأمر بقتل نفس كرمها الله، فالإسلام - وليس دفاعاً عنه - دعا إلى المحبة ونشر التسامح مع باقى أصحاب الديانات الأخرى خاصة الأقباط، وجاء بنص قرآنى صريح «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» (سورة المائدة: الآية ٨٢)،
فهل المسلمون فى هذا الصدد يحاولون استرضاء المسيحيين كنوع من السياسة والخداع أو الكياسة؟.. كلا!
 لا شىء من هذا القبيل؟ فليس لهم خيار، بل هم يوضحون فقط ما أمرهم به الله، وما أوصاهم به القرآن الكريم، بل يرددون - كما يؤكد الدكتور شريف وهبى فى كتابه «لماذا المسيح ومحمد» الصادر عن مكتبة الشروق الدولية ويقع فى ٢٩٠ صفحة: نحن المسلمين نعتقد أن عيسى كان واحداً من أعظم رسل الله، وأنه كان المسيح الحق، وأنه ولد بمعجزة دون اتصال رجل بامرأة، وكان يحيى الموتى بإذن الله، وأنه شفى أولئك الذين ولدوا عمياناً أو مصابين بالبرص بإذن الله، والمسلم لا يعتبر مسلماً إن لم يؤمن بعيسى عليه السلام.
لسنا هنا بمكان للتوضيح بالآيات القرآنية والدلائل على سماحة الإسلام أو محبة المسيحية أو ترديد أن المسيح ذكر فى القرآن خمسة أمثال ذكر نبى الإسلام نفسه، أو أن الروح الطيبة - كما يقول الكاتب - التى يبديها المسلم دائماً نحو عيسى وأمه مريم العذراء، إنما تنبع من منبع إيمانه بالله والقرآن، أو أن إيمان المسلم لا يكتمل إلا بالإيمان بجميع الرسل والأنبياء.
لا يعتبر وهبى كتابه تأريخاً للمسيح ولا تأريخاً للرسول، إنما هو - حسبه - تبيان لموقفهما من الإنسان، فالإنسان هو الموضوع الذى يشغل المؤلف، لأنه هو محور الوجود كله، وهو سيد فى هذا الكون، بل إن الكون خلق من أجله، وكل شىء فى هذا الوجود مسخر له، والديانات كلها جاءت من أجله، والقرآن والإنجيل يدوران حوله، بل هو كتاب - كما يؤكد - يتعرض لنماذج من أخلاق المسيح ومحمد، يبين فيها نقاء هذين الرسولين وسماحتهما وعظيم خلقهما مع الإنسان، وأنهما لم يأتيا لفرض مشيئتهما على الأرض، وإنما جاءا ليبذلا السلام للعالم، وأنهما احترما الحياة فى كل حى، فى الإنسان والحيوان والطير.
بل يعد فى مجمله - حسب تقديرنا - رسالة مهمة إلى المسلمين والمسيحيين فالإسلام والمسيحية ديانتان سماويتان فحواهما واحدة فى الأساس ألا وهى إصلاح النفس البشرية وتقديم ما هو أفضل للإنسان لكى يستطيع أن يحيا برقى وسمو من خلال التعاملات الإنسانية البسيطة التى تضفى على الحياة روح الحب والود والتآلف بين البشر.
ويظل التساؤل - وهو عنوان الكتاب - قائماً: لماذا المسيح ومحمد؟ وهما اللذان علمانا صقل النفس وتعليتها - كما يوضح وهبى فى فصله المعنون بـ«محمد والمسيح من أجل الحياة» - بنصوص جليلة فجاء على لسان المسيح: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه»، ويقول القرآن الكريم المرتل على أفضل المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها» (سورة الشمس: الآيتان ٩ و١٠).
يستجلى القارئ من كتاب شريف وهبى المقسم إلى تسعة فصول منها: « ماذا قدم المسيح ومحمد للإنسان؟» و«المسيح ومحمد من أجل الحياة» و«المحاكمة الظالمة للمسيح» و«الدين والطائفية» و«التعصب والتسامح» أن الهدف الأساسى من الرسل هو الحياة وتعلية شأن الإنسان، فقد جاء الرسولان العظيمان ليضعا نصب أعينهما اكتشاف هذا العالم الحقيقى للإنسان حيث تكمن بداية الوجود الحقيقى لهذا الإنسان من خلال تعاملاته الصحيحة مع البشر، وأن أذكى العلاقات هى علاقات الإنسان بربه ثم بنفسه ومن ثم العائلة البشرية كلها، وأيضاً الكون وأسراره العجيبة.
تشهد الأحداث الأخيرة على أن سلوك البعض وعلاقاتهم بمحيطهم تبدلا، وأن عدة مفاهيم دينية مغلوطة لدى الطرفين دُست فى الأذهان داخل الباحات العريضة ونفذت، أو مصلحة ما لطرف ثالث، يريد تنفيذها، ليستفيد من هذا التشرذم الحادث، وتحدث بعض المراقبين عما سموه الاستغلال السياسى لحادث الإسكندرية الأخير، وكيف أن البعض يحاول استثماره واستخدامه فى الابتزاز وتعظيم المكاسب، ليطرأ التساؤل الأكثر حيرة، ماذا حدث للمصريين بالفعل؟!
تناسى هؤلاء، الذين يجمعهم وطن واحد وتحملهم أرض واحدة ويحملون هماً سياسياً واجتماعياً مشتركاً، أن التعاليم الدينية التى وردت على لسان المسيح ومحمد حرّمت إراقة الدماء، وأكدت حق الإنسان فى الحياة، والعيش سالماً وآمناً، تلك التعاليم التى جاء بها الدينان العظيمان، على لسان النبيين - كما يقول وهبى فى كتابه - جاءت على لسان عيسى بـ«ابحثوا عن الحق» و«أنا خبز الحياة» و«الله محبة» و«أنا ما جئت لأدعو أبراراً للتوبة بل الخاطئين» و«ما جئت لأهلك أنفس الناس بل لأخلص»، ولقد احترم نبى الإسلام الحياة فى كل حى، فى الإنسان، والحيوان، والطير، والأسود والأبيض، وهو ما يغفل عنه البعض، فهذا موقفه حين مرت جنازة اليهودى أمامه، فوقف لها فى خشوع حتى إذا جاوزته، فقال له أصحابه: إنها جنازة يهودى، فأجابهم: «سبحان الله.. أليست نفساً؟!».
يضيف الدكتور شريف وهبى: جاء الرسولان الكريمان لذلك الغرض، إلى الحب والإخاء، كما أن أروع ما فى دعوتهما للحب من شواهد: إسقاطهما ذنوب المتحاربين فى الله، وجعلهما الحب رحمة واسعة، تذوب فى دفئها الخطايا والآثام.
وبعد، لقد نفر المسيح - كما يقول وهبى - من الحرب نفوراً شديداً ويحذر من عواقبها حيث يقول «كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرُب، وبيت كل منقسم على نفسه يسقط»، كذلك حين فسر سبب المغفرة الشاملة التى بشّر بها السيدة الخاطئة، فيقول «لقد أحبت كثيراً، فغفر لها كثيراً»، و«محمد» الذى يساق إليه ذات يوم رجل من المسلمين سكيراً فيرفض أن يلعنه، لأنه يحب الله ورسوله،
كما بلغ عن ربه: «أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً» (سورة المائدة: الآية ٣٢)، أيضاً «والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس التى حرّم الله إلا بالحق» (سورة الفرقان: الآية ٦٨)، وهكذا - كما يقول وهبى - يقيم المسيح والرسول المعيار الحق لفضيلة الإنسان - أى إنسان - وهذا المعيار هو الحب، وهو يعنى، حب آثار رحمته جميعاً من بشر وشجر وحجر، ويعنى حب الحياة كلها والإنسانية.
يؤكد الكاتب وفى مواضع كثيرة من الكتاب - المتضمن الكثير من الآيات القرآنية ونصوصاً من تعاليم الإنجيل - أنه كما جاء عيسى ليكمل الشريعة، جاء محمد ليستأنف المسيرة، ولقد كان «الصليب الكبير» الذى أعده المجرمون للمسيح يتراءى للرسول دوماً، وما كان من الخير أن يُمكن المجرمين من انتصار جديد ينعمون فيه بدم رسول شهيد، وإذا كان المسيح قد حمل «صليبه» من أجل السلام، فإن محمداً قد حمل «سيفه» من أجل السلام أيضاً، فكلاهما - والكلام للكاتب - سيف، ويوضح «فالصليب الذى حمله المسيح سيف»، أراد اليهود أن يقضوا به على «ابن الإنسان» ورائد الحق، وكان مصلتاً لنصرة الحق، وسيف محمد، سيف أراد أن يقضى به على أعداء الإنسان وأعداء الحق، وكان مصلتاً على الباطل، وغاية الرسولين واحدة وهى السلام، وفى سلوك المسيح، عبّر عن نفسه بالرحمة، ولدى محمد عبر السلام عن نفسه بالعدل.
يشير الكاتب فى فصله المعنون بـ«بين الدين والطائفية» إلى أن من أبرز ظواهر الحياة الاجتماعية فى تاريخ الإنسان تدينه العميق، الذى يجعله خاضعاً لإله قدير، يرجو رحمته ويخاف عذابه، كما أن الديانات السماوية جميعها لا تخلو من النزعة الإنسانية الرحيمة، فكلها تأمر بالرفق، وتحث على الحب، وتنهى الخصام، وتمقت القسوة والأذى وهى بذلك من أكبر العوامل فى نشر السلام بين الناس، وقيام الثقة والتعاون بينهم فى شؤون معاشهم ومعاملاتهم، لكن - والكلام لوهبى - يوم ينقلب الدين لمفهوم ضيق يتميز بالحقد والعداء، ويبعث على النزاع والشحناء، وينتهى إلى الفتن وسفك الدماء.. يومئذ يكون الدين قد تحول إلى طائفية ذميمة، تنذر بشر العواقب وأوخم النتائج.
ليست الأديان وسيلة حرب، ولا أداة للخراب، ولا باعثة للشقاء، وها هى تعاليم الأديان فى كتبها المقدسة، أين يجد الناس فيها - كما يقول وهبى - ما يدعو إلى تحقير مخالفيهم، والاعتداء عليهم، وسلبهم أموالهم وأعراضهم وهناءهم؟

الأربعاء، 12 يناير 2011

كيرياليسون - ترنيمة مسيحية وإنشاد إسلامي


كيرياليسون
غفرانك يا أرحم الراحمين
مزج بين ترنيمة مسيحية وإنشاد إسلامي
فرقة أنا مصري 

شلومو ساند: لا يوجد شيء اسمه الشعب اليهودي


 
هدي حسين 
الشروق 23-3-2010
من بين هذه الأساطير التى كانت موضوع الكتاب الذى طرحناه الأسبوع الماضى للمفكر الفرنسى المسلم «روجيه جارودى» «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، والذى صدرت طبعته العربية عن دار الشروق، بمقدمة للأستاذ «هيكل»، اخترنا اليوم أسطورتين رئيسيتين هما: أسطورة الشعب المختار، وأرض الميعاد، اللتين نجحت الجماعة الصهيونية فى تسويقهما واعتبارهما المسوغ التاريخى الأهم فى تأسيس هذا الكيان الضاغط على الأراضى الفلسطينية.

لكن تقويض هاتين الأسطورتين جاء هذه المرة من داخل إسرائيل، على يد المؤرخ الإسرائيلى «شلومو ساند»، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة تل أبيب، والذى استطاع عبر كتابه الأشهر «اختراع الشعب اليهودى» أو «متى وكيف اخترع الشعب اليهودى»، أن يؤكد عدم أحقية اليهود الإسرائيليين فى أرض فلسطين، بعدما أثبت من خلال الدراسة التاريخية المتعمقة، كذب الرواية المنسوبة للتوراة، بطرد الرومان لليهود عام 70 ميلادية، والتى عرفت باسم «الشتات اليهودى»، الذى أسس عليه الصهاينة فيما بعد الدعوة العودة إلى أرض الميعاد أو فلسطين.

«لا يوجد شىء اسمه الشعب اليهودى».

هذا ما أكده «ساند» فى مجمل لقاءاته وأحاديثه الصحفية، وبنى عليه كتابه الذى صدرت منه عشرات الطبعات، فهو يرى أن: «الشعب اليهودى آت من الكتاب المقدس، بمعنى أنه شىء خيالى تم اختراعه بأثر رجعى».

وطبقا لتأكيدات «ساند» فإن اليهود لم يطردوا من فلسطين، وظلوا بها واعتنقوا المسيحية والإسلام فيما بعد، مما يعنى أن يهود الأمس هم الفلسطينيون، الذين يعيش أحفادهم على الأرض للآن، الأمر الذى يدحض الادعاء الصهيونى بكون فلسطين هى وطن اليهود الذى هجروا عنه، قبل آلاف السنين، ثم عادوا إليه عام 1948.

يقول ساند: «أنا مثل بقية الإسرائيليين اعتقدت بأن اليهود كانوا شعبا يعيشون فى يهودا، وأن الرومان نفوهم عام 70، ولكن عندما بدأت أنظر إلى الأدلة اكتشفت أن النفى هو أسطورة، حيث لم أجد أى كتاب تاريخى يصف أحداث النفى».
ويضيف الرجل أن السبب فى ذلك هو كون الرومان لم ينفوا أى شعب من فلسطين، وأن معظم اليهود فى فلسطين كانوا فلاحين، وكل الأدلة تشير إلى أنهم مكثوا على أراضيهم.

أما فكرة الشعب اليهودى أو القومية اليهودية التى بنيت على أساسها الصهيونية، وأنشأت دولة إسرائيل، فيصفها كتاب «ساند» بأنها: «أسطورة اخترعت منذ نحو قرن واحد».

إذن من يكون اليهود الموجودون اليوم بإسرائيل؟ وما حقيقة الرابطة الإثنية والبيولوجية التى يعتقدون أنها تجمعهم؟

هذا السؤال طرحه وأجاب عنه «شلومو ساند» فى كتابه قائلا: إنه لا وجود لقومية يهودية أو شعب يهودى واحد، يعود فى أصوله العرقية والبيولوجية إلى جزر منفرد، كما يزعم الفكر الصهيوني، وإنما هناك الدين اليهودى، الذى ينتسب أتباعه إلى قوميات وإثنيات وجغرافيات متعددة، أى أنهم مزيج من الأوروبيين والأفارقة والفرس وغيرها من البلاد التى انتشرت فيها الديانة اليهودية، كغيرها من الديانات، ولا يربطهم إلا الانتساب إلى هذا الدين.

وأضاف «ساند» أن القومية اليهودية مشروع صهيوني، تطورت بذوره فى القرن الـ19، متأثرا بالقومية الألمانية، وتجزر عصر القوميات فى أوروبا، حيث قام الصهاينة باستنساخ التجربة، بخلق واختراع قومية يهودية، أكد الرجل أنها ليست موجودة، سواء من الناحية التاريخية أو العلمية.

ووفقا لساند فقد اعتبر اليهود أنفسهم شعبا لمجرد اشتراكهم فى ديانة واحدة، ثم شرعوا فى خلق تاريخ قومى لهم، باختراع فكرة الشتات والعودة إلى أرض الميعاد.

وقد قامت هذه الفكرة الأخيرة، أو الاختراع الصهيونى على ركنين أساسيين، ينتميان إلى التاريخ التوراتى غير الدقيق، وكلاهما قام المؤرخ الإسرائيلى بتفكيكهما وهدمهما.

الركن الأول هو فكرة الشتات اليهودى، وسبق الحديث عنها، أما الركن الثانى فهو كون الدين اليهودى لم يكن دينا تبشيريا، بل ظل محصورا بالجماعة الإثنية التى حملته واعتنقته فى بداياته، ما يعنى بحسب الادعاء الصهيونى أن الشتات الذى طرد من فلسطين وبقى على قيد الحياة، يعود فى جذوره إلى القبائل اليهودية الأصلية التى هُجرت من فلسطين، وأن اليهودية لم تدخلها أجناس أخرى أثرت على نقاء العرق اليهودى، وهو الأمر الذى نفاه «ساند» بشدة، مؤكدا أن اليهودية لم تختلف عن غيرها من الديانات فى نزوعها نحو التبشير، وإقناع أفراد وقبائل وشعوب أخرى بالدين الجديد، بل وسخر الكاتب بشدة، من بعض التوجهات البحثية فى إسرائيل، والتى تحاول إثبات وحدة الأصل الجينى لكل يهود العالم، بالاعتماد على تحليل الحامض النووى (DNA)!

«لقد ولدت دولة إسرائيل بفعل اغتصاب للمواطنين الأصليين سنة 1948».

هذا ما أراد «شلومو ساند» الذى كان صديقا للشاعر الفلسطينى الكبير «محمود درويش» أن يؤكده، موضحا أن القومية اليهودية المختلقة على أرض فلسطين، لم تكن إلا مشروعا سياسيا استعماريا وأيديولوجيا، وأطروحاته يجب أن ترى من منظار الأيديولوجيا، وليس التاريخ.

هذه هى توصية «ساند» فى كتابه الذى عمل عليه لأكثر من عشر سنوات، وفجر به عددا من الأطروحات المفارقة فى جرأتها، والتى هيجت عليه عشرات الصهاينة وأنصارهم داخل وخارج إسرائيل.

وقد كانت البداية هى جملة التساؤلات العلمية والأكاديمية حول عدد من المسلمات التاريخية المؤسسة ليس فقط للمشروع السياسى للحركة الصيونية، بل والتى وأصبحت بديهيات علمية وموضوعية فى الثقافة السائدة فى إسرائيل وفى الغرب أيضا.

ووفقا لـ» ساند»، فقد كان السؤال الذى يلح عليه دائما هو: «لماذا تحتوى الجامعات الإسرائيلية على أقسام منفصلة لتدريس التاريخ بشكل عام، ثم تاريخ الشرق الأوسط، والتاريخ اليهودى، وكأن هذا الأخير منفصل عن بقية التواريخ ويمتاز باستثنائية متفردة؟».

أيضا لماذا يتم ترحيل التوراة، وهى كتاب دينى مقدس، من رف الدراسات الدينية إلى رف الدراسات التاريخية، لتصبح بقدرة قادر كتابا تاريخيا يدرس فى الكليات والجامعات والمدارس العلمانية؟.

وهكذا تصبح المادة التاريخية التى من المفروض أن تخضع للبحث والتمحيص العلمى مادة مقدسة! ولا مجال لنقدها أو نقاشها، وهى التى يجب أن تدقق عبر مناهج التحليل والخطاب، وتتم تنقية الوقائع التاريخية والحقيقية فيها من الخرافات والأساطير، وهو ما تحول دونه دائما إسرائيل رافعة الكارت الباهت بتهمة معاداة السامية.

ويبدو أن هذا هو ما تسبب فى تأجيل كتاب «اختراع الشعب اليهودى». فـ«شلومو ساند» يعترف بأنه لم يمتلك الجرأة الكافية لمناقشة كل تلك الأفكار فى كتاب علمى ونشرها، إلا بعد أن حصل على لقب «الأستاذية» الكامل «البروفسور»، بما يضمن له نوعا من الحصانة الأكاديمية، ويجعل من الصعوبة محاصرته، ومعاقبته بطرق غير مباشرة، مشيرا إلى أن الخروج عن «الخط الرئيسى» للتفكير السياسى والأيديولوجى المؤسس لإسرائيل يترتب عليه تكلفة كبيرة على «الخوارج»، حتى لو تم ذلك الخروج فى المؤسسات الأكاديمية والبحثية 
......
من ملف جريدة الشروق 
الملف بعنوان: بجهود عربية وإسرائيلية.. التاريخ يثبت كذب الأساطير الصهيونية

يوجد أيضا بالملف مقال عفيف البهنسي كتمثيل لوجهة النظر العربية بعنوان:فلسطين لم تكن وطنًا لبنى إسرائيل

الملف كاملا على

http://www.shorouknews.com/File.aspx?TaxID=710&ID=197640